“دفتر الحكايات”:
هل من آذان تصغي للنساء في مصر؟

مواجهة العنف ضد النساء في مصر، بشكل جاد وعمليّ، أمر بالغ الصعوبة، وهو أيضاً محفوف بالمخاطر. وما يجعل هذه المواجهة معقدة في الواقع، هو حجم هذا العنف واتساع نطاقه واستمرار التعامل معه بسرية وخفاء.

العنف ضد النساء متجذر في نسيج حياة النساء اليومية في مصر، راسخ في الفضاء العام، وفي الفضاءات الخاصة أيضاً. هو عنف مادي، معنوي، بدني، لفظي، ضمني، يمارسه الرجال ضد النساء، وتمارسه النساء ضد النساء أيضاً، وتمارسه المؤسسات العامة والخاصة. 

استحالة التوافق على التعريفات والمصطلحات، جانب مهم يصعب من مواجهة العنف ضد النساء، إذ يتم تمييع العنف في صراع حول ما ينبغي تصنيفه كعنف في الأساس، ثم في مواجهة مواقف تعتبر (بعض) العنف مقبولاً، وتسعى إلى تحويل النقاش ليكون حول أي (قدر) من العنف، ينبغي القبول به. إلى جانب، الصراع حول الآليات.

شهد العام الماضي تطوراً من حيث الكم والكيف لجهود مجموعات تعمل في مواجهة العنف ضد النساء.

هناك مؤسسات تواجه العنف ضد المرأة ما زالت ترفض آليات البوح والاتهام وهو ما يصب في مصلحة المعتدين

ما يشكل أزمة حقيقية أيضاً في مسألة مواجهة العنف ضد النساء في مصر أن جانباً من المقاومة التي مصدرها مؤسسات ومجموعات يفترض أن تشكل البيئة الحاضنة لمن يعملون في مواجهة العنف ضد النساء، ما زالت تعج هي الأخرى بمن يرفضون آليات البوح والاتهام، وينشرون تشكيكاتهم ومخاوفهم التي تصب في مصلحة المعتدين أولاً، وهو ما يكشف في بعض الحالات على الأقل عن ثقافة تواطؤ وحصانة ضد المساءلة، شاعت لوقت طويل ولا تزال موجودة داخل مؤسسات وبين مجموعات يفترض أنها حقوقية وتقدمية ومؤمنة بحق النساء في حياة خالية من العنف.

على رغم ذلك كله، شهد العام الماضي تطوراً من حيث الكم والكيف لجهود مجموعات تعمل في مواجهة العنف ضد النساء. المعايير التي استخدمها لتقييم هذا التطور تتعلق بأهداف هذه الجهود، ويأتي في مقدمها تشجيع أعداد متزايدة من النساء على أن يبحن بتجاربهن مع العنف الممارس ضدهن، والامتداد إلى فئات أكثر تنوعاً من النساء، بخاصة ممن يفتقدن تقليدياً إلى فرص إسماع أصواتهن للآخرين، ثم أخيراً فرض سبل تعامل مختلفة من قبل أجهزة الدولة مع قضايا العنف ضد النساء. 

كان نصيب كل من هذه الأهداف من إحراز بعض التقدم متفاوتاً بشدة. فكان التقدم من حيث أعداد اللواتي تشجعن على البوح بتجاربهن كبيراً مقارنة بالسنوات الماضية، وكان التقدم نحو شمول فئات أوسع من النساء محدوداً للغاية، فيما كان التقدم من حيث دفع أجهزة الدولة للتعامل بأسلوب مختلف مع قضايا العنف ضد النساء متفاوتاً على أفضل تقدير.

تجربة مدونة دفتر الحكايات

شهد النصف الثاني من عام 2020 أكبر معدل من الشهادات المنشورة لضحايا/ ناجيات العنف ضد النساء، ربما في تاريخ الحركة النسوية في مصر. المسؤول عن نشر الغالبية العظمى من هذه الشهادات هو موقع/ مدونة دفتر حكايات، والذي نشر، منذ نهاية شهر تموز/ يوليو 2020، وحتى نهاية شهر فبراير الماضي، 37 شهادة لـ36 امرأة (إحدى الشهادات كانت تعقيبا لامرأة على شهادة سابقة لها). السبب الواضح لنجاح المدونة في اجتذاب هذا العدد من النساء الراغبات بالبوح بتجاربهن القاسية في مواجهة حالات بعينها من العنف مورست عليهن، وفي استمرارها، هو انتهاج القائمات عليه سياسة مزدوجة للمجهولية، فهن أولاً يضمنّ مجهولية الضحية/ الناجية صاحبة الشهادة، وهو ما شجع أعداداً متزايدة من النساء على نشر شهاداتهن، وثانياً مجهولية القائمات على المدونة، وهو ما أتاح استمراريتها.

صور العنف التي كشفت عنه الشهادات المنشورة من خلال المدونة كان منها الاغتصاب، التحرش، الاستغلال، التعنيف، الاحتجاز والتعدي البدني، التحرش المصحوب بضغوط نفسية واستغلال للسلطة. المعتدون الذين وجهت الضحايا/ الناجيات أصابع الاتهام إليهم هم نشطاء حقوقيون وعاملون في منظمات حقوقية، صحافيون وإداريون في مؤسسات صحافية، سينمائيون ومسرحيون ومهنيون يعملون في مجالات فنية وثقافية، مدرسون، رجال دين، أطباء، وغير ذلك. 

النساء اللواتي بحن بشهاداتهن أوضح بعضهن مجالات عملهن وكانت  منهن صحافيات وسينمائيات وموظفات. التنوع بين صاحبات الشهادات لا يزال محدوداً، إذ انتمى معظمهن إلى فئات متمكنة ثقافياً. ولكن الشهادة الأحدث على المدونة (رقم 37) قد تشير إلى نجاح تدريجي للمدونة في اجتذاب نساء من فئات ربما حالت مخاوف ومعوقات دون بوحهن بتجاربهن من قبل. صاحبة الشهادة موظفة في إحدى الشركات تعرضت للتحرش الجنسي، ولمضايقات من زملاء في العمل، منها ما كان متعلقاً بنمط ملابسها المحتشم (طرحة/ حجاب طويل وألوان داكنة).

من الأمور المثيرة للاهتمام بشأن تجربة مدونة دفتر حكايات، اعتمادها على أسلوب من تنسيق الجهود لا يتطلب هيكلاً تراتبياً أو مؤسسة. فمن يقفن خلف المدونة هن مجموعة صغيرة يحافظن على مجهوليتهن مما يحميهن من مخاطر تشويه السمعة والإيذاء بصور مختلفة، وهي مخاطر متوقعة تماماً مع فضح الشهادات لأشخاص لهم نفوذهم في دوائر مختلفة. العمل من خلال مجموعات صغيرة والاعتماد على التشبيك مع أفراد أو مجموعات أخرى، يسمح بقدر عال من المرونة مع تحقيق نتائج جيدة، اعتماداً على تعاون كثيرين من دون الحاجة إلى التواصل المباشر معهم. في النهاية تشكل وحدة الأهداف والرؤى الرابطة الأساسية التي من خلالها يستجيب كثيرون بمشاركة الشهادات على أوسع نطاق ممكن وبالترويج للمدونة والدفاع عن سياساتها التي يقتنعون بجدواها وضرورتها. وتوفر شبكات التواصل الاجتماعي وفي مقدمها “فايسبوك” و”إنستغرام” و”تويتر”، منصات مناسبة تماماً للوصول إلى أكبر عدد من الحلفاء من دون الحاجة إلى علاقات تنظيمية.

يظل شمول فئات أوسع من النساء هو أحد أكبر التحديات التي تواجهها جهود مكافحة العنف ضد النساء. 

فتمكن لاجئة سودانية من فضح ما تعرضت له من ابتزاز وضغوط واستغلال جنسي من ناشط حقوقي ومحام متخصص في تقديم الدعم القانوني للاجئين، هو الحالة الأبرز التي أتيح فيها لواحدة من ممثلي أكثر الفئات ضعفاً وعرضة للاستغلال فرصة لتسليط الضوء على جانب من صور العنف التي يمكن أن تتعرض لها نساء من هذه الفئة. ضخامة أعداد اللاجئين من جنسيات مختلفة في مصر، مع ارتفاع معدلات ذوي الدخول المنخفضة منهم وبخاصة النساء، وطول الفترة اللازمة للنظر في إعادة توطينهم، وضغوط الدولة، والمعاملة العنصرية، إلخ، يجعل اللاجئين عرضة لصور متعددة من العنف والاستغلال، وتتحمل النساء بالطبع نصيباً وافراً منها.

لا تزال أخريات من فئات أخرى يتعرضن لمعدلات مرتفعة من العنف في المنزل وأماكن العمل، ولم تتح لهن الفرصة، أو لم تنجح المبادرات الحالية في اكتساب ثقتهن بالقدر الكافي ليبحن بما يتعرضن له من عنف. العمل على الوصول إلى هؤلاء سيظل من مهمات عدة تحتاج مبادرات مكافحة العنف ضد النساء إلى ابتكار سبل جديدة لأدائها.

إقرأوا أيضاً:

تدخل مؤسسات الدولة

استدعاء مؤسسات الدولة للتدخل دفاعاً عن ضحايا العنف ضد النساء، كان ولا يزال، غير مضمون النتائج. ثمة بعض النجاح يمثله تمرير تعديل للقانون يسمح بحماية سرية بيانات المبلغات عن تعرضهن للاغتصاب أو التحرش، وذلك لضمان عدم تعرضهن للإيذاء أو التهديد به للضغط عليهن. ثمة أيضاً إعلان النيابة العامة في بيانات لها على خلفية قضايا اجتذبت اهتمام الرأي العام، عن دعوتها كل امرأة تتعرض للتحرش أو الاغتصاب إلى الإبلاغ عما تعرضت له.

مؤسسات الدولة، ليست حليفاً للنساء لكنها قابلة للاستجابة للضغوط التي تنتجها السوشيال ميديا

وعد المجلس القومي للمرأة في بيانات له بتقديم الدعم للنساء اللاتي يتقدمن ببلاغاتهن من خلال المجلس. هذه الإعلانات أو البيانات وإن لم تف المؤسسات إلا بقدر محدود مما وعدت به، تعكس في الواقع قدر اتساع الاهتمام بقضايا العنف ضد النساء على شبكات التواصل الاجتماعي. فالحقيقة أن مؤسسات الدولة، ليست حليفاً للنساء بقدر ما أنها قابلة للاستجابة للضغوط التي ينتجها الاهتمام بقضية أو بأخرى على وسائل التواصل الاجتماعي أولاً، ثم على وسائل الإعلام التقليدي، التي أصبحت تحصل على أخبارها والمواد التي ستناقشها من شبكة الإنترنت.

تفجير قضية الفيرمونت

القضية الأبرز في العام الماضي، كانت اتهام عدد من أبناء الشخصيات البارزة بارتكاب جريمة اغتصاب جماعي لفتاة في فندق “فيرمونت نايل سيتي”. الجريمة التي وقعت عام 2014، خرجت إلى النور منتصف العام الماضي، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديداً عبر حساب ما بعرف بـ”شرطة الاعتداءات” أو assault police. وبعدما دعا المجلس القومي للمرأة ضحية الواقعة بأن تقدم شكواها إليه ووعد بدعمها، رفع هذه الشكوى إلى النيابة العامة، التي فتحت التحقيقات فيها بعد فترة سمحت بهروب معظم المتهمين إلى خارج مصر. في الوقت نفسه تعرض الشاهدات والشهود على الواقعة إلى حملات تشهير وتشويه للسمعة، ثم أمرت النيابة بالقبض على عدد منهم ووجهت إليهم اتهامات بممارسة الفجور على خلفية المشاركة بالحفل الذي استدرج المتهمون الأصليون الضحية من خلاله. وتعرضت الشاهدات والشهود إلى توقيع كشوف عذرية وفحوص لفتحة الشرج (إجراء ما زال معتمداً لدى الطب الشرعي في مصر لإثبات ممارسة الذكور علاقات مثلية)، إضافة إلى الحبس على ذمة التحقيقات.

قضية الفيرمونت كشفت أن مؤسسات الدولة ما زالت خاضعة لثقافة سائدة معادية للمرأة

توضح قضية الفيرمونت، وقضايا أخرى برزت خلال العام الماضي، أن شروط تحقيق الإنصاف لضحايا العنف ضد النساء من خلال المسارات القانونية التي تمر بمؤسسات الدولة ما زالت خاضعة لثقافة سائدة معادية بالأساس للمرأة. تعديل هذه الثقافة السائدة أمر بالغ الصعوبة ويخرج في الحقيقة عن نطاق الموارد المتاحة للمجموعات والمنظمات النسوية والحقوقية التي تعمل في مجال مكافحة العنف ضد النساء حالياً. ويبقى أنه في أحسن الأحوال على الإطلاق لن تكون قوانين العدالة الإجرائية قادرة على التعامل إلا مع نسبة محدودة للغاية من صور العنف ضد النساء وفقط مع حالات تتوافر لها شروط الإثبات التي تتطلبها القوانين ويستحيل توافرها في الغالبية العظمى من الحالات.

في المقابل، لا تزال مؤسسات الدولة مسؤولة عن نسبة ضخمة من جرائم العنف المرتكبة ضد النساء وبصفة خاصة في السجون وأماكن الاحتجاز ومن خلال ممارسات قوى إنفاذ القانون، إضافة إلى مسؤوليتها عن العنف المتضمن في البنى المؤسسية والقانونية، التي من أبرزها قوانين الأحوال الشخصية وما تفرضه من أوضاع ظالمة تمثل في ذاتها عنفاً مستمراً ممارساً ضد النساء.

في المحصلة، وعلى رغم عوامل الإحباط، ثمة تقدم ما قد أحرزته الجهود المثابرة لمجموعات تعمل بإصرار لا يكل على مواجهة تبدو شروطها ظالمة إلى حد يكفي لزرع اليأس في قلوب كثيرين. ومن ثم فهؤلاء المثابرون على العمل لمكافحة العنف المستشري في المجتمع ضد نسائه، يستحقون كل ما يمكننا تقديمه من تحية وتقدير ودعم لجهودهم. في ظل الظروف القاسية، ثمة مساحات للعمل تمكن توسعتها مع الوقت للوصول إلى مزيد من النساء اللاتي لديهن ما يقلنه ويبحن به لمن يعيرهن أذاناً مصغية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني