fbpx

“انتفاضة” سوريا إذ تنكر هزيمتها وتحتفي بـ”الحلم” و”الكرامة”

الغاية من تحليل علاقة الكلمتين اللتين شكلتا أساسا لشعار "تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة"، ليس نقد الشعار بحد ذاته، إنما التنبه إلى ما هو أبعد، أي علاقة السوريين بانتفاضتهم وكيف يقرأونها بعد عشر سنوات عليها.

عبارة “تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة”، التي اختارها سوريون كثر، لتكون أقرب إلى شعار يعبر عن تجديد موقفهم الداعم للحراك الذي انطلق في آذار 2011، تحيلنا إلى الرغبة في التغيير والتخلص من سنوات الذل والإهانة، وتجديد العلاقة مع هذه الرغبة، وعدم التخلي عنها رغم ما مرّ خلال السنوات العشر الماضية. لكن كلمتي “الحلم” و”الكرامة”، لا يبدو، أنهما تحملان ضمن الشعار المطروح أي مضامين مختلفة، عن تلك التي تراكمت معرفياً في بلادنا، واتخذت سياقات نحو الخرافة والتقليد.

فالحلم، الذي تنوعت الدراسات النفسية في مقاربته، بين اللاوعي وتلبية الرغبات اللاعقلانية، وعدم الخضوع لقوانين المنطق، ينحو في بلادنا ومنها سوريا، منحى الخرافة، حيث يجري تنافس شعبي على تفسيره، ويأخذ كل حدث أو كائن أو حيوان أو رمز، دلالة وشيفرة، تحدد وفق المفسّرين، حياة الحالم وما سيحصل معه، هكذا، يختلط الرغبوي بالخرافي ليشكلا معاً انفصالاً عن الواقع وآليات عمله. أما الكرامة، فهي في ظل انعدام أي بيئة قانونية أو قيمية تضمن وجودها، تكتسب مضمونها من التقاليد، حيث الذكورة وقهر النساء وجرائم الشرف واستخدام العنف، سلوكيات تميز بين من يمتلك الكرامة وبين من يفتقدها. والكلمتان مثقلتان بمعان أيديولوجية تتعلق بحلم “التحرر من الاستعمار” واستعادة “كرامة” الأمة العربية المسلوبة، عملا بتقاليد سياسية تراكمت في بلادنا عبر عقود، ما يضيف بعداً جديداً، للكلمتين، ليس منفصلاً عن الأبعاد الأخرى.


والشعار – الجملة، بكل انتشاره وتبنيه وحالة الإجماع حوله، هو استعاضة عن الاعتراف بالهزيمة، وتجديد البيعة للانتفاضة المتجسدة ماهية ثابتة، وما الاحتفاء بالحلم سوى إنكار للكابوس، والاحتفاء بالكرامة إنكار للذل.


والأغلب أن، استخدام الكلمتين، في شعار عام، دون تقديم مضمون جديد، يكشف عن الفقر القيمي والمعرفي الذي تعاني منها الانتفاضة وجمهورها، والوقوع في فخ المضامين السابقة، التي تتأرجح بين التقاليد والأيديولوجية.

والتأرجح هذا من نتائجه، الخروج عن التاريخية، فـ”الحلم” أو “الكرامة”، جامدان عند لحظة 15 آذار 2011، وما طرأ من تحولات ومآسي وفشل ومجازر وكراهيات طائفية وعرقية وتدخل دولي، لا تطرح أي تحد على الكلمتين الثابتتين. وهنا وجب التنبه إلى الذين راحوا يعدلون الشعار الإجماعي، فيكتبون : تجرأنا على الحلم ولكن أحد أطراف الانتفاضة أضرّ بنا.

إقرأوا أيضاً:

بمعنى، الحلم سقط بتعقيدات الواقع المتعلقة بالانتفاضة نفسها وليس بخصمها المعروف. وهو، أي الحلم، موضع انقسام إذا إن السوريين لم يحلموا الحلم نفسه، كل طرف أراد لحلمه أن يكون أقرب لطموحات جماعاته أو طائفته أو عقيدته أو توجهه السياسي. وأيضاً، اعترض البعض على التمسك بكلمة “الكرامة” فيما يعيش السوريون أوضاعاً مزرية في مخيمات اللجوء وداخل البلد، كشف عن الفجوة الهائلة بين طلب الكرامة بمضامين كلاسيكية، لحظة الانتفاضة الأولى، وبين الأحوال التي بات عليها الناس. وكأن كلمة الكرامة ابتذلت، فصارت تعني نقيضها، عبر استخدامها ضمن آلية شعاراتية ثابتة خالية من المضمون. نازح يعاني من أوضاع ذليلة، مطروح عليه الاستمرار في طلب الكرامة، لأن الأخيرة لا تتطور مع شرط الانتفاضة الزمني وما آل إليه من كوارث.

الشعار المطروح إذا لا يبالي بالزمن والتاريخ، ويخلو من المضمون الجديد ما يدفع بشدة نحو نفي السياسة، عبر استخدام كلمتين، مجردتين من إمكانية وضع استراتيجيات لتنفيذهما. فالحلم مضاد للسياسة، حيث التفاوض والتوافق والبحث عن حلول ترضي أطراف شتى، وليس تصورات غيبية، تتوزع مرجعياتها بين الأيدولوجية واللاوعي. عدا أن الكرامة المتروك تحديدها لقيم ثقافية تقدس العشيرة والطائفة والنسب والذكورة، يصعب تأطيرها في أجندة سياسية، تلحظ حقوق الفرد وتنوع خياراته.

الغاية من تحليل علاقة الكلمتين اللتين شكلتا أساسا لشعار “تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة”، بالثقافة والتاريخ والسياسة، ليس نقد الشعار – العبارة، بحد ذاته، إنما التنبه إلى ما هو أبعد، أي علاقة السوريين بانتفاضتهم، بوصفها ماهية غيبية طوباوية تنتج الجيد دائماً، وليس ديناميكية تاريخية تتأثر بالظروف التي حولت شعارات 15 آذار 2011 إلى مجرد ذكرى. هذا الفهم للانتفاضة، عطل التفكير فيها، على قاعدة إنتاج المفاهيم استناداً إلى قيم جديدة تنحو إلى الفردية والعالمية والتعدد، وهو ما كان سبباً  رئيسياً لهزيمة الانتفاضة.

والشعار – الجملة، بكل انتشاره وتبنيه وحالة الإجماع حوله، هو استعاضة عن الاعتراف بالهزيمة، وتجديد البيعة للانتفاضة المتجسدة ماهية ثابتة، وما الاحتفاء بالحلم سوى إنكار للكابوس، والاحتفاء بالكرامة إنكار للذل.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني