سجال “قانون الأحوال الشخصية” في مصر : مئة عام الى الوراء

يظهر في مشروع القانون الجديد أن عقلية المشرع لا تزال ذكورية بامتياز لجهة الاستمرار في حرمان النساء من حقوقهن، ويتشابه المشروع المطروح مع "قانون الأزهر" الذي كان سبق وقدم عام 2019 لكنه لقي رفضاً كبيراً من المجموعات النسوية.

 “من العار أن  تظلّ قوانين الأحوال الشخصية  المصرية تتجاهل واقع النساء ومعاناتهن وتنتقص من أهليتهن باعتبارهن خاضعات للوصاية”.

النبرة الغاضبة هذه وردت في عريضة إلكترونية نشرت في مصر، لجمع التواقيع اعتراضاً على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي سيناقش في مجلس النواب. مشروع القانون يشهد جدلاً واعتراضاً واسعين، خصوصاً من منظمات حقوقية ونسوية رأت في القانون المقترح انتكاسة لحقوق النساء في مصر، بل واعتبره البعض بمثابة الانكفاء مئة عام الى الوراء على المستوى الحقوقي النسوي.

لستِ ولية نفسك

أبرز ما أثار الغضب هو أن المشروع الجديد يلغي الشخصية القانونية للمرأة المصرية، ويكرس اعتبارها ناقصة الأهلية فيما يخص حياتها الخاصة، بحيث ليس للمرأة حق الولاية على نفسها بموجب القانون المقترح، مع ما يعنيه ذلك من عدم أهليتها لجهة تقرير مصيرها في شؤونها الخاصة، مثل الزواج الطلاق والحضانة ، بل وحتى في في تفاصيل اجرائية عديدة مثل إصدار بطاقة شخصية لابنائها، كما شرح حقوقيون. 

مواد مشروع القانون تمادت في اعتبار المرأة ناقصة الأهلية فيما يخص مباشرة حياتها الشخصية لجهة عقد الزواج وفسخه، بل وأعطت لأي ذكر في العائلة حق تطليق المرأة إذا أراد. كما لم تعط الأمهات الحق في الولاية على أبناءهن في تجاهل صارخ للواقع العملي حيث تتحمل الأمهات جزءا كبيراً من أعباء التربية والرعاية في المنزل والتعليم. 

مواد مشروع القانون ألغت الشخصية القانونية للمرأة المصرية، وتمادت في اعتبارها ناقصة الأهلية فيما يخص مباشرة حياتها الشخصية وزيادة أعبائها الاقتصادية من عقد الزواج وفسخه، بل وأعطت لأي ذكر في العائلة حق تطليق المرأة إذا أراد.

ولم يتطرق القانون المقترح إلى  أكثر القضايا الملحة فيما يخص هذا البند، مثل حلّ المشاكل المتعلقة بالنفقة وإثبات دخل الزوج وتوفير السكن بعد الطلاق وسبل الحماية من التعنيف الجسدي والنفسي للأم والأبناء في حالات الانفصال. هذه البنود تبدو بالغة الإجحاف خصوصاً أنها تبدو بعيدة عن الواقع اليومي المصري إذ تفيد أرقام المحاكم بأن معدلات الطلاق في مصر مرتفعة، وأن 88% من الأزواج لا يدفعون النفقة المترتبة قانوناً و92% لا يدفعون مصاريف المدارس الخاصة بالأبناء.

كما خصت مسودة القانون الرجال بصلاحية اصطحاب الأبناء خارج البلاد بدون موافقة الأم، ما يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الامهات وهو يرفع مخاوف السيدات من قدرة الآباء على اختطاف الأطفال في حال نشوب خلاف عائلي.

هذا الأمر دفع بأمهات مصريات الى تنظيم مظاهرات إلكترونية على كافة صفحات الحكومة، والرئاسة، والمجلس القومي للمرأة، وأعضاء مجلس النواب.

إقرأوا أيضاً:

بين المدني والديني

يظهر في مشروع القانون الجديد أن عقلية المشرع لا تزال ذكورية بامتياز لجهة الاستمرار في حرمان النساء من حقوقهن، ويتشابه المشروع المطروح مع “قانون الأزهر” الذي كان سبق وقدم عام 2019 لكنه لقي رفضاً كبيراً من المجموعات النسوية.

موجة الانتقادات والجدل بشأن مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد الصادم جائت بعد نشره في الأيام القليلة الماضية في جريدة مصرية، وقد تسابقت مواقع اخبارية على الترويج له بوصفه يقر غرامة وعقوبة على زواج المتزوج من أخرى بدون إعلام زوجته، كـ”انتصار نسوي”، ينحاز فيه لحق المرأة في معرفة نية شريك حياتها في تكوين أسرة جديدة. إلا أن التركيز على هذه النقاط بوصفها “مكتسبات” يصرف الأنظار عن حقيقة الاستمرار في منح الرجل حق التعدد وتمييع بنود هي في الحقيقة شديدة الإجحاف بحق المرأة وتضع عليها المزيد من القيود وتسلبها عددا من الميزات، بحسب حقوقيات.

 “من العار أن  تظلّ قوانين الأحوال الشخصية  المصرية تتجاهل واقع النساء ومعاناتهن وتنتقص من أهليتهن باعتبارهن خاضعات للوصاية”.

ودائماً ما تشهد النقاشات بشأن قوانين الأحوال الشخصية جدلاً واسعاً خصوصاً بين من يسعى لقوانين مدنية تساوي بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، وبين من يريد اعتماد الدين والشريعة كمصدر للقانون مع ما يحمله هذا من مقاربة تجعل الرجل صاحب القرار في الأسرة بوصفه “ولي الأمر”. 

من هنا بدا ملفتاً حجم الغضب بين أوساط تقليدية محافظة، فقد ظهرت تحفظات ترددت أصداؤها على مواقع التواصل الإجتماعي لمجموعات واسعة من رجال أعربوا عن تمسكهم بحقهم في الزواج السري، مؤكدين على رفضهم الانصياع لرغبة الدولة في “التنكيل بالرجال” أو “تدمير الأسرة المصرية”، ومتهمين المسودة بإنكار الشرع، الذي لم يشترط إبلاغ الزوجة في حال الزواج الثاني. كما نشطت مجموعات تعرف نفسها بأنها معنية “بحقوق الرجل” على مواقع التواصل الإجتماعي، حلوا ضيوفا على البرامج الحوارية، رافضين بعض بنود مسودة القانون التي رأوا فيها ظلماً للرجال واتهموا المواد المتحفظ عليها بأنها “ستدمر الأسرة المصرية” وتخالف الشريعة وتقلل من مكانة الرجل، وتمتاز منشورات هذه المجموعات بمعادة النسوية والمجلس القومي للمرأة، ووصف أنصار حقوق المرأة بـ”النواشز”.

والجدل حول الديني والمدني في مصادر التشريع يتشعب داخل النقاش الديني نفسه، اذ تتعدد التفسيرات والمذاهب، وقد اعتبر قانونيون تضمين جملة “ويعمل ما لم يرد فيه نص بأرجح الأقوال في مذهب أبو حنيفة” في المادة الأولى بمسودة القانون المقترح، تفخيخاً بحيث تم تقييد استخدام المذاهب السنية، وقصرها على مذهب الإمام أبو حنيفة الذي يضع عراقيل أمام سفر المرأة بدون موافقة من الذكور، الإجراء المنتهي العمل به في مصر منذ عقود .

هذا التفصيل يكرر اشكالية تعارض التفسيرات الدينية التي غالباً ما تجمع على التمييز ضد المرأة.

كما احتفظ القانون المقترح بحق الرجل في الطلاق الغيابي والشفهي، ضارباً بآمال المرأة المصرية عرض الحائط بعد عام من موجهة نسوية كبيرة رفعت سقف مطالب النساء لتثبيت مواقعهن بوصفهن مساوايات في الحقوق والواجبات عبر قوانين تعكس الواقع الاجتماعي، والدور الاقتصادي لها.  

إقرأوا أيضاً:

ما تكشفه نقاشات قوانين الاحوال الشخصية ليس مجرد رفض تكريس موقع للمرأة مساو للرجل بل فيه ايضاً جهل او تجاهل للواقع المصري. فمثلاً، تعيل السيدات المصريات 30 %من السكان، حيث بلغ عدد الأسر التى ترأسها سيدات نحو 3.3 مليون أسرة بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2017،  نسبة الأميات منهن 59.1%.

مثل تلك التفاصيل توحي بغياب المعطيات والمعلومات عن نقاشات هذا القانون. وهذا هو أحد الانتقادات التي رفعتها ناشطات نسويات، اللواتي هاجمن غياب النقاش المجتمعي والحقوقي بشأن واحد من أهم القوانين في الدول التي ترعى شؤون الأسرة.

لمياء لطفي، عضو “مؤسسة المرأة الجديدة” الحقوقية،  قالت لـ”درج” : “المؤسسة النسوية أصدرت بيانين الأول يؤكد على مبادئ المواطنة وينتقد الغموض،وعدم الشفافية حول مسودة القانون”. وانتقدت لطفي تراجع مشروع القانون عن اتفاقات دولية بشأن حقوق المرأة، وأكدت على وجوب مراعاة الدستور والاتفاقات الدولية، مضيفة أن “مصر مستعدة دائما لقانون مدني للاحوال الشخصية”، ومشددة على أن إصدار قانون أحوال شخصية مدني تحدده المصلحة العامة، “لا يوجد توافق على كافة القوانين، لكن المصلحة العامة، وتوافقها مع الدستور ومبادئ المواطنة هي الأولوية”.

مع تعالى نبرات الانتقاد، اختفت النسخة المنشورة بالجريدة المصرية الرسمية من على موقعها، ما زاد الغموض حول مسودة القانون التي حملت توقيع مجلس الوزراء المصري. وبين مصدق ومكذب لحقيقة المسودة، أعلن رئيس البرلمان ، إحالة مشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم من الحكومة ، إلى لجنة مشتركة من الشؤون الدستورية والتشريعية. 

ومع غياب رواية رسمية، وبالرجوع إلى أرشيف الصحف، نجد ما أطلقت عليه الصحافة المصرية مشروع “قانون الأزهر”، عام 2019، والذي لم تنشر بنوده لكنه أثار جدلاً واسعاً بين نواب الدورة البرلمانية المنقضية. فيما عبر عدد كبير منهم عن رفضهم له لتحفظهم على مواد وصفوها بـ”قانون ملغم”، و”كرة لهب بين النواب والأزهر”. 

تحمل نقاط الخلاف حول على “مشروع الأزهر” الكثير من أوجه التشابه مع مسودة القانون الحالي في مواد الرؤية والحضانة، فيما صرح محمد أبو حامد، النائب البرلماني السابق، في العام نفسه، أن الأزهر يعرقل مسودات قانون الأحوال الشخصية المختلفة لصالح مسودته.

وسط هذا الجدل، هل سيكرس المشرّع المصري انتكاسة جديدة لحقوق النساء.!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني