fbpx

“بعدنا ناطرين”: عن المسنّ الذي قاضى نواب لبنان لأخذهم لقاحاً قبل دورهم

"استفزّني المشهد وشعرت بأن دور والدي، الذي يستوفي شروط تلقّي اللقاح على عكس نوّاب الأمة، قد لا يحين أبداً"... يقول فادي نجل جوزيف الحاج الذي رفع دعوى ضد وزارة الصحة والنواب لأنهم تلقوا اللقاح قبل المواطنين.

لأشهر طويلة، كان الثمانيني جوزف الحاج يعيش هاجساً يومياً من احتمال إصابته بوباء “كورونا”، خصوصاً أنه يعاني من انسداد في الشريان الرئيسي في رجله اليسرى وعليه الخضوع لعلاج طبي دائم تجنباً لتعرضه لجلطات.

نظراً إلى وضعه الصحي، ولسنّه الذي يضعه في مقدمة الفئات التي لها أولوية تلقّي اللقاح، سجّل جوزيف اسمه على المنصّة المخصصة للقاح لدى وصول الدفعة الأولى منه إلى لبنان وانتظر دوره. 

فوجئ جوزيف كما كل اللبنانيين بمشاهد وتصريحات نواب خرجوا يعلنون تلقيهم اللقاح من خارج الأصول المتّبعة ضمن خطة التلقيح الرسمية. هذا الأمر أغضب فادي نجله: “استفزّني المشهد وشعرت بأن دور والدي، الذي يستوفي شروط تلقّي اللقاح على عكس نوّاب الأمة، قد لا يحين أبداً، خصوصاً بعد قيام رئيس اللجنة الوطنية للقاح كورونا الدكتور عبد الرحمن البزري بالكشف عن كل التجاوزات التي تحصل في هذا الإطار”.

لجأ فادي الحاج نجل جوزيف وهو محامٍ، إلى قضاء العجلة، لقناعته بمسؤولية القضاء في محاسبة كل مرتكب وتجريده من غطائه السياسي، وهو ما حصل بالفعل، عندما أصدرت المحكمة برئاسة القاضية كارلا الشواح قراراً لمصلحة والده، على حد قوله: “دقة حالة والدي الصحية استدعت تحرّكي السريع لدى القضاء المستقلّ الذي أثق به، على رغم كل الخلل والفساد الذي نعيشه اليوم”.

فضيحة مستمرة

بعد الانتقادات الشعبية الواسعة لفضيحة تلقّي عدد من النواب اللبنانيين لقاح “كورونا” في مبنى المجلس النيابي، أتت الإدانة الصريحة هذه المرّة من القضاء اللبناني، مع إصدار قاضية الأمور المستعجلة بالانتداب كارلا شواح قراراً جريئاً، يقضي بإلزام وزارة الصحة العامة بإعطاء اللقاح المضاد لفايروس “كورونا” للمواطن المسنّ جوزيف الحاج، وفق الدعوى المقدّمة من قبله، خلال 48 ساعة تحت طائلة غرامة إكراهية قدرها 10 ملايين ليرة عن كل يوم تأخير في التنفيذ. وفي نص القرار، اعتبرت شواح أن “الدولة اللبنانية ارتكبت خطأً جسيماً بتلقيح النواب والوزراء وخالفت معايير الخطة التي أعلنت عنها وميّزت بين المستدعي وسواه ممن تلقّوا اللقاح من دون أي مبرر مشروع مخالفة بذلك مبدأ المساواة”.

وزير الصحة وفي معرض رفضه قرار القاضية، قال إنّ جوزف الحاج سيحصل على اللقاح “عاجلاً أم آجلاً”، وهو بذلك يؤكّد كل مخاوف فادي التي يتشاركها مع معظم اللبنانيين من الطريقة التي تدير فيها الدولة ملف اللقاح والتي ستنتهي إلى حرمان من لا ينتمي لمنظومة الزبائنية من تلقّيه: “نحنا ناطرين، ويبدو رح نضلّ ناطرين” يقول الحاج، ولا يخفي نيّته اتخاذ إجراءات قانونية نوعية إضافية في حال لم تنفّذ الوزارة القرار القضائي.

هي ليست المرّة الأولى التي لا تسعف فيها التعابير وزير الصحة في معرض دفاعه عن نفسه بعد ارتكاب أخطاء متكررة في إدارة ملف الوباء. فهو برّر صراحةً تقديمه اللقاح للنوّاب كـ”مكافأة” لهم، لأنهم أقروا قانوناً ساهم في تسريع الحصول عليه، وهو ما يبدو عصياً على التصديق حتى الآن بالنسبة إلى فادي: “ألم يكن الأجدى بوزير الصحة أن يهدي اللقاح لوالدي وغيره من المسنّين الذين يلتزمون الحجر الصحي والإجراءات الوقائية منذ عام مع كل المخاطر الصحية التي تحدق بهم قبل انتشار الوباء؟ استوردوا اللقاح ليتلقّوه هم قبل اللبنانيين، فعلى ماذا إذاً أراد الوزير مكافأتهم؟”.

“دقة حالة والدي الصحية استدعت تحرّكي السريع لدى القضاء المستقلّ الذي أثق به،

على رغم كل الخلل والفساد الذي نعيشه اليوم”.

وزير الصحة حمد حسن، وعلى عادته، وبدل الاعتراف بالخطأ، ردّ على قرار القاضية في بيان اعتبر فيه القرار “غير قانوني”، ورأى فيه “تعدياً صارخاً على مبدأ فصل السلطات، خصوصاً أنه صادر عن قاض مدني غير مختص، في حين يعود الاختصاص إلى القضاء الإداري”، وأن النظرية التي استند إليها القرار لإعمال اختصاصه “تقع خارج موقعها القانوني السليم، ولا يمكن فرض غرامة إكراهية على الدولة”. حسن وفي إنكاره التقصير والاستنسابية الفاضحة التي يدار فيها ملف اللقاحات، شرح في بيانه، أنه قد تبيّن “وفق الخطة الوطنية التي تعتمد على معياري الفئة العمرية وتاريخ التسجيل، أنه لا يزال أمام المستدعي وقت محدود قبل تحديد موعد تلقيحه، ووزارة الصحة العامة تعتمد المنصة الوطنية الخاصة بالتنسيق مع التفتيش المركزي لتعزيز الشفافية والرقابة”. ويكاد قارئ هذا الكلام يظن أن المعايير التي يتحدث عنها حسن قد طبقت بحذافيرها، فيما أظهرت أرقام التفتيش المركزي أن أعداداً كبيرة من اللقاحات أعطيت خارج إطار المنصّة، ولم تعرف الجهات التي حصلت عليها، والتي يرجح أن تكون أحزاباً نافذة. 

يفنّد نزار صاغية، وهو محام وباحث من مؤسسي “المفكرة القانونية”، المغالطات الكثيرة الواردة في ردّ حسن. بحسب صاغية، حديث حسن عن القضاء الإداري هو تضليل فاقع للرأي العام، فعلى القضاء الإداري المتمثّل بمجلس شورى الدولة أن يفصل في الدعاوى المقامة ضد الدولة ولكن ليس له أن  يصدر قرارات تحمي المواطنين بصورة مستعجلة، لذلك ينظر القضاء العدلي في القضايا التي تطاول انتهاك الحقوق الأساسية للمواطنين. ولذلك، استندت القاضية إلى نظرية التعدي في معالجة القضية. والقول إنه ليس للقضاء العدلي أن يصدر غرامات إكراهية غير صحيح، فالقضاء المستعجل سبق أن ألزم مراراً الإدارات بسداد غرامات على خلفية تعسفها بحق الناس.

وعن مبدأ فصل السلطات الذي تذرّع به حسن أيضاً، يقول صاغية إن الهدف من هذا المبدأ أصلاً أن تخضع السلطة التنفيذية للسلطة القضائية وأن تكون للأخيرة الصلاحيات اللازمة للحدّ من تعديات الإدارة على حقوق المواطنين.

الذريعة التي لجأ إليها حسن تذكّر بالنهج الملتوي الذي يتبعه المسؤولون للإفلات من العقاب، بحيث طالب سابقاً كل من وزير المال السابق علي حسن خليل ووزير الأشغال العامة والنقل السابق غازي زعيتر بتنحية قاضي التحقيق في إنفجار مرفأ بيروت فادي صوّان عن ملف التحقيق، بحجة “الارتياب المشروع”، بعد ان ادعّى عليهما بالإهمال والتقصير.

وزير الصحة وعلى منوال التشكيك بالقضاء ونزاهته من قبل المتهمين بتفجير المرفأ، اتهم القاضية التي أصدرت القرار المتعلق باللقاح بـ”إصدار قرارات مركبة بخلفية إعلامية”، وهو “اتهام مستهلك يريد منه حسن التشويش على قرار القاضية التي انتصرت فيه لحقوق الناس في وجه النظام السياسي القائم”، بحسب صاغية، الذي يسجل للقاضية شوّاح “شجاعتها في إصدار قرار ينصف مواطناً لبنانياً في وقت يشهد القضاء ضغوطاً وتدخلات سياسية تريد له أن يبقى ضمن الخطوط الحمر التي ترسمها له السلطة السياسية. وهو ما يفسّر الهيستيريا التي تعيشها هذه السلطة، كلما تجرّأ قاض أو محام على التحرّك في سبيل محاسبة ركن من أركانها”.

بحسب أرقام منصة التسجيل للقاح، يفوق عدد المسنّين الذين لم يتلقّوا اللقاح بعد 50 ألف مسنّ، والعدد مرشّح للارتفاع مع تسجيل المزيد من المسنّين أسماءهم على المنصّة. وفي حين يقبع هؤلاء في عين المخاطر الصحيّة المتزايدة، يغيب أي مسعى رسمي لاستدراك كل الارتكابات الجسيمة في عمليات توزيع اللقاح التي يقودها الوزير على قاعدة “ما بدها هلقد”. اليس مشروعاً الارتياب من هذا الوزير؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني