لبنان: لا شيء رومانسياً في الفقر حتى أوهام الكرامة

الجوع والفقر، وحتى الموت الآتي نحونا، هي في أحسن الأحوال زائر أعمى لن يترك لنا ولهم ترف اختبار طقوس المآسي...

انتصر الزعيم الهندي الراحل غاندي على الاحتلال البريطاني بجوع شعبه. تقول الرواية إن رجل استقلال الهند عند سؤاله عن مصدر قوة الثورة التي قادها، تحدث عن رغيف الخبز.

الثورة الغاندية تجد حيزاً لا بأس به في وعي الشيعة أيضاً، وإن بتضاد فاقع بين طقوسها وطقوس الواقعة الأكثر دموية في تاريخهم، وهو حيز يستدرج خطاباً تعبوياً يستجديه خطباء المنبر الحسيني، فيصير والحال غاندي في ثورته واحداً من مستلهمي ثورة الحسين في كربلاء، ويصير الحسين من علَّمه كيف يكون مظلوماً فينتصر على ما تقول الرواية الشيعية.

وليس عابراً هنا استحضار المقاربة أعلاه حين يكون الجمهور الشيعي بغالبيته هو الأكثر استشراساً ضد كل ما شهده لبنان في العامين الأخيرين من حراك شعبي، استشرف الواقع الاجتماعي الذي وصلنا إليه، فيما منطق الروايتين وتزاحمهما يقود بلا شك، إلى غلبة حتمية للأولى على حساب الثانية، ويصير رغيف الخبر رمقاً للجوع أكثر من الاستثمار في التاريخ.

إنه الجوع إذاً، وهو يتدحرج نحونا متسارعاً ليس ككرة ثلج هذه المرة، بل ككرة نار حيث رغيف الخبز لا يصقل اختماره إلاها، وهو جوع ينحو إلى تعميم تُقصِّر مهله هذه المافيا السلطوية وهي تُتخِم شهوتها السلطوية بجوعنا. والنظر في أحوالها حتى لمن قصر نظره يؤول إلى مشهد عارٍ أخلاقي، يتكرر في يومياتنا المثقلة بالفقر وبها، فيما يُغذي جموح شهوتها لهذا القوت جمهور ما انفك يسعفها تصفيقاً وتخويناً وضرباً وقتلاً، ويمعن لا مكرهاً ولا بطلاً في تسويغ ابتلائنا بها وبه أيضاً.

الجوع والفقر، وحتى الموت الآتي نحونا، هي في أحسن الأحوال زائر أعمى لن يترك لنا ولهم ترف اختبار طقوس المآسي، أو، وهُم المتواطئين علينا إذ يمنحون سلطتهم مهلاً أطول للحياة، يحصلون على مشقة النجاة من القعر الذي نتشاركهم فيه مكرهين، في ظل الركون إلى قاب أفواه الزعماء وهي تعمل على كي الوعي بخلطة رومانسية ممودرة  بين الفقر والكرامة، فأغلب الظن انّهم سيكتشفون متأخرين أنّ لا شيء رومانسياً في الفقر حتى أوهام الكرامة.

انتصر الزعيم الهندي الراحل غاندي على الاحتلال البريطاني بجوع شعبه. تقول الرواية إن رجل استقلال الهند عند سؤاله عن مصدر قوة الثورة التي قادها، تحدث عن رغيف الخبز.

جمهور السلطة هذا، كان ولا يزال واحداً من استعصاءات هزيمتها، ولعله أكثر الاستعصاءات مناعةً لها، وهو مسكون على الأرجح بهواجس تغذيها مكونات السلطة أمام كل حراك يأتي من خارج عباءتها، الذي تمثله غالباً “هيئة التنسيق النقابية” والاتحاد العمالي العام، وهما بالمناسبة الإطاران اللذان يتنكبان غثاً وازناً من جمهور السلطة الذي لا يرى مكتسباته النفعية إلا بوجود سلطة تشبهه. وما يفيض عن هذه الشريحة، وهو راهناً لا يملك قوت يومه، تتكفل به النزعة الطائفية التي لا تزال ترفد هذه السلطة بواحدة من أهم مناعاتها أمام المفاهيم المدنية، فيصير والحال أي حديث عن فساد السلطة تعميماً يُكثفه هذا الجمهور فيه كما لو أنه صورتها، فيغدو ضحيتها مرتين، مرةً وهو يسند استعصاءها، وأخرى حين يتنكب صورتها، هذا إذا ما استثنينا جمهور أكبر أحزاب هذه السلطة الذي يُلامس البعد الاجتماعي للأزمة بشيء من اللامبالاة، التي لا تلبث أن تصير نقيضها حين يتعلق الأمر بمناعته الوحيدة التي يزدهر كل فساد السلطة منذ عام 2005 في ظلها. 

أغلب الظن أن رغيف الخبز الذي رمّز به المهاتما غاندي إلى ثورته ليس ببعيد، وسيصبح فقراء لبنان، ومن ضمنهم لا ريب جمهور هذه السلطة، أمام امتحان حقيقي عن استحالة المواءمة بين الفقر والكرامة المصطنعة التي تلوك بها ألسن زعاماته.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني