جنون سعر الصرف: الأسوأ آتٍ بعد رفع الدعم

مع كل تهاو إضافي في سعر الصرف، سيزداد الانهيار في قيمة الأجور وقدرتها الشرائيّة، وسترتفع بذلك نسب الفقر إلى مستويات إضافيّة جديدة...

لا يحتاج المرء إلى الكثير من التحليل ليفهم العلاقة المباشرة بين الانهيارات المتتالية في سعر صرف الليرة اللبنانية من جهة، والمصاعب المعيشيّة التي تعيشها الغالبيّة الساحقة من الشرائح الاجتماعيّة في البلاد من جهة أخرى. فمع ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء إلى مستويات تجاوزت حدود الـ10 آلاف ليرة مقابل الدولار، تهاوت قيمة الحد الأدنى للأجور إلى ما دون الـ68 دولاراً أميركياً، ليصبح هذا الحد للدخل الشهري للبنانيين من بين الأدنى في العالم من ناحية القيمة الفعليّة. مع العلم أن قيمة الحد الأدنى للأجور، التي تبلغ بالعملة المحليّة نحو 675 ألف ليرة لبنانيّة، كانت تساوي قبل الأزمة نحو 450 دولاراً، ما يعني أن اللبنانيين فقدوا خلال سنة وثلاثة أشهر ما يقارب الـ85 في المئة من هذه القيمة بلمح البصر نتيجة انهيار الليرة.

بالنسبة إلى أجور الوظائف، تدنّت قيمة الراتب الأدنى في وظائف الدولة من نحو 633 دولاراً أميركياً قبل الأزمة، إلى نحو 100 دولار أميركي، وفقاً لأرقام “الدوليّة للمعلومات”. أمّا الرواتب العليا، فانخفضت قيمتها من نحو 3000 دولار أميركي بالنسبة إلى المديرين العامين في إدارات الدولة، إلى أقل من 478 دولاراً أميركياً اليوم. وعلى مستوى حصة الفرد اللبناني من الناتج المحلّي ككل، أي من مجمل ما أنتجته البلاد من سلع وخدمات، انخفضت هذه الحصّة نتيجة انهيار سعر الصرف الى نحو 228 دولاراً أميركياً فقط شهريّاً، أي إلى المستوى الذي كانت عليه عام 1994. باختصار، خسر اللبنانيون خلال 15 شهراً ما نما طوال السنوات الـ26 الماضية من أجور، نتيجة الخسارة التي لحقت بقيمة الليرة.

في النتيجة، باتت البلاد في شريحة الدول الأكثر انخفاضاً من ناحية قيمة الحد الأدنى للأجور، إلى جانب مجموعة من الدول الأخرى المعروفة بحجم الدخل الفردي المحدود كأفغانستان وسيريلانكا وأنغولا والسودان. مع العلم أن اعتماد لبنان بشكل أساسي على السلع المستوردة لتأمين حاجاته الاستهلاكيّة، يفاقم اليوم من أثر انخفاض الدخل الفردي نتيجة تهاوي سعر صرف العملة المحليّة، مقارنة بجميع البلاد الأخرى التي شهدت ظواهر مماثلة في الماضي. فانخفاض قاعدة الانتاج المحلي إلى حد بعيد، والإعتماد على الاستيراد، سعني انعكاس أي تغيّر في سعر الصرف في أسعار السوق بشكل سريع، وهو ما سيؤثّر بشكل مباشر في القدرة الشرائيّة للأجور. 

الكارثة المتوقعة

في الواقع، يمكن القول إن أسوأ فصول أزمة ارتفاع سعر الصرف لم تبدأ بعد. فحتّى اللحظة، ما زالت أسعار المحروقات والدواء والقمح، محيّدة عن آثار ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية إلى حد بعيد، نظراً إلى اعتماد المستوردين على الدولارات التي يقدمها مصرف لبنان وفقاً لسعر الصرف الرسمي القديم للاستيراد. كما يعتمد استيراد مجموعة من السلع المشمولة بالسلة الغذائيّة المدعومة على الدولارات التي يقدمها مصرف لبنان للمستوردين، وفقاً لسعر صرف المنصّة الذي يبلغ حاليّاً نحو 3900 ليرة للدولار الواحد. مع العلم أن توفّر المحروقات بالسعر المدعوم حاليّاً يحمي قطاعات اقتصاديّة أخرى من أثر ارتفاع سعر الصرف، ككلفة اشتراك مولّدات الكهرباء الخاصّة وثمن شراء الفيول لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، إضافة إلى كلفة الشحن والإنتاج التي تدخل ضمن أسعار معظم السلع الموجودة في الأسواق.

لكن عمليّاً، بات من الواضح أن قدرة مصرف لبنان على الاستمرار بدعم استيراد هذه السلع خلال الأشهر المقبلة باتت محدودة، بالنظر إلى وتيرة استنزاف السيولة القابلة للاستخدام ضمن احتياطات المصرف المركزي من العملة الصعبة. ومع اقتراب البلاد من مرحلة رفع الدعم خلال الأشهر المقبلة، أو على الأقل تقليصه تدريجاً تمهيداً لرفعه، على اللبنانيين أن يستعدوا لأسوأ السيناريوات من ناحية حجم الانخفاض في قدرتهم الشرائيّة. فرفع الدعم سيعني عملياً لجوء المستوردين إلى دولارات السوق السوداء لتوفير السيولة المطلوبة لاستيراد هذه المواد، ما سيؤدّي إلى خضوع أسعار هذه السلع لسعر صرف السوق السوداء. مع الإشارة إلى أن الارتفاع القاسي في أسعار المحروقات عالميّاً سيضاعف من حدة الأزمة، من خلال الارتفاع الكبير المرتقب في أسعار مشتقاتها محليّاً بعد رفع الدعم. 

فوفقاً لأسعار المحروقات المستوردة اليوم، وبحسب سعر صرف الدولار الحالي في السوق السوداء، يمكن أن يصل ثمن صفيحة البنزين إلى نحو 100 ألف ليرة لبنانيّة في حال رفع الدعم عنها، بينما يمكن أن تصل كلفة اشتراك الكهرباء إلى نحو 800 ألف ليرة لبنانيّة شهريّاً نتيجة الارتفاع المتوقع في كلفة المازوت المستخدم للمولدات الخاصة. أما المسألة التي ستضاعف حجم الأزمة، فستكون الارتفاع المرتقب في فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان، في حال قرر مصرف لبنان رفع الدعم عن الفيول المستخدم لإنتاج الكهرباء، أو احتمال انقطاع الكهرباء بشكل كلي وشامل في حال عجز مصرف لبنان عن تأمين الدولارات المطلوبة لتمويل كلفة شراء الفيول وإيجار بواخر إنتاج الكهرباء وعقود الصيانة. 

باختصار، أزمة اللبنانيين مع سعر صرف الدولار الذي يحلّق اليوم عالياً ستتضاعف بعد رفع الدعم، خصوصاً مع عدم وجود أي تصوّر رسمي لآليات دعم بديلة يمكن أن تعوّض عن تداعيات هذه التطورات الخطيرة، باستثناء برنامج قرض البنك الدولي المخصص للعائلات الأشد فقراً، الذي يعاني من ثغرات كثيرة أبرزها محدوديّة حجم المساعدات المتوقعة منه وعدم قدرتها على شمول معظم العائلات المتضررة من الأزمة.

الارتفاع المتوقع في سعر الصرف

بمعزل عن الآثار المعيشيّة التي سيتركها رفع الدعم، واعتماد أسعار السلع الأساسيّة على تقلبات سعر الصرف في السوق السوداء، من المتوقع أن يساهم رفع الدعم في تزايد وتيرة انهيار سعر صرف الليرة اللبنانيّة. فحتّى بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، كان مصرف لبنان قد أنفق من يقارب الـ5.72 مليار دولار من السيولة بالعملة الصعبة، لدعم استيراد المحروقات والدواء والمستلزمات الطبية والقمح والمواد الغذائيّة، إضافة إلى دعم سداد الدولة لمستحقاتها بالدولار الأميركي. أما بعد رفع الدعم عن استيراد المواد، فمن المتوقع أن ينتقل طلب المستوردين للحصول على الدولارات المطلوبة للاستيراد إلى السوق السوداء، ومن الطبيعي أن تؤدّي زيادة الطلب على الدولار في السوق السوداء بهذه القيمة إلى إختلال كبير في توازنات العرض والطلب، وإلى إرتفاع اضافي في سعر صرف الدولار.

وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى خطوات مصرف لبنان الأخيرة التي ذهبت باتجاه رفع الدعم تدريجيّاً عن بعض السلع الغذائيّة والمستلزمات الطبيّة، وهو ما ساهم خلال الأسابيع الماضية في دفع سعر صرف الدولار إلى المزيد من الارتفاع، بعدما انتقل المستوردون إلى طلب الدولارات التي يحتاجونها لاستيراد هذه المواد إلى السوق السوداء. وهكذا، من الطبيعي أن يتضاعف هذا الضغط على سعر صرف الليرة اللبنانيّة، عند دخول لبنان في مرحلة رفع الدعم أو تقليصه بالنسبة إلى سائر المواد الأساسيّة المدعومة حاليّاً. 

المسؤولية الضائعة

تتعدد الأسباب التي تقف خلف الانهيارات المتتالية في سعر صرف الليرة: من استمرار مصرف لبنان بطباعة النقد إلى اقتراض الدولة وتمويل نفقاتها، إلى استمراره بطباعة النقد لسداد ديون الدولة المستحقة لمصلحة المصارف بالعملة المحليّة، وصولاً إلى دخول المصارف إلى السوق السوداء لجمع الدولارات المطلوبة لتكوين السيولة لدى المصارف المراسلة وفقاً لمتطلبات إعادة الرسملة التي وضعها مصرف لبنان. كل هذه التطورات، ساهمت طوال الفترة الماضية بزيادة السيولة المتداولة بالليرة اللبنانيّة، وتقليص حجم الدولارات المتوفرة في السوق، فيما سيزيد رفع الدعم لاحقاً قسوة الانهيار النقدي.

وفي الوقت الراهن، تدل جميع المعطيات المتوفرة على أن هذه العوامل ستستمر بتشكيل الضغط ذاته على سعر صرف الليرة طوال المرحلة المقبلة، وخصوصاً في ظل غياب أي خطة رسميّة متكاملة للتعامل مع الانهيار المالي القائم اليوم. مع العلم أن غياب الخطة جعل حاكم مصرف لبنان طليق اليدين، ليقوم بكل تلك الخطوات التي حاولت التعامل مع أزمة القطاع المصرفي وعجز الميزانيّة العامة على حساب قيمة الليرة. ومع كل تهاو إضافي في سعر الصرف، سيزداد الانهيار في قيمة الأجور وقدرتها الشرائيّة، وسترتفع بذلك نسب الفقر إلى مستويات إضافيّة جديدة. وبانتظار تكوين خطة حكوميّة جديدة للتعامل مع جميع آثار الانهيار، ومنها أزمة سعر الصرف، لا يمكن توقّع أي مسار معاكس.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
وائل السواح- كاتب سوري
فوجئنا، نحن السوريين، بصدور بيان عن المجلس الإسلامي يعلن عن انتخاب المفتي الجديد، من دون أن ندري كيف أجريت الانتخابات، وكيف تمّت المداولات، وهل كان هنالك مرشحون آخرون للمنصب، وكم عدد الأصوات التي فاز الشيخ الرفاعي بها.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني