fbpx

تونس: سبت “النهضة” الأسود وانتهاك أجساد الصحافيات

"رأيتك وأنت في حالة هستيرية عندما أخرجوك بأعجوبة من وسط تلك المطحنة"... تشعر يسرى بالإحباط الشديد مما حصل وتفكر في ما إذا كانت ستنزل إلى الميدان مرة أخرى أم لا.

السابع والعشرون من شباط/ فبراير 2021، سبت “أسود” ربما لن يمحى من ذاكرة الصحافيات والصحافيين التونسيين الذين كانوا يومها في شارع محمد الخامس في العاصمة التونسية، يغطون فعاليات مسيرة “حركة النهضة”، الحزب الحاكم. مسيرة شهدت اعتداءات بالجملة على الصحافيين من عنف مادي ولفظي، كما حاولت أيادي ما يسمى “لجنة تنظيم المسيرة” التحرّش بالصحافيات وانتهاك كراماتهن، على مرأى ومسمع قوات الأمن وأنصار “حركة النهضة”.

بستراتهم الزرق، كان أعضاء “لجنة تنظيم مسيرة حركة النهضة”، يتفحّصون كل شيء، وحاولوا قمع الصحافيين عبر الدفع والهرسلة، فاضطلعوا بذلك  بدور الأمن، إنما بأسوأ أوجهه وأكثرها حقداً.

وقد وصل العنف في التعاطي مع الصحافيين وبخاصة الصحافيات إلى حدود التحرّش، لا سيما لحظة وصول رئيس الحركة راشد الغنوشي، إذ مُنعت الزميلات وأيضاً الزملاء من الاقتراب من المنصة التي يقف الغنوشي عليها.

“إحدى النساء من أنصار الحركة قالت لي بالحرف الواحد، أنتم إعلام العار جنيتم على أنفسكم… ندفع لكم من أموالنا حتى تشتموننا في المنابر “.

تقول جيهان علوان من مؤسسة الإذاعة التونسية (الإذاعة الرسمية) لـ”درج”: “على رغم أنني أعلمتهم بمهنتي الصحافية وكنت ارتدي السترة الخاصة والمكتوب عليها PRESS ومع ذلك تم منعي من التقدم نحو المنصة وتمت محاصرتي إلى حد الاختناق”.

في الأثناء كان أعضاء من اللجنة يتعمدون الالتصاق بجيهان، وعندما طلبت من أحدهم التزام الاحترام والكف عن هذه الممارسات التي ترتقي إلى درجة التحرش، خاطبها أحد أعضاء اللجنة ممن يرتدون سترات زرق قائلاً:

“مرّي من المكان المخصص للنساء، لماذا تصرّين على المرور من هنا، اذهبي هناك”.

جيهان تجاهلته وردت بأنها تقوم بعملها وستقف في المكان الذي تراه مناسباً. وهي لم تتعرض للتدافع والتحرش فقط بل تم الاعتداء عليها لفظياً أكثر من مرة وشتمها.

“إحدى النساء من أنصار الحركة قالت لي بالحرف الواحد، أنتم إعلام العار جنيتم على أنفسكم… ندفع لكم من أموالنا حتى تشتموننا في المنابر “.

و”إعلام العار” هي عبارة يكررها طول الوقت أنصار “حركة النهضة” وأعضاؤها ونوابها منذ سنوات، منذ “غزوة التلفزة”، التي نفذوها في 24 شباط 2012. تظاهر وقتها حوالي ثلاثة آلاف شخص من أنصار “حركة النهضة” والسلفيين أمام مقر التلفزة الوطنية (التلفزيون الرسمي)، مطالبين بـ”الموضوعية والحياد” في معالجة المسائل السياسية والاجتماعية.

تقول علوان: “فعلاً اليوم أحسست بالخوف وكنت أشعر بكمّ هائل من الحقد والكراهية تجاه الصحافيين، فالأنصار يوجهون لنا اتهامات بنقد الحركة وشيطنتها بينما نحن جئنا للتغطية ومواكبة هذا الحدث كغيره من الأحداث، محترمين كل الضوابط المهنية. قمت بمواكبة عشرات المسيرات والتحركات الاحتجاجية منذ سنوات، ولم أشعر بالخوف والترهيب الذي شعرت به أثناء تغطية مسيرة حركة النهضة اليوم”. 

إقرأوا أيضاً:

لمياء (اسم مستعار)، وهي صحافية في إذاعة خاصة، نخفي هويتها نزولاً عند طلبها، تقول إنها فور وصولها هي والمصورة الصحافية التي ترافقها، تعرضتا للاستفزاز قرب المنصة.

من اللحظة التي أخرجت فيها المصدح الذي يحمل شارة الراديو التي تعمل فيه وبدأت تشعر بأنها محاصرة من أعضاء “لجنة تنظيم”، وعلى رغم ذلك تجاهلتهم وقامت ببعض المقابلات مع أعضاء الحركة بشق الأنفس.

“تأكدت والأجساد تلتصق بجسدي عنوة وعن سبق إصرار وتدفعني من كل جانب والميكروفون في يدي، أنني سأدفع ثمن غلّ أعضاء الحركة، تجاه معلقي الإذاعة الساخرين منهم والناقدين لهم، على رغم أنني لا أؤدي هذا الدور وأنا صحافية في الأخبار، إلا أنهم لم يفرقوا هذا عن ذلك”.

 شخص كان يرتدي سترة لجنة التنظيم، أمسك لمياء من صدرها بغلّ. تشير إلى أنه أمسك بها من المكان الذي يؤلمها حتى لا تتقدّم أكثر نحو المنصة وتنسحبَ في صمت، لكنها صرخت بقوة من وهول ما شعرت به، وتم إبعادها بأعجوبة من الشخص المذكور.

بعد انتهاء المسيرة أمضت لمياء ليلة السبت 27 شباط، وعيناها مفتوحتان حتى الصباح الباكر وشعرت بإحباط شديد، أوصلها إلى حدود رعبها من فكرة النزول إلى الميدان مرة أخرى. 

“لم يغمض لي جفن، ليلة السبت، ولا أخفيك سراً أنني أصبحت أشعر بالرعب من ممارسة المهنة خارج أسوار الاستديو، ربما لن أنزل إلى الميدان مرة أخرى”.

تقول أميرة محمد نائبة رئيس “النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين” لـ”درج” إن “ما حصل للصحافيين والصحافيات من اعتداءات بأنواعها وتحرش جنسي، كان هدفه ترهيبهم ومنعهم مرى أخرى من ممارسة مهماتهم بشكل موضوعي، وهي دعوة صريحة للاصطفاف معهم، أو سيكون مصيرهم أشنع مما حصل يوم السبت المذكور”.

“تواصل حالة الإفلات من العقاب وعدم التعاطي الجدي مع قضايا الاعتداء على الصحافيين”.

“النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين” وللمرة الأولى في تاريخها أصدرت بيانين متتاليين في أقل من 24 ساعة، أدانت فيهما بشدة الاعتداءات على الصحافيين/ كما أعلنت أنها ستقوم بالتتبع القضائي لكل المعتدين وعلى رأسهم لجنة تنظيم حركة النهضة التي مارست مهمات الميليشيات وخالفت القوانين التي تضمن حرية العمل الصحافي، وفق ما جاء في نص بيانها.

كما كلفت النقابة طاقمها القانوني بالقيام بالإجراءات اللازمة لتتبع المعتدين على رغم “تواصل حالة الإفلات من العقاب وعدم التعاطي الجدي مع قضايا الاعتداء على الصحافيين”.

الجامعة العامة للإعلام المنضوية تحت الاتحاد العام التونسي للشغل بدورها أصدرت بياناً نددت فيه بهذه الممارسات التي تدخل تحت طائلة القانون واعتبرتها سابقة خطيرة، تعكس صورة سلبية، تضرب الحريات الصحافية وحق الإعلاميين في العمل بكل حرية من دون تضييقات وتعتبر تحدياً تجاه تأدية الصحافيين رسالتهم وواجبهم المهني.

وأكدت الجامعة أن حرية الصحافة مكسب لتونس لا تراجع عنه وأن عمل الصحافي لا يخضع لرقابة مسبقة أو توجيه متعمد أو منع، كما طالبت بفتح تحقيق فوري ومحاسبة المعتدين.

حفلتا شتم وتحرّش

يسرى الرياحي صحافية في موقع “بيزنس نيوز” تعرضت أيضاً للتحرش الجنسي بالقرب من المنصة المذكورة.

“رأيتك وأنت في حالة هستيرية عندما أخرجوك بأعجوبة من وسط تلك المطحنة، ولم أفهم سبب غضبك، لكنني حينما حللت مكانك ودخلتها فهمت أنك كنت في جحيم”.

التقيت يسرى في الممر الضيق، كانت هي على عجل تريد الدخول لتغطية ما تبقى من كلمة راشد الغنوشي وكنت أنا على عجل أيضاً حتى أنجو بنفسي بعد حفلة التدافع والشتم التي كنت ضحيتها.

عضو لجنة التنظيم وضع يده بكل صفاقة على خصر يسرى لثوان، وأمسكها بقوة، ردت هي الفعل وقالت له “ماتحشمش” أي “اخجل من نفسك”.

تشعر يسرى بالإحباط الشديد مما حصل وتفكر في ما إذا كانت ستنزل إلى الميدان مرة أخرى أم لا.

“رأيتك وأنت في حالة هستيرية عندما أخرجوك بأعجوبة من وسط تلك المطحنة، ولم أفهم سبب غضبك، لكنني حينما حللت مكانك ودخلتها فهمت أنك كنت في جحيم”.

تحدثت في فيديو على “فايسبوك” عن التحرش بالصحافيات، ما أثار ضجة وتناولته وسائل إعلام في تونس وخارجها، ومع البيان الثاني لنقابة الصحافيين والذي أكد التحرش وطالب “حركة النهضة” بالاعتذار، أصدرت هذه الأخيرة بلاغاً مقتضباً من أربعة أسطر تقول فيه “ان هذه التجاوزات لا تمثلها وهي حالات فردية وتعتذر عنها”.

المصورة الصحافية سلمى القيزاني، في جريدة la presse الرسمية، ترى أن هذا الاعتذار لا يشفي غليلها، ولا يعيد إليها حقها من هؤلاء الذين حاولوا العبث بجسدها.

“برا شد دارك، أي عودي إلى بيتك ما الذي جاء بك إلى هنا، كان يقول هذه الكلمات ويرمي يده على جسدي يميناً وشمالاً، ارتبكت في تلك اللحظة وكنت ممزقة بين حماية نفسي وإبعاده مني وحماية صحافية شابة صغيرة في السن، خشيت أن تتعرض لما تعرضت له”.

ووسط هذا المشهد الأسود، الأمن كان دوره سلبياً جداً في التعامل مع الاعتداءات بأنواعها، إذ لم يتدخل لإنقاذ الصحافيات ممن صرخن أمام أعين رجال الأمن، ولا حتى الصحافيين الذين تعرضوا للإهانة ومحاولة تهشيم معداتهم.

وكأن “حركة النهضة” بلغت مرادها ببث الرعب في نفوس الصحافيات بشكل خاص، حتى يشعرن بالخوف والإحباط ويصبح نزولهنّ للتغطية الصحافية صعباً ومرعباً. فهل يكفي اعتذار الحزب الحاكم في أسطر قليلة، أم سيتوقف قادته ونوابه عن بث خطاب الكراهية ضد الإعلام والصحافيين؟ فهذا الخطاب التحريضي هو المسؤول الأول عما حدث سياسياً وقانونياً وحتى أخلاقياً.

إقرأوا أيضاً:





لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني