fbpx

بعض العدالة لجمال… لكن ماذا عن لقمان؟

اريد ان اصدق ان بعضاً من ثمن العدالة لجمال لن يكون عدالة أقل للقمان، وأن ثمن المفاوضات حول الملف النووي لن يكون إطلاق يد حزب الله في لبنان.

ليس سهلاً انتظار العدالة في الشرق الأوسط، وليس سهلاً عدم الخوف منها.  

بدأتُ يومي بمشاهدة فيلم بثه موقع صحيفة “واشنطن بوست” كجزء من تغطيتها لنشر تقرير “سي آي أيه” المتعلق بقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. الفيلم يدعو إلى العدالة لجمال من دون أي مبالغة ببطولة الرجل او استثنائيته. 

يظهر خاشقجي في الفيلم وبحسب مقابلات مع زملاء له تماماً كما هو، مواطن سعودي يحب بلده يسعى الى الإصلاح من داخل النظام خلال مرحلة طويلة من حياته المهنية ثم أصبح أكثر وضوحاً في انتقاداته بعد ثورات الربيع العربي. 

يتحدث كريم فهيم في الفيلم عن الفترة الطويلة التي قضاها جمال مقرباً من دوائر السلطة، ويتحدث دافيد اغناتيوس عن “إيمان استجد لدى جمال بعد الربيع العربي وشغف صار لديه بتحميل القادة مسؤولية أعمالهم”. يقول شاين هاريس أن خاشقجي “صار أكثر حدة بانتقاداته ولكنه لم يكن يوماً تشهيرياً”. 

يفند الفيلم المراحل التي مر بها التحقيق الذي قامت به “سي آي أيه” والتفاوت بين تقريرها وبين أداء ادارة دونالد ترامب الذي لم يوارب باعترافه العلني بعدم استعداده للتضحية بمعاهدة عسكرية تجاوزت قيمتها مئة وعشرة مليارات دولار من أجل حياة صحافي.

أبحث عن ضمانات منطقية ولا أجدها. المنطق كما التاريخ يقولان لي أنه علي أن أكون خائفة. بعض العدالة لجمال قد لا يعني عدالة لنا جميعاً، لا بل قد يعني عدالة أقل لنا. 

ينتهي الفيلم بعبارة لغريغ ميلر يقول فيها: “عندما يكون هناك رئيساً اميركياً يقلل من خطورة تصفية شخص دفاع عن مبادئ الحرية وقيم الديموقراطية ومن اجل الاصلاح في الشرق الأوسط المحروم من كل هذه الأمور على مدى عقود…يشكل ذلك فترة من السواد لمن يقودون هذه المعركة هناك”.  

خلال الساعات الفاصلة بين مشاهدتي للفيلم و قراءتي للبيان الصادر عن الخارجية الأميركية، كانت هذه الكلمات كل ما كنتُ افكر فيه. هذه الكلمات، ممزوجة بصور وأصوات مبهمة تعود الى ذاكرتي عن مقتل جمال قبل ذلك بثلاث سنوات. صوت منشار كهربائي وموسيقى “بالب فيكشن” داخل القنصلية السعودية في اسطنبول. 

جريمة قتل جمال، في وضح النهار، وتحت أعين العالم كان الهدف منها درساً لكل صحافي يتجرأ على تجاوز الخطوط الحمراء. والصحافية في داخلي لا يسعها إلا أن تشعر أن بعضاً من العدالة قد تحقق اليوم، ليس لجمال وحده بل لكل صحافي. 

إذ اقرأُ البيان المنشور على موقع الخارجية الأميركية تحت عنوان المحاسبة على قتل جمال خاشقجي  أفكر بالمسافة بين هذه الكلمات وتلك التي قالها دونالد ترامب يوم عبّر عن أسفه في أن يكون ولي العهد السعودي مسؤولاً عن عملية القتل قبل أن يضيف “ولكن المملكة شريك و حليف أساسي”. 

المسافة هائلة فعلاً بين الكلمات الواضحة والقوية والمتكررة في بيان أنطوني بلينكن المدافع عن “أفراد لديهم الحق بأن يمارسوا حقوقهم الإنسانية والتعبير عن آرائهم من دون الخوف من القصاص أو الانتقام أو العقاب أو الاذى” ومحاولات ترامب المتكررة لتمييع مسؤولية النظام الشريك. 

بيان الخارجية الذي بدأ بالدفاع عن خاشقجي بصفته “مقيماً دائماَ وملتزماً بقوانين الولايات المتحدة” انتهى بجملة أن الولايات المتحدة على الرغم من حرصها على العلاقات مع المملكة حريصة وبالقدر ذاته على أن تعكس هذه العلاقة قيم الولايات المتحدة.  

الصحافية في داخلي تودُ ان تحتفل. في مخيلتي أضع وردة على ضريح لا اعرف مكانه وابتسم لزميل لم أعرفه وأقول له، بعض العدالة لك هي عدالة لنا جميعاً…

اليوم يوم جمال وأنا أودُ من كل قلبي أود أن أتوقف ولكنني لا انجح بطرد كلمة ولكن تأبى أن تؤجل حضورها… ولكن ماذا عن لقمان سليم؟

القيم التي تقول الادارة الاميركية الجديدة أنها لن تتنازل عنها هي قيم ندافع عنها نحن كل يوم وندفع أثمانها كل يوم. إن لم نُقتَل كما قتل جمال او لقمان، فنحن نُهمَش ونُخَون ونُسجَن ونُهان ونُهجّر كل يوم.  

بيان الخارجية الاميركية قالها بوضوح: أي اعتداء تقوم به المملكة ضد ناشطين ومعارضين او صحافيين يجب ان ينتهي…الولايات المتحدة لن تقبل بهذه الأمور…” كم هي مطمئنة هذه الكلمات، ولكن ماذا عن القتلة الآخرين؟ ماذا عن بشار الأسد؟ ماذا عن عبد الفتاح السيسي؟ ماذا عن فلاديمير بوتين؟ ماذا عن ايران؟ 

العلاقة مع الرياض مهمة وشرطها أن تعكس قيم الولايات المتحدة ولكن ماذا عن العلاقة مع طهران؟ هل ستكون قيم الولايات المتحدة شرطاً للعودة الى طاولة المفاوضات؟ هل سيكون قتل الصحفيين والمعارضين ممنوعاً على ايران وحلفائها؟ ام أن الموضوع النووي أكثر أهمية من 110 مليار دولار من العقود المتعلقة بالاسلحة؟

عقلي يرفض الا أن يرجع الى لقمان، وفي لحظة يريدها لحظة العدالة لجمال لا يسعه أن يفصل بين الاثنين.عقلي هذا الذي يستعيد كل هذه النزاعات التي كان علينا أن نعيشها على طول حياتنا. 

القيم التي تقول الادارة الاميركية الجديدة أنها لن تتنازل عنها هي قيم ندافع عنها نحن كل يوم وندفع أثمانها كل يوم. إن لم نُقتَل كما قتل جمال او لقمان، فنحن نُهمَش ونُخَون ونُسجَن ونُهان ونُهجّر كل يوم.  

في إعلان إدارة بايدن ما يعطينا شعوراً ببعض عدالة ولكنه غير كاف لطمأنتنا. 

حيث نحن، ليس سهلاً ان ندافع عن العدالة ولا أن نقاتل من أجلها ولا أن نتوقعها. ليس سهلاً أن لا نخاف منها. اقرأُ بيان الخارجية وأريد ان أصدق أننا أمام مفترق جديد، وأن المصالح الكبرى لن تكون على حسابنا.

احتاج الى ان أصدق. أبحث عن ضمانات منطقية ولا أجدها. المنطق كما التاريخ يقولان لي أنه علي أن أكون خائفة. بعض العدالة لجمال قد لا يعني عدالة لنا جميعاً، لا بل قد يعني عدالة أقل لنا. اريد ان اصدق ان بعضاً من ثمن العدالة لجمال لن يكون عدالة أقل للقمان، وأن ثمن المفاوضات حول الملف النووي لن يكون إطلاق يد حزب الله في لبنان. 

كثيرون هنا اعتبروا أن توقيت اغتيال لقمان سليم جاء كرسالة للمعارضين اللبنانيين مفادها أن وقت اللعب انتهى، وأن التعويل على ضغوطات او عقوبات تفرضها ادارة ترامب قد مضى لأن الأولوية الآن هي للمفاوضات مع إيران، راعية الحزب. هذه كانت المعضلة التي كان علينا التعامل معها على طول المعركة الانتخابية في الولايات المتحدة. اي شخص مؤمن بمبادئ الحق والعدالة والحرية من غير الممكن أن يناصر ترامب من أجل خير البشرية أردنا لترامب ان يخسر وكنا نعرف اننا بذلك نراهن على خيار قتلتنا.

ليس في الأمر مبالغة. فبيروت التي هُدم جزء كبير منها في الرابع من آب وقتل العشرات من ابنائها، لا حياء لمن دمروها ولا حدود لاجرامهم وجشعهم. هم راهنوا على ادارة بايدن ونحن كنا نعرف ذلك. 

أريد أن أصدق أننا لم نخطئ لأننا تمسكنا بقيمنا. اريد ان اصدق ما قالته السفيرة الأميركية في وداع لقمان في قلب الضاحية الجنوبية عن جدية إدارة بايدن بالتزامها الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير. نحن لا نطلب من الادارة الاميركية الجديدة بأن تدافع عن حقوقنا. نطلب فقط ان لا تعقد صفقة مع قتلتنا لمجرد أننا لسنا مقيمين دائمين في الولايات المتحدة.

اريد ان اصدق ولكن اعتبارات اخرى تتسارع في رأسي، بدءاً من خطوط أوباما الحمراء الى مفاوضات النووي، مروراً بعقود شركة توتال مع طهران وصولاً إلى ايمانويل ماكرون الذي جاء ووقف معنا يوم بكينا مدينتنا المدمرة قبل أن يخبرنا أن علينا تحمل مسؤولية انتخابنا لمن صوتنا لهم تحت تهديد السلاح.

اليوم، تحققت بعض العدالة لجمال، وكل ما اريده هو ان انزع عن شعوري بالانجاز شعوراً آخر بأن خسارة كبيرة اتية لا محال. 

إقرأوا أيضاً:

في العالم الافتراضي نقاشات من نوع آخر تعيد لي بعضاً من توازني. 

ندى و ديانا تقيمان حواراً على “كلوب هاوس” تحت عنوان: نحن لسنا بخير، هل نغادر او نبقى؟

في هذه المساحة الجديدة استمع الى أصدقاء، اعرف بعضهم و اخرون لا اعرفهم. لا الوم من غادر ولا اعرف متى يأتي دوري. ربما كانت الضمانة الوحيدة هي أن نقيم  في بلدان تحترمنا. يحرق قلبي صوت المشاركين السوريين تحديداً. “لن اعود لأني عرفت ما معنى ان لا اخاف من نفسي ولكني أريد ان يكون لي الخيار بالعودة إن اردت” تقول احداهن. 

 كل هذا الحزن و كل هذه الخسائر، وكل هذه الأحلام البسيطة، كم دفعنا اثمانها. 

“كيف تكون العدالة لجمال خاشقجي” عنوان لجلسة ثانية يشارك فيها اصدقاء اخرون. ادخل واستمع واحلم. في هذه المساحة المفترضة صحافيون وناشطون ومعارضون مصريون وتونسيون وفلسطنيون وخليجيون  يناقشون مع زملاء لهم من دول غربية سبلاً تجعل من العدالة لجمال خاشقجي عدالة لكل مدافع عن الحرية وعن العدالة. 

هنا كلام عن حملات ضغط ومشاريع للتوثيق ومشاريع صحفية واستقصائية قائمة على مبادئ المواطنة والعدالة والمحاسبة.  

ما لهذا اليوم يرفض أن ينتهي؟  مالي استسلم لدموعي وقد نجحت بمقاومة البكاء طيلة النهار؟ 

جملة من صبية مصرية سمعتها أعطتني كل ما كنت احتاجه: من حيث هو جمال يغمزنا ويقول لنا استمروا، انهم مرعوبون.

نعم, نحن منهكون و لكنهم مرعوبون. 

نعم، لم يسمع أحد صوت منشار كهربائي، كننا نُقتَل كل يوم. 

نعم، لسنا مقيمين دائمين في بلدان تحترم حقوق مواطنيها، ولكننا لا نزال هنا، و يوماً ما سنقاتل من اجل العدالة من دون أن نخاف من نتائجها. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني