fbpx

“اللقاح السياسي”: صحة اللبنانيين رهينة متاهات فساد السياسة

"الأطبّاء عم يموتوا كل يوم. مبارح ماتت صيدلانيّة وكل يوم في حدا عم يموت ما بيصير الأمور تكمّل هيك. عم يربّحونا جميلة إنّهم عم يطعّمونا؟!"

بعد إقرار النواب، في أحد البلدان، قانوناً خاصاً بالسير، قام وزير النقل هناك بإهداء كل نائب منهم سيارة فاخرة تقديراً لجهوده. الخبر قد يبدو سوريالياً، وقد يقول كثيرون إنه مفبرك. وهو كذلك. لكن ألا يشبه هذا الخبر المفبرك، ما حدث حقاً في لبنان حينما قام وزير الصحة حمد حسن بإعطاء مكافأة، للنواب الذين أقروا قانون “الاستخدام الطارئ للقاح”، عبارة عن تلقيح هؤلاء المشرّعين قبل بقية اللبنانيين، وتفضيلهم على الطواقم الطبية والعاملين في المستشفيات والمسعفين وكبار السنّ ومن يعانون من أمراض مزمنة؟ 15 نائباً تلقّوا اللقاح بطريقة ملتوية ومن خارج الأصول، وذهب فريق لإعطائهم اللقاح في مبنى مجلس النواب، ولم يكلّفوا أنفسهم العناء لانتظار دورهم، ولزيارة مراكز التلقيح كما بقية اللبنانيين. هذا ليس خبراً مفبركاً. هذه الحقيقة. 

ترافقت “حفلة” تلقيح النوّاب مع خروج تقارير إعلامية تتحدث عن اختفاء نحو 50 في المئة من اللقاحات التي وصلت إلى لبنان، ولا أحد حتّى الآن يعلم (أو يُصرِّح) أين ولمن وُزِّعَت خارج إطار المنصّة الرسمية المعتمدة.

تلقيح النواب الـ15 تسبّب باستقالة تاليا عراوي، مسؤولة الأخلاقيات في “اللجنة الوطنية للقاح كورونا”، وكاد يتسبّب باستقالة رئيس اللجنة عبد الرحمن البزري الذي أكّد أن وزارة الصّحة هي المسؤولة عن إرسال اللقاحات إلى البرلمان، ثم ما لبث أن تراجع عن استقالته. استقالة العراوي بدت بوضوح مرتبطة بخرق الأخلاقيات، وهي المسؤولة عنها، وشهدت مع بقية اللبنانيين كيف انتهكت المعايير ودخلت “الواسطة” على خط اللقاح، في سلوك يقفز فوق جميع الحواجز الأخلاقية والإنسانية. لم تبرر عراوي استقالتها، وفي اتّصال مع “درج”، رفضت عراوي التعّليق وقالت إنّها تلتزم بقرارها عدم التّصريح إلى وسائل الإعلام. قررت مسؤولة الأخلاقيات أن تتسلح بالصمت كموقف وحيد منطقي أمام كل الضجيج الذي ملأ الشاشات.

الضجيج غالباً كان سببه نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، الذي كان نجم الشاشات ونجم السوشيل ميديا وتحوّل إلى مادة للسخرية بعدما فقد أعصابه في أكثر من مقابلة تلفزيونية، وقرر إيقاف المقابلات على الهواء مباشرة، بعدما شعر بأنه عاجز عن تبرير ما فعله من انتهاك صارخ لمعايير التلقيح المعتمدة محلياً وعالمياً، عبر فعل مشبع بالأنانية ومستمد من شريعة الغاب حيث البقاء للأصلح والأقوى. وفي حين التزم معظم النوّاب “الملقّحين” الصمت، حفاظاً على شيء من حمرة الخجل، أمام الامتعاض الشعبي الكبير، أخذ الفرزلي، كما جرت العادة، على عاتقه الدفاع عن النظام وعن زملائه النوّاب، وخرج ليهاجم، وبدا أنه فقد “اتزانه”، المدير الإقليمي لدائرة المشروق في مجموعة البنك الدولي ساروج كومارجا، وضمّن هجومه شيئاً من التنمّر والسخرية، ثم انتهى به الأمر في حالة “هستيريا” في حلقة مباشرة مع الإعلامي مالك مكتبي.

ويبدو فقدان الفرزلي أعصابه منطقياً أكثر من تبريرات كل من وزير الصحة حمد حسن والأمين العام لمجلس النواب عدنان ضاهر. ففي حين ربط حسن تلقيح النواب بـ”قرار سيادي” اتخده لمكافأتهم (رشوتهم؟) على دورهم في إقرار القانون، خرج ضاهر ليقول إن “النواب هم الأكثر عملاً في القوانين واجتماعاتهم دائمة، وهناك تخوفات من أن ينقلوا العدوى إلى المجتمع إذا ما أصيبوا”. تبرير مشابه خرج عن قصر بعبدا، بعدما نشر تلفزيون “الجديد” خبراً عن تلقّي رئيس الجمهورية ميشال عون وعقيلته وحاشيته اللقاح قبل أيام في القصر الجمهوري. اضطر القصر إلى التوضيح عبر بيان بأن الرئيس مع عقيلته إضافة إلى 16 شخصاً من فريقه تلقوا اللقاح، من دون ذكر التاريخ ولا تفاصيل إضافية. يأتي ذلك في وقت كان وزير الصحة أعلن قبل وصول اللقاحات أن الرؤساء الثلاثة سيكونون أول من يتلقى التلقيح “لتشجيع اللبنانيين على الوثوق باللقاح”. لكن الرئيس بدل أن يجاهر بتلقيه اللقاح، أخذه خلسة مع عائلته وحاشيته، وما كان ليقرّ بأخذه لولا تسرب الخبر إلى وسائل الإعلام. 

نقيب الأطباء شرف أبو شرف قال لـ”درج” إنّ ما حصل خطأ بشهادة منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي والطاقم الطّبي في لبنان، محمّلاً مسؤولية هذا الخطأ لوزير الصحّة حمد حسن، الذي برّر توصيل اللّقاح إلى النوّاب عبر خدمة الدليفري، مطالباً إيّاه بالاستقالة. وقال إن النواب الذين حصلوا على اللقاح ليسوا هم المذنبين على اعتبار أنّهم تبلّغوا أنّهم سيحصلون على اللّقاح “فهل يرفضون؟”، متابعاً: “المسؤوليّة هنا تقع على من أعطى الإذن بذلك وبرّر في ما بعد”. شرف الذي سبق أن أعلن أن نصف أطباء لبنان لم يتلقوا اللقاح بعد، يؤكد أن ما حصل خطأ “وبدلاً من أن يعترفوا بخطأهم ذهبوا إلى خطّ الدفاع. أيّ دفاع هذا؟ عمّن أو عن ماذا يدافع الوزير؟ فليستقِل من أعطى الإذن وليس الدكتور عبد الرحمن البزري الذي قدّم عملاً مهماً هو واللجنة”. 

ترافقت “حفلة” تلقيح النوّاب مع خروج تقارير إعلامية تتحدث عن اختفاء نحو 50 في المئة من اللقاحات التي وصلت إلى لبنان، ولا أحد حتّى الآن يعلم (أو يُصرِّح) أين ولمن وُزِّعَت خارج إطار المنصّة الرسمية المعتمدة. هذا لغز، لكن كل الخيوط تدلّ فيه على محسوبيات مارستها الأحزاب لتوزيع لقاحات على مسؤوليها ومحازبيها. نقيب الأطباء لا يعرف ماذا حلّ بهذه اللقاحات. لكنه يتكهّن: “راحوا بالفوضى اللي كانت موجودة واللّي نبّهنا عليها من الأساس. ما بيصير تكون الفوضى قايمة بمحلّ وبمحلّ تاني يكونوا عم ينادوا دخيلكم جيبولنا لقاحات”. هي “فوضى” إذاً، والفوضى تناسب تماماً الأحزاب و”مستزلميها”، على حساب القطاع الصحي بأكمله الذي يواجه الفايروس في معركة منهكة: “الأطبّاء عم يموتوا كل يوم. مبارح ماتت صيدلانيّة وكل يوم في حدا عم يموت ما بيصير الأمور تكمّل هيك. عم يربّحونا جميلة إنّهم عم يطعّمونا؟!”، يقول ابو شرف، ثم يستطرد: “أحد رؤساء الوزراء (يقصد سعد الحريري) عاد من إحدى دول الخليج (الإمارات العربية المتّحدة) ومعه عدد من اللّقاحات أعطاها لجماعته. هل راقب أحد ماذا أحضر معه هذا الرئيس وكيف تم حفظ هذه اللقاحات ولمن أعطِيَت؟ ما دام هو قادر على ذلك فليسمحوا للقطاع الخاص بالمشاركة رسمياً في هذه المسألة. نحن والصيادلة ونقابة الممرّضات وأطبّاء الأسنان قادرون على تقديم اللقاحات في نقابة الأطبّاء وتطعيم الجميع في غضون أسبوع كما أنّ نقيب أصحاب الفنادق والمؤسسات السياحية اتّصل بي قائلاً: يا خيّي نحن بدنا نطعّم كل اللّي عنا ونحن مندفع. فأين المشكلة إذًا وما سبب المماطلة؟ ولماذا لا يسمحون للقطاع الخاص باستيراد لقاحات وبيعها لمن يستطيع شراءها من الشركات والمؤسسات والمواطنين الأفراد المقتدرين؟”.

أين ذهبت 50 في المئة من اللقاحات التي وصلت إلى لبنان إذا لم تعط عبر المنصّة؟  

أبو شرف يكشف أنّ المستشفى الذي يعمل فيه لا يصله أكثر من 100 لقاح في اليوم، علماً أنّ العدد المتّفق عليه هو 400 لقاح يومياً. وهذا يطرح أسئلةً وشكوكاً حول اللقاحات التي لا تعطى للمواطنين من ذوي الأولوية، كما تفترض الأعداد في المنصّة. ما يقوله أبو شرف يصب في السياق نفسه مع ما كشفه مدير مستشفى رفيق الحريري الجامعي فراس الأبيض في تغريدة عن أن مركز التلقيح في المستشفى مجهز لاستقبال 1500 شخص لتلقي اللقاح في اليوم، فيما لا ترسل وزارة الصحة إلا ثمانين. وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساس: أين ذهبت 50 في المئة من اللقاحات التي وصلت إلى لبنان إذا لم تعط عبر المنصّة؟  

يمكن العثور على بعض الإجابة بين سطور الشكاوى التي يكتبها متطوعو الصليب الأحمر اللبناني على مواقع التواصل الاجتماعي، حول عدم تلقيهم اللقاح، وتقديم النواب وموظفي القصر الجمهوري وربما رؤساء الطوائف الروحية (كما صرح وزير الصحة)، على مسعفي الصليب الأحمر الذين يخوضون المواجهة مع الفايروس في الخطوط الأمامية وفي تمام مباشر مع المرضى الذين يتولون نقلهم من منازلهم إلى المستشفيات. واذا كانت خمسون في المئة من اللقاحات قد اختفت ولم تقم السلطة بتلقيح جميع عناصر الصليب الأحمر اللبناني في الأولوية، ليظهر ان سياسيين مع حواشيهم قد تلقوا اللقاحات من خارج المنصّة، فهذا ربما يفسّر اين ذهبت اللقاحات وإن كان من الصعب تحديد أسماء الجهات التي استفادت منها بشكل دقيق. ويبدو ان البنك الدولي المشرف على العملية، لا يزال يلتزم الصمت لجهة تحديد المسؤوليات، واكتفى بالتلويح بوقف تمويل العملية اذا لم تكن شفافة وخاضعة للرقابة.  

أمين عام الصليب الأحمر جورج كتانة، يقول إنه الوحيد المخوّل نقل وجهة نظر الصليب الأحمر في شأن اللقاح، “لا متطوّع ولا فلان ولا علّان”. يرفض عبر “درج” الدّخول في الجدل السّياسي أو التدّخل بمن أخذ اللّقاح ومن لم يأخذه آملاً أن يبقى الصليب الأحمر حياديّاً ومستقلاً.

وإذ يؤكّد أنّ الصّليب الأحمر يصلْه 150 لقاحاً في الأسبوع، يوضح كتّانة أنّ “عدد اللّقاحات التي تصل إلى لبنان ليس كبيراً، يتراوح بين 22 ألفاً و30 ألفًا في الأسبوع، على أن تُعطَى أولويّة التّلقيح لمن هم في الصّفوف الأماميّة”، ويقول: “تم الاتّفاق مع لجنة كورونا ووزارة الصحة على أن يحصل الصّليب الأحمر على عدد اللّقاحات الذي يجب أن يحصل عليه. حصل تأخير لكنّهم وعدوا بزيادة عدد اللقاحات لعناصرنا”. يأمل كتّانة أن إعطاء عناصره حقّهم ومدّهم باللقاح كحال “مستشفى الجامعة الأميركية” و”أوتيل ديو” و”مستشفى الروم” ومستشفى رفيق الحريري الجامعي لأنّهم أوّل من يستجيب لنداءات الاستغاثة، كاشفًا أنّهم نقلوا 8600 حالة إصابة بـ”كوفيد-19″ إلى المستشفيات في غضون الشهرين الفائتين”. ومع ذلك، لم تشفع هذه التضحيات لعناصر الصليب الأحمر، لكي يتلقوا اللقاح قبل النواب ونائب رئيس مجلس النواب الغاضب، الذي حمّل الجميع المسؤولية في ما حدث، ما عدا السلطة التي يدافع عنها، بلا هوادة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني