fbpx

صدّام حسين لم يمت!

"ديكتاتوريتي ستبقى على قيد الحياة بينكم كالهمسات، في آخر الليل، في غرفة معيشتك، عندما تناقش مع أقرانك عن الفضائح اليومية التي تدور حولكم. ستبقى هذه الحقيقة على قيد الحياة..."

أكثر من 24 مليون شخص شاهدوا البث المباشر للجزء الأول من مقابلة رغد صدام حسين مع قناة “العربية” على موقع “فايسبوك” وحده. الجزء نفسه على “يوتيوب” حصل على 6.2 مليون مشاهدة حتى كتابة هذه السطور. والبحث عن رغد صدام حسين يحيل إلى حلقة أخرى بعنوان “رغد صدام حسين… شيء من الذاكرة”، بثّتها قناة “العربية” قبل 9 سنوات وحازت 28 مليون مشاهدة. وإذا حاولتَ اليوم ان تضع في خانة البحث اسم “صدام حسين”، ستظهر لك على محرّك البحث الخاص بـ”يوتيوب” حلقات ابنته رغد مع “العربية”، وكأنها تستحوذ باستخدام اسم ابيها على المشهد بعد 15 عاماً على إعدام طاغية العراق، الذي فاق الحجاج بن يوسف الثقفي شهرة.

ما الذي يجعل صدام حسين “حيّاً” بعد كل هذه السنوات؟ 

نعم، صدام حسين كما يبدو من المقابلة مع ابنته رغد على قناة العربية لا يزال حياً. وحضوره ليس افتراضياً، كما يخيّل للبعض، بل هو فعلي في تأثيره في الملايين ممن لا يزالون يرفضون فكرة استبداله في وعيهم بأي زعيم آخر. صدام حسين حيّ لدرجة أن المقابلة مع ابنته تبدو كأنها جرعة تلقيح له ضد “فايروس” النسيان، ويبدو أان المقابلة تحاول إعادته إلى المشهد السياسي، بكامل هندامه السابق لاجتياح العراق من الجيش الأميركي. لا تفكّ المقابلة حبل الإعدام عن رقبته فحسب، ولا تنفض عنه غبار الذلّ بعدما انتشله جنود المارينز من الحفرة حيث كان يختبئ، بل تعيده (تبعثه حياً) أبعد ما يكون في الزمن، إلى مرحلة يحنّ إليها كثر من العراقيين ممّن أحبوه وممّن كرهوه، على السواء.

في روايته “الفتنة” (كنعان مكيّة- منشورات دار “الجمل”- طبعة جديدة 2017)، وفي حوار مع الطاغية، يقول صدام متوجهاً إلى إحدى شخصيات الرواية: “ديكتاتوريتي ستبقى على قيد الحياة بينكم كالهمسات، في آخر الليل، في غرفة معيشتك، عندما تناقش مع أقرانك عن الفضائح اليومية التي تدور حولكم. ستبقى هذه الحقيقة على قيد الحياة من بعدي لأنها تولد بالمجتمع. تولد طبيعياً من الغريزة البشرية للوحدة، وللأمان، وللنظام. أنا أعطيتكم كل هذه الأشياء، ولكنها تلاشت إلى حد الانعدام اليوم. لكن الرغبة في استعادتها لن تذهب، وفي تلك اللحظة التي ستشعر فيها بهذه الرغبة، اعلم ان روحي قد عادت، لتسير بينكم”.

هذا كلام الطاغية في الرواية التي كتبها مكيّة. لا يهمّ إن كان هذا كلامه حقاً أم أنه كلام وضعه مكية لغايات السرد القصصي. لكنه الكلام الذي يلخص اليوم عودة روح الطاغية لتسير بين العراقيين، وبين العرب. إنها اللحظة التي شعر فيها الجميع بحقيقة غياب الوحدة والأمان والنظام، حتى وإن أرساهما الطاغية بالقوة والرعب والمجازر. حينما نقلتُ لمكية أرقام المشاهدات التي لاحظتُها على حلقة “العربية” مع رغد صدام حسين، بدا مصدوماً. قال لي عبر الهاتف من أميركا، مقرّ إقامته الحالي: “إنه الحنين”. 

دعنا نسمّيها نوستالجيا إلى عراق ما قبل عام 2003. العراقي كان يشعر بأن لديه دولة. صحيح أنها دولة ظالمة وصحيح أن الطاغية كان يرتكب المجازر. لكن الناس تحتاج الإستقرار. تبحث عنه ولو كان في الحنين إلى الماضي”. وهو ما تُرجم بطريقة أو بأخرى في مطالب ثورة تشرين 2019 التي رفعت شعار “نريد وطناً”، أي أن الناس يبحثون عن وطن ضائع. وما “النوستالجيا” لزمن صدام حسين إلا حنين إلى بعض الوطن الذي كان موجوداً حينذاك، بالمقارنة مع الفوضى واللاوطن الموجودين اليوم. وهذا منطقي برأي مكية، الذي يذكّر بأن حنيناً لزمن الملكية رافق فترة الإنقلابات العسكرية التي شهدها العراق قبل زمن البعث. 

مكية يرى ان “الفشل الذريع للنخب السياسية العراقية منذ 2003″، هو الذي يجعل من صدام حسين الذي اعدم قبل خمسة عشر عاماً حاضراً بهذه القوة، كشخصية متأصّلة لدى العراقيين ولدى العرب والمسلمين. في هذا يتفّق  الكاتب السياسي حازم صاغية مع مكيّة. يقول إن “العراق بعد صدّام لم ينجح”، وأن ملايين الناس ممن لا يهتمون بالسياسة، يريدون بلاداً آمنة، تتمركز فيها السلطة، ولا تتحكم فيها الميليشيات. هذا أيضاً أمر أساسي ومهم جداً للناس، كما يقول مكية، فكثيرون لا يهتمون لمفاهيم الديموقراطية وحرية التعبير وتداول السلطة بقدر ما يهمّهم أن يعيشوا بأمان، وأنهم يختارون الاستقرار تحت ظلّ ديكتاتورية، على الفوضى في ظل ديموقراطية مفترضة. 

صاغية يرى أن حساسية إعدام صدّام حسين فَجْرَ عيد الأضحى عام 2006 جعلت منه “شهيداً جماعياً”، وهو أمر يخفف عن الرجل في الذاكرة الجماعية الوقائع التي تقول بإجرامه وطغيانه، ويزيد من أسطرته، ويغلّب الخيال على “الإيميج” الحاضرة في الذاكرة الجماعية عنه. يستعين صاغية بنصّ نشره في كتاب “الرجولة المتخيّلة” (إعداد مي غصوب وإيما سكليرويب- دار الساقي- 2002) ليؤكد الحضور الذكوري لصدّام في المخيال الشعبي العربي عموماً، والمخيال الشعبي السنّي خصوصاً. ففي نصّه المكتوب قبل الإطاحة بصدام حسين، والذي حمل عنوان “كذا أنا يا دنيا: صدّام ذكراً”، يقول صاغية إن صدّام حاول تكريس صورة أبوية في نظر العراقيين، “فهو ذلك الذي يشرف من أعلى فيمنح الآخرين شعوراً بالثبات والتوطّد في آن، كما يمنحهم الشعور بالأمان تالياً”، وهو، أي “الأب أو الزعيم أو الذكر الكامل”، لا يلبث أن يبدو “مطلقاً وبلا زمن”. 

وربما يبدو كلام صاغية هذا، المنشور عام 2002، تأكيداً لإطلاقية الأبوة الصدامية المستمرة في التمظهر بشكل واضح عام 2021 مع ابنته رغد، التي يرى فيها صاغية استكمالاً لرجولة أبيها، وهي في المقابلة تؤكد أنها الوحيدة من نساء العائلة، بعد موت أشقائها وبعد مقتل زوجها (الذي قتله صدّام)، التي تهتم بالشأن العام، فيما البقية يهتممن ببيوتهن وأزواجهن. 

صدام كان أول من تحدى النظام الدولي الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بحسب صاغية، عبر غزو الكويت، وهو تماماً ما قام به بعد عشر سنوات بن لادن حينما قصف “عاصمة المنتصرين”. زعيمان عربيان سنيّان تحديا منتصري الحرب الباردة، يقول صاغية، وهذا “امتداد لتقليد كارثي وخرابي” في منطقتنا بالوقوف ضد المنتصرين في الحربين العالمية الأولى والثانية. “رجولة صدّام” الصدامية مع الكبار، والمهجوسة بغرس أقدامها في وحول التاريخ، لها “كرسي في هذا الوعي”، يقول صاغية، ولم يستطع أحد أن يجلس عليها بعد إعدام صدّام. 

هل لسنيّة صدّام حسين، ولغياب شخصية سنية قيادية في المنطقة دور في احتلاله حيزاً كبيراً من المساحة السياسية في العالم العربي اليوم حتى بعد 15 عاماً على رحيله؟ 

حازم صاغية يضع المسألة الطائفية في مقدمة الأسباب التي تسمح للحنين إلى زمن صدام حسين بالتمدّد، والتناقض السنيّ الشيعي القائم، يعزّز هذا الأمر، خصوصاً مع استيلاء الشيعة على السلطة فعلياً في العراق، ليحيلوا السلطة لدى السنّة إلى الخيال والأسطرة التي تجد ضالّتها في صدّام حسين حتى وهو تحت التراب. لكن كنعان مكية لا يوافق تماماً على ذلك، وبرأيه فإن الحنين إلى زمن صدّام حسين عابر للطوائف في العراق، “ولديّ اصدقاء شيعة ممن يكرهون صدام يحنّون إلى زمنه”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني