fbpx

ماذا لو لم يكن رياض سلامة حاكماً؟

لعلّ رياض سلامة في الحقيقة "لحّيم" مصرفي باب أوّل يمتلك شبكة عنكبوتية من الشركات المتداخلة والمتشابكة والمصمَّمة كمتاهة بين الابن والأخ والمساعِدة التي رمت سلّة البيض ونسيت سيرتها...

في الثمانينات من القرن الماضي روّجت دعاية تلفزيونية أميركية طريفة لشركة توظيف أموال حملت اسم، “إي أف هاتن”، بجملة واحدة تم اقتباسها في الكثير من الأفلام والبرامج وغيرها. صوّرت الدعاية، في أشكالها المختلفة، جمعاً من الناس في مناسبةٍ صاخبة، يضم أحد العاملين في الشركة، وعندما يسأله شخص آخر عن سوق الأسهم مثلاً تتوقّف الموسيقى ويهدأ الصخب والضجيج وتشرئبّ الأعناق مصغيةً بتركيزٍ شديد نحو ممثّل الشركة، ليصدح صوت المذيع بالعبارة المفتاحية: “عندما تتحدّث إي أف هاتن، يُصغي الجميع”. 

وفي الحقبة ذاتها أيضاً، أُهدر الكثير من الحبر والكلام على عبقرية وزير الخزانة الدائم آنذاك، آلان غرينسبان، صاحب التصريحات حمّالة الأوجه والمُغرقة في التعقيد والغموض الشديد. ولعل الغموض حينها كان مقصوداً لتهدئة الأسواق بشكلٍ دائم ولجعل كلام غرينسبان قابلاً للتفسير على ذوق المتلقّي، أي أن تلك التصريحات كانت من وحي برنامج الإذاعة اللبنانية الشهير في الستّينات، “ما يطلبه المستمعون”، برداءٍ اقتصادي/ تقني حداثي.

لو كان رياض سلامة فرّاناً، مثلاً، يكسب رزقه من بيع المناقيش، ولنقل أن اسم المحل هو “الفرن المركزي”. فكيف سيتصرّف مع الزّبائن؟

تذكّرت هذا الكلام حين انتبهت فجأةً إلى أنني لا أذكر شيئاً من تصريحات السيّد رياض سلامة، الحاكم المُزمن للمصرف المركزيّ والمتخفّي والمحتجب والمقلّ بشكلٍ لافت في إطلالاته الإعلامية. وأدركت أنني لا أعرف عنه شيئاً، من فمه وبلسانه، باستثناء بعض المقالات المدروسة بعناية، أو التصريحات المدوزنة من نوع “أنا ثريّ جدّاً قبل تنكُّب مسؤوليّة مصرفكم المركزي”، بعبارة أخرى، “أنا عايز ومستغني” في الوقت ذاته، وهذا الرّاتب بلّوه واشربوا ماءه لأنه لا يُغني ولا يُسمن من جوع ثريٍ مثلي لا يحتاجه أصلاً. 

خطر لي أيضاً أن صنع دعاية تلفزيونية راهنة تستوحي الدعاية الأميركية يتطلّب الأمانة في صوغ شعارها ليُصبح: “عندما يتكلّم رياض سلامة، يتثاءب الجميع”. وعلى غرار غرينسبان، لعل الملل مقصودٌ ومتعمّد كي يفقد المستمع التركيز على المسائل الاقتصادية ويتركها “للخبراء” الحاذقين في إغراقها بسيول التّعمية والحجب والإخفاء والتّمويه. 

حاولتُ مُطوّلاً رسم صورةٍ ذهنيّة عن حاكم مصرف لبنان الأبديّ ولم يحالفني الحظّ. فكان لا بدّ من تخيّله في مهنٍ أخرى، لكي نعرف عنه أكثر، إذا استطعنا إلى ذلك سبيلاً. 

لو كان رياض سلامة فرّاناً، مثلاً، يكسب رزقه من بيع المناقيش، ولنقل أن اسم المحل هو “الفرن المركزي”. فكيف سيتصرّف مع الزّبائن؟ هاكم مثالاً يومياً بين مواطن عادي ورياض صاحب الفرن. 

المواطن: مرحبا عمّ، بدّي منقوشة بزعتر. 

رياض س: هل أنت جائع جدّاً، أم جائع نوعاً ما، أم غير مستعجل ولا تُمانع في تناول المنقوشة لاحقاً؟ 

المواطن (باستغراب):  خيّي لشو كتر الأسئلة؟ عندك منقوشة ولا ما عندك؟ 

رياض س (بتؤدة): أسألك ذلك لمصلحتك. لدينا منقوشة باستحقاق مؤجَّل، أبرد قليلاً، بسعرٍ متهاود، ولدينا منقوشة جاهزة وساخنة، بسعرٍ أغلى قليلاً، ولدينا استثمار مضمون في مناقيش لأيتام وأحزاب وهيئات مدنية ومصرفية تنطوي على فعل الخير، ذات هامش ربح معقول ومقبول، ينالك منها كمردود معنوي طرطوشة حسنة في الآخرة وسمعة جيّدة في الحياة الدنيا، فأيّ منها تريد؟ 

المواطن (بغضب): هيدا فرن ولا إذاعة؟ بدّي منقوشة، ما بدّي محاضرة واستثمار وبطّيخ!

رياض س (باستيعاب): واضح أنك مستعجل. سأعطيك منقوشة جاهزة فوراً باستحقاقٍ داهم. ولكن، ألا تريد الحصول على منقوشتين بسعر منقوشة واحدة؟ 

المواطن (يتنهّد بعمق): هات منقوشتين وخلّصني! 

رياض س: خيار سليم. إحدى المنقوشتين ستكون باستحقاق مؤجّل، والثانية باستحقاق فوري، هل ألفّ الثانية لك أم ترغب بها في كيس ورق؟ 

إقرأوا أيضاً:

المواطن (بعصبيّة): دخيل حريمك لفّها وخلّصني منّك بقا! العمى شو بتنقّ! يلعن أبو السّاعة اللي جيت فيها على هالفرن… (كلام لا يصلح للنّشر).

رياض س: حاضر. خمسة آلاف ليرة من فضلك. 

المواطن (بتجّهم وضيق نفس): شو؟ مجنون أنت ولا شو؟ عشو بدك خمسة آلاف ليرة؟ 

رياض س (بهدوء): أنت وافقت على شراء منقوشتين واحدة مؤجلة بسعر ثلاثة آلاف ليرة مع ألف ليرة رسوم وضرائب والثانية فورية بسعر ألف ليرة فقط ولكن شراءها مرهون بشراء المنقوشة الأولى والعمليتين متزامنتين ولا يُمكن فصلهما طالما أبديت الموافقة الأولية. 

المواطن (تنفجر شرايينه): منين طلعتلّي اليوم؟ رح تجنني! ما بدي لا منقوشة ولا صرماية عتيقة، يلعن أم الساعة…

رياض س (بتأنٍّ): ولكن أنا صنعت لك منقوشتين بحسب طلبك وإلغاء الطلب يُلزمك بدفع 75 في المئة من السعر المتفق عليه فيترتّب عليك في هذه الحالة دفع 3750 ليرة كجزاء ورسوم وضرائب من غير مناقيش. أو خمسة آلاف مقابل منقوشتين. الخيار لك. 

يقع المواطن العادي على الأرض على مدخل الفرن المركزي فاقداً الوعي بعد أن يرغي ويزبد. 

تساءلت أيضاً، ماذا لو كان رياض سلامة أستاذاً لمادة الحساب في مدرسة ابتدائية وتعيّن عليه شرح مسألة حسابيّة للأولاد من نوع، نزلت فلّاحتان إلى السوق وعلى رأس كلّ منهما سلّة بيض. تضمّ السلة الأولى 25 بيضة وتضم السلة الثانية 30 بيضة. إذا تكسّرت 10 بيضات من السلة الأولى و15 بيضة من الثانية، فكم يبلغ إجمالي البيض السليم مع الفلاحتين؟ 

الجواب من الأستاذ رياض: إذا كان اسم إحدى الفلاحتين ماريان فهي سترمي السلة بحمولتها في الشارع لأنها ستحظى بوظيفة مساعدة خاصة لحاكم بنك متمركز وكبير جداً براتب شهري يقارب الـ16 ألف دولار. أما الفلاحة الثانية ولنقل أن اسمها حوراء، فستندب حظّها وتنضم إلى تظاهرة مطلبيّة وتفقد عيناً واحدة برصاصة مطّاطيّة آمنة من ذخائر فهمي “العونجي” جداً وتصير عوراء، فيُصبح اسمها حوراء العوراء. 

يقع المواطن العادي على الأرض على مدخل الفرن المركزي فاقداً الوعي بعد أن يرغي ويزبد. 

ثم فكّرت أيضاً، ماذا لو كان رياض سلامة أستاذاً في قواعد اللغة العربية لصفٍ ثانوي وعليه أن يشرح سؤال إعراب من نوع، ضرب زيد عمرو ليأخذ منه تفاحة. أعرب زيد وعمرو وتفاحة. 

الجواب من الأستاذ رياض: لا يحتاج زيد إلى أن يضرب أحداً. كل ما عليه فعله هو أن يلتحق بخدمة شخص ثري بشكل خرافي فيسلّمه البنك المركزي لبلدٍ ينام ويصحو على استهلاك الخرافات، فيشفط “سنسفيل” صناعة التفاح برمّتها ويهندس صفقات مع بنك عنزة وتيتروس والبحر المتسلّط تعادل محصول التفاح والموز والليمون في بلدان عدّة أضعافاً مضاعفة، فيفوز زيد بالجائزة الكبرى ويرزح عمرو وجميع أقاربه ومواطنيه تحت نير دينٍ فلكيّ يستعبد أجيالاً متعاقبة، فيما يشتري زيد الشقق والعقارات في لندن وسواها لابنه وأخيه وماري آن، في آنٍ معاً، من دون ضربة كفٍ واحدة ومن دون أن يقول له أحد “بَه!”. 

ماذا لو كان رياض سلامة “لحّيم” كهرباء متواضع في مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020 وتسبّب بإهماله في “شرقطة” العنبر الأمونيومي رقم 12؟ وهل أن ضرر “اللّحيم” الغافل على حياة البشر والعاصمة أكبر وأفدح من ضرر الحاكم الساهر والمؤتمن والمخترع لهندسات مالية أمونيومية أودت بأموال المودعين وعرق جبينهم؟

لعلّ رياض سلامة في الحقيقة “لحّيم” مصرفي باب أوّل يمتلك شبكة عنكبوتية من الشركات المتداخلة والمتشابكة والمصمَّمة كمتاهة بين الابن والأخ والمساعِدة التي رمت سلّة البيض ونسيت سيرتها. وهي شركات تضرب الناس في ودائعهم ومدّخراتهم لتحرقها وتُخفيها عن الأنظار في ظلامٍ دامس ثمّ تُعيد إخراجها كأرانب من قبّعة الساحر الماليّ بهندسةٍ سندباديّة على بساط الريح وباستحقاقٍ فوريّ غير مؤجّل في خزائن سويسرا وليختنشتاين. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
الانتصار لضحايا التفجير يتطلب مقاربات مغايرة غير شعبوية. مقاربة تحترم حرمة المقتول وتتيح لأهالي الضحايا مساحة للشفاء تمر أولاً عبر مشاركتهم في قرارات تعنيهم وتمس بضحاياهم ولا تكتمل من دون إحقاق العدالة.
زيد الغانم – صحافي وكاتب عراقي
فرح شقير – مدونة لبنانية متخصصة في الاقتصاد
Play Video
‎في قطاع تحتدم فيه المنافسة، تحاول صحافة البيانات والتسويق أن تكون لها الأسبقية على الصحافة التقليدية، كيف بإمكان الصحافي أن يواكب الركب؟

56:10

Play Video
بعد عام على انفجار مرفأ بيروت، أهالي المدينة لا يزالون يترنحون تحت وطأته. المخرجة كارول منصور تقارب الذكرى وحكايات الناجين في هذا الفيلم القصير.

4:57

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني