fbpx

لبنان: أمي وأبي ينتظران اللقاح الذي تلقاه الرئيس والنواب

والداي لم يحصلا بعد على اللقاح، والأمر مقلق. لقد خسرا أصدقاء كثراً بسبب المرض اللعين، وأنا أعرف تماماً أن الأمر يؤلمهما ويرعبهما. لكن الرئيس ونواباً قرروا أن الاولوية لهم.

كل يوم أتفقّد صندوق الرسائل القصيرة مرتين أو أكثر، لا لأنّ إنذار الرسائل قد رنّ لتوّه، بل لمزيد من التأكد مما إذا كانت رسالة موعد التلقيح قد وصلت وأنا لم أنتبه. هما ثلاث رسائل أنتظرهما منذ أسابيع، الأولى تخص والدي، الثانية تخصّ أمي، والأخيرة والأقل أهمية بالنسبة إلي، تخصني.

كل يوم أيضاً أحاول الاتصال بالمراكز الصحية والمستشفيات لأسأل إن كان يمكن أن أسجّل اسم أبي في المواعيد الأولى لتلقي تلقيح “فايزر”، فأبي تجاوز الخامسة والسبعين ويعاني من أمراض مزمنة.

كل يوم يحضر أبي كيس الأدوية الكبير، يمازحني قائلاً: “بدّك حبّة؟ أيا وحدة بدّك؟”. وكل يوم نضحك من جديد من النكتة ذاتها، قبل أن يباغتني سؤاله: “شو قديش في كورونا اليوم؟”. يقولها وقد تغيّرت ملامح وجهه، كأنه في الحقيقة يريد أن يسأل: “هل سيأتي دورنا؟”.

وفيما كنت أتفحّص صندوق الرسائل اللعين، وصلني خبر عاجل، بالغ الأهمية مفاده أن عدداً من نوابنا الكرام قد تلقّوا اللقاح. حتى أن النائب المستقيل سامي الجميل أوضح أنه تلقى اتصالاً من مجلس النواب ليتلقى اللقاح وهو لم يتجاوز الأربعين. لاحقاً عرفنا أن رئيس الجمهورية وبعضاً من محيطه تلقوا اللقاح أيضاً.

 إنه قانون فائق البساطة، لكنه ممنوع من التطبيق في بلادنا لأنّ هناك من يأخذ دور الجميع، من دون احترام لأي معايير. من هرّب أموال المودعين ومن سطا على أجهزة الدولة ومواردها، ومن صرف لسنوات من دون موازنة، لن يأبه لفضيحة “صغيرة” بحجم تلقي لقاح.

ربما كدنا نحلم أن أمراً بأهمية مسألة اللقاح قد يحدث في هذه البلاد من دون نصب ومغالاة وكذب ودجل، لوهلة اعتقدنا أن سيئي الذكر هؤلاء الذين يحكمون بأمورنا لن يستخدموا أساليبهم المواربة وفسادهم هذه المرة فقط، لأن القضية صحية إنسانية بحتة، ولا يمكن أن يصدّق عاقل أن إنساناً يملك قلباً وروحاً وعائلة وأشخاص يحبّهم، سيمارس شهوة الانقضاض على حق الناس في الصحة.

والداي لم يحصلا بعد على اللقاح، والأمر مقلق. لقد خسرا أصدقاء كثراً بسبب المرض اللعين، وأنا أعرف تماماً أن الأمر يؤلمهما ويرعبهما. في حيّنا فقط مات ثلاثة رجال بسبب “كورونا”. حين أتى اللقاح اعتقدنا أن الفرج وصل، لكن لم يخطر في بالنا أن التجارة بنا تمتدّ حتماً إلى مسألة صحية هزّت العالم بأسره، لا نحن وحدنا.

رئيس الجمهورية وحوالى 17 نائباً إضافة إلى 23 موظفاً في مجلس النواب ممن هم فوق الـ75 سنة، ويعانون من أمراض مزمنة أخذوا اللقاح، فهم يملكون الأولوية حتى إذا لم يسجلوا أسماءهم في المنصّة الخرقاء، وليس عليهم بطبيعة الحال أن ينتظروا مثلنا إنذاراً من صندوق الرسائل. لكنّ سامي جميّل تلقى اتصالاً أيضاً، ما يعني أن اللقاح يشمل جميع النواب، وحتى أولئك السابقين، قبل أهالينا المنهكين.

قبل ذلك بأيام كنا قرأنا خبراً عن وقف التعامل مع أحد المستشفيات في موضوع “كورونا” لأنّه لم يلتزم بمنح اللقاح للكوادر الطبية. كان حرصاً مفاجئاً على صحتنا، كدنا نبتسم إلى أن أتانا خبر تلقيح النواب، ليعيدنا إلى الواقع، نحن في دولة النصب والاحتيال والفشل وهذا أفضل ما يمكن أن تقدّمه دولة كهذه يحكمها قتلة وسارقون.

المدير الإقليمي للبنك الدولي في الشرق الأوسط ساروج كومار، تدخل في الجدال، مغرداً “هذا الأمر لا يتماشى مع الخطة الوطنية المتفق عليها مع البنك الدولي وسوف نسجل انتهاكاً للشروط والأحكام المتفق عليها للتطعيم العادل والمنصف. على الجميع التسجيل وانتظار دورهم!”.

كما أضاف “عند تأكيد الانتهاك، يجوز للبنك الدولي تعليق تمويل اللقاحات ودعم الاستجابة لفايروس كورونا في كلّ أنحاء لبنان، وأناشد الجميع، وأعني الجميع، بغض النظر عن المنصب، التسجيل وانتظار دورهم.”

المدير الإقليمي يحدّثنا عن قانون مطبّق في كل دول العالم المتحضّر “انتظار الدور”، إنه قانون فائق البساطة، لكنه ممنوع من التطبيق في بلادنا لأنّ هناك من يأخذ دور الجميع، من دون احترام لأي معايير. من هرّب أموال المودعين ومن سطا على أجهزة الدولة ومواردها، ومن صرف لسنوات من دون موازنة، لن يأبه لفضيحة “صغيرة” بحجم تلقي لقاح.

رئيس لجنة لقاحات “كورونا” عبد الرحمن بزري كان لوّح باستقالته إثر الخبر، معتبراً الأمر تجاوزاً غير مقبول. لكنه عدل عن الأمر.

أما الآن فسيخرج من يخبرنا عن إجراء تحقيق ما في الأمر، لمعرفة من المسؤول، وكلمة “تحقيق” هذه، كما عبارة “انتظروا دوركم”، تصنّف ضمن لائحة “تي تي تي تي متل ما رحتي متل ما جيتي”. والسلام.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني