fbpx

لجنة الإعلام والاتصالات برئاسة “حزب الله” تكره اختراع الـ”ريموت كونترول”!

يسخّر الحزب جميع إمكاناته ومؤسسات الدولة، بما فيها "المجلس الوطني للإعلام" ومجلس النواب ووزارة الإعلام والقضاء، لمحاولة تطويع وسائل الإعلام لتسير على "الصراط المستقيم"، كما يريده لها الحزب.

عام 1955 اخترع مهندس الإلكترونيات الأميركي يوجين بولي أول جهاز تحكّم من بعد (ريموت كونترول) خاص بأجهزة التلفزيون، يعمل باستخدام شعاع ضوئي ويتحكم بخلايا ضوئية في كل ركن من أركان التلفزيون، ليتمكن مستخدمه من تشغيل التلفزيون أو إغلاقه أو تغيير القنوات.

عام 2021، في مجلس النواب اللبناني، وبعد انعقاد جلسة لـ”لجنة الاعلام والاتصالات النيابية” مع مسؤولي المحطات التلفزيونية اللبنانية، صرّح رئيس اللجنة النائب حسين الحاج حسن تعليقاً على حجب قناتي “الجديد” وmtv في مناطق نفوذ “حزب الله”، بأن “هناك جمهوراً يتفاعل مع هذه الأمور، ونحن نتفادى أن يكون هناك ردود فعل من الجمهور على حلقات أو مضمون معين، ووسائل الإعلام يجب أن تتوقع ردود أفعال الناس نتيجة مواقف لديها، ونحن مع أن يكون الفضاء مفتوحاً للكل، وأن تصل كل المحطات الى كل الناس من دون استثناء، ولكن على كل المحطات أيضاً، بدءاً من “المنار” وجر، أن تدرك أن للناس كذلك مواقف مما تعرضه”. 

بعد 67 عاماً على اختراع الـ”ريموت كونترول”، يخرج رئيس لجنة نيابية مخصصة للإعلام والاتصالات، ليقول كلاماً متأخراً زمنياً وفكرياً وتكنولوجياً عن الاختراع الذي يسمح للمشاهدين بالتحكّم من بعد بخياراتهم التلفزيونية. ففي مناطق نفوذ الحزب في الضاحية الجنوبية، حينما لا يُعجب بعض الجمهور بمضمون ما تقدمه بعض القنوات، يعمد موزّعو الكايبل (خدمة الدش)، بعد التحكّم بهم من بعد بريموت كونترول سياسي، إلى قطع بث قنوات لا تتفق مع المزاج السياسي للحزب، في سلب كامل لحرية الناس في الاختيار وفي استخدام اختراع “الريموت كونترول”، عبر التحكّم (من قرب) بخيارات الناس، وفرض ما يجب أن يشاهدوه، وما لا يجب أن يشاهدوه، كما لو كان العامة قاصرين لا يستطيعون التمييز والاختيار والمقاطعة بكامل إرادتهم.

مؤسسة “مهارات” المعنية بقضايا حرية الإعلام في لبنان رأت في توقيت الاستدعاء والجهة الداعية ومضمون الكلام الذي صدر عن رئيس اللجنة حسين الحاج حسن “مؤشرات مقلقة”، مفنّدة ست إشكاليات أساسية في الجلسة، منها “لا قانونيتها” وانتفاء صلاحية اللجنة في الاستماع إلى ممثلي وسائل الإعلام الذين “يخضعون فقط للقوانين اللبنانية المعمول بها لرقابة محدودة من المجلس الوطني للإعلام المرتبط بوزارة الإعلام والحكومة”.

“لا تستطيع لجنة برلمانية مؤلفة من سياسيين وحزبيين أن تقرر مساءلة وسائل الإعلام حول كيفية التأثير في الرأي العام”، تقول “مهارات” في بيانها، كما لفتت المؤسسة إلى وقوع رئيس اللجنة بمغالطات أساسية في التمييز بين حرية التعبير عن الرأي عبر وسائل الإعلام التقليدية وحرية التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما القاعدة الواضحة أن “حرية الرأي لا تتجزأ”، فضلاً عن تدخله في صلب العمل الإعلامي ودعوته إلى الالتزام بميثاق شرف إعلامي، حدد  فيه جملة قيود وعبارات مطاطة، وصولاً إلى “الأخطر” بحسب “مهارات”، وهو تبرير الحاج حسن “ردود الفعل في الشارع عندما اعتبر أن هناك جمهوراً يتفاعل مع المضمون الإعلامي وهذا ما نحاول أن نتفاداه تجاه كل من يخالف الضوابط”. 

إقرأوا أيضاً:

محامي “مهارات” طوني مخايل يؤكد أن الخطير في كلام الحاج حسن أنه يبرر ردود الفعل التي يمكن أن تتجاوز قطع البث أو الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الإيذاء الجسدي للصحافيين. كما أن لمخايل ملاحظات أساسية، في الشكل والمضمون، على عمل اللجنة ودورها، خصوصاً انها تتجاوز صلاحياتها لتسمح لنفسها باستدعاء ممثلي وسائل الإعلام ومساءلتهم وإملاء ضوابط ومعايير عليهم. 

اللجنة النيابية هذه، المختصة بأمور الإعلام والاتصالات، التي يرأسها نائب من “حزب الله” منذ عام 2005 وحتى اليوم، من دون مداورة أو تغيير (النائب حسن فضل الله من عام 2005 حتى عام 2018 ليخلفه في “المنصب” زميله في الكتلة حسين الحاج حسن)، لم تعقد في الفترة الأخيرة اجتماعات مماثلة إلا لمناقشة قضايا تتعلق بانزعاج “حزب الله” من بعض وسائل الإعلام، التي لا تتفق مع مزاجه السياسي، وعلى حد تأكيد الحاج حسن نفسه، فإن اللجنة تجتمع للمرة الثالثة منذ أشهر بسبب مجموعة من التراكمات “بدأت مع التظاهرات، وإثارة النعرات الطائفية”. 

كيف يوازي “حزب الله” بين التهديدات التي يتلقاها إعلاميون وأفراد وبين اتهامات تطاول حزباً نافذاً وقوياً مثله. 

اللجنة بحسبه تحركت للجم التغطيات المباشرة للقنوات التلفزيونية التي كانت تسمح للمتظاهرين بالتصريح على هوائها، وليخرج بعض المتظاهرين بانتقادات لاذعة لـ”حزب الله” من ضمن الطبقة السياسية مجتمعة، وليقوم البعض بشتم الطبقة السياسية ومن ضمنها أمين عام الحزب حسن نصرالله من ضمن لازمة “كلن يعني كلن” التي اعتمدها الثوار شعاراً، وصولاً إلى تعليق المشانق في ساحة الشهداء لرموز الطبقة السياسية وبينهم نصرالله، وهو أمر لافت بحسب مخايل، الذي يرى أن إشارة الحاج حسن إلى مسألة تظاهرات تشرين تبرز هدف “حزب الله” بتصفية حساب قديم مع وسائل الإعلام عبر مناسبة حديثة هي حلقة الزميلة ديما صادق، التي اتهمت فيها “حزب الله” بالمسؤولية عن اغتيال الكاتب والناشر لقمان سليم وكانت هذه الحلقة السبب الرئيس لانعقاد اللجنة. 

ما حدث في تظاهرات تشرين من فتح هواء وتعبير الناس عن غضبهم من دون ضوابط، كان في قاموس الحزب، تجاوزاً لا يستهان به للخطوط الحمر التي حاول جاهداً الحفاظ عليها حتى مع بهوت حدّة اللون الأحمر عبر السنين، عبر منع “التعرض” لنصرالله، مذ حاول حليف الحزب شربل خليل تقليد شخصية السيد نصرالله في برنامجه التلفزيوني الساخر “بس مات وطن”، لتشهد مناطق الحزب قطعاً للطرق وحرقاً للإطارات اعتراضاً. كان ذلك عام 2006، وحينها أُوقف البرنامج بضغط من “حزب الله” وجمهوره على القناة بعد وقف بثها في الضاحية، واضطر خليل إلى الاعتذار وكذلك الـ”أل بي سي”.  

“لجنة إعلام لتسيير شؤون حزب الله”

يبدو أن الحزب يستنفر، مع جمهوره، ومختلف “جنوده” في الجيوش الإلكترونية ومافيا الكابلات، وفي الإعلام والصحف وفي المجلس الوطني للإعلام وكذلك في المجلس النيابي، لحصر أضرار أي تجاوز للخطوط الحمر التي رسمها الحزب حول أمينه العام وحول مواضيع يعتبرها “مقدسة” لا تقبل الشبهة أو الاتهام، ولا السخرية أو الاستهزاء. 

يرسم الحزب عبر ماكينة كاملة خطوطاً حمراً يحاول دائماً تكريسها وتحديدها بالخطّ العريض، عبر هالة المقدّس، وعبر إسناد تقييد حرية التعبير إلى “حرية التعبير” كما يعرّفها الحزب في قاموسه، فيساوي عبر ماكيناته الإعلامية والسياسية بين حق قناة في بث ما تريد، وحقه في الإيحاء لمافيا الكابلات بقطع هذه القنوات عقاباً لها على موقفها السياسي، وعلى تجرّؤها على تناول الحزب وأمينه العام. 

ومع أن الحزب يلجأ إلى القضاء، كما حدث أخيراً مع حلقة ديما صادق على mtv، إلا أنه أيضاً يلجأ إلى قطع بث القناة في مناطقه، كورقة ضغط إضافية لدفع إدارتها إلى الانتباه جيداً إلى الخطوط الحمر المرسومة. وإذا كانت محطات بحسب الحزب تتجاوز القانون عبر ما تبثه، فإن هذا التجاوز، في حالة “أم تي في” وديما صادق يعرّضها للملاحقة القانونية، في حال الادعاء، وهو ما فعله “حزب الله”، عبر الادعاء على صادق وإدارة القناة، وعبر ادعائه على شخصيات أخرى اتهمته بالتورط في تفجير مرفأ بيروت، والقضاء معني بالبتّ بهذه القضايا والحكم فيها بحسب الأصول. 

لكن الحزب لا يكتفي بذلك، بل يذهب أبعد من قطع بث القناة وملاحقتها قانونياً، عبر اللجوء إلى جيوشه الإلكترونية للرد بلغة السباب والشتائم والتخوين والتهديد والافتراء، على لغة يصفها الحزب بأنها تنطوي على سباب وشتائم وتخوين واتهامات وافتراء. وهذا ما اعترف به نصرالله ضمنياً، حينما قال في خطابه الأخير إن “الشتائم والإهانات تعبّر عن المضمون الأخلاقي والنفسي لأصحابها وكل إناء ينضح بما فيه، كما تعبّر عن ضعف وعجز وأقول للجوقة إن هذا لا يؤثر فينا”، داعياً جمهور المقاومة إلى “عدم المقابلة بالمثل”.

وثق نشطاء وصحافيون بتقنية الـ”سكرين شوت” عشرات التهديدات المنطوية على تحريض وشتائم وإهانات يتعرضون لها من أشخاص من “جمهور المقاومة” الذي تحدث عنه نصرالله، ومحسوبين على “حزب الله” وجيشه الالكتروني وماكينته الإعلامية، وهي انتهاكات يرصدها مركز “سكايز” للحريات الإعلامية التابع لمؤسسة سمير قصير، كما يقول مديرها التنفيذي أيمن مهنا، الذي يستغرب كيف يوازي “حزب الله” بين التهديدات التي يتلقاها إعلاميون وأفراد وبين اتهامات تطاول حزباً نافذاً وقوياً مثله. 

بعد كل ذلك، يستخدم الحزب لجنة الإعلام والاتصالات، لاستدعاء المسؤولين عن القنوات التلفزيونية اللبنانية إلى جلسة وصفتها نائبة رئيس مجلس إدارة قناة “الجديد” كرمى خياط بـ”محاولة محاكمة” لوسائل الإعلام”، وهاجمت بعد الجلسة أداء اللجنة التي سمتها “لجنة إعلام لتسيير شؤون حزب الله”، في إشارة إلى تخصيص اجتماعات اللجنة مع وسائل الإعلام لمناقشة قضايا تزعج “حزب الله”، من دون تخصيص أي جلسة لنقاش الاعتداءات التي تتعرض لها المحطات التلفزيونية، والانتهاكات التي تطاول صحافيين وحرية الإعلام، فضلاً عن قطع بث محطات تلفزيونية في مناطق نفوذ “حزب الله”. 

لا مانع لدى مهنا في اجتماع اللجنة لمناقشة أداء وسائل الإعلام، لأن المجلس النيابي له دور رقابي إلى جانب دوره التشريعي، شرط أن تحاكي الجلسة الواقع بكامله، عبر نقاش جميع المشكلات والتحديات التي يعاني منها القطاع، ومن ضمنها الاعتداءات التي تطاول وسائل الإعلام والصحافيين، وألا تخضع حصراً للأجندة السياسية التي يحددها “حزب الله”. 

في شأن قطع بث قناتي “الجديد” و”أم تي في” في مناطق نفوذ “حزب الله”، يدعو مهنا إلى العودة إلى موقف “لجنة الإعلام والاتصالات النيابية”، عندما قطع بث قناة “المنار” عن “عربسات” (عام 2015). حينذاك، صرّح رئيس اللجنة نائب “حزب الله” حسن فضل الله بأن “إيقاف بث “المنار” على عربسات هو قرار سياسي يستهدف حرية الإعلام في لبنان، ويشكل انتهاكاً للسيادة اللبنانية واعتداءً على ميزته وفرادته كبلد للتنوع”. وهذا يظهر، بالمقارنة مع تصريح زميله حسين الحاج حسن، ازدواجية الحزب في التعاطي مع “حرية الإعلام” ومع “ميزة لبنان وفرادته كبلد للتنوع”. 

يسخّر الحزب جميع إمكاناته ومؤسسات الدولة، بما فيها “المجلس الوطني للإعلام” ومجلس النواب ووزارة الإعلام والقضاء، لمحاولة تطويع وسائل الإعلام لتسير على “الصراط المستقيم”، كما يريده لها الحزب. وهو لهذه الغاية تقدّم بمشاريع قوانين في “لجنة الإعلام والاتصالات النيابية لـ”تنظيم عمل” وسائل الإعلام التقليدية كما وسائل الاعلام الحديثة وطريقة بثها باستخدام شبكة الانترنت. وهو أمر يتفق أيمن مهنا من “سكايز” وطوني مخايل من “مهارات” على أن هدفه تقييد حرية وسائل الإعلام، فضلاً عن تقييد حرية التعبير عموماً، وهو يشكّل تخلفاً عن ركب التطور التكنولوجي وتراجعاً في دور الإعلام اللبناني في المساءلة والمحاسبة والنقد في بلاد تشهد أسوأ مراحلها على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ليضاف إلى كل ذلك تقييد حرية الناس في التعبير عن وجعهم ومنعهم حتى من الصراخ بعد تلقّي هذه الضربات الموجعة كلها.   

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد الهادي الحيدري – صحفي تونسي
في الفترة الأخيرة خرج الصراع بين العسكر والمدنيين للعلن وسط اتهامات متبادلة بالفساد والصراع على الكراسي، بينما كان الوضع في الشارع السوداني أشبه بنار تحت الرماد مع غليان شعبي بسبب تدهور الوضع المعيشي وشح في السيولة والوقود والخبز.
Play Video

3:47

Play Video

7:06

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني