fbpx

عن أولئك الذين يجعلون العالم أقلّ قسوة

يمثّل هذا الرعب المتربص بنا تقدماً في الانحلال الأخلاقي، ومثالاً لما أطلقت عليه حنة آرنت "تفاهة الشر".

“من المطمئن، إلى حد ما، الاعتقاد بأن هناك رجالاً ونساء آخرين يخاطرون بأنفسهم في مواجهة ضخامة العالم الطبيعي وعنفه، وليس ضد رفقائهم في الإنسانية، هم أناس يتحلون بالشجاعة دون قسوة أو وحشية تجاه الآخرين، وتحركهم فكرة تشرّف وتكرّم كل من يعتنقها”. – أميليا إيرهارت.

أكتب ذلك بعد أيام من أحد أعمال العنف المروعة في الواقع القمعي- والشبيه بعالم أورويل- الذي نجد أنفسنا نحيا فيه. ومع عودة ظهور ثقافة الإقصاء الدخيلة، أسأل، كيف يشعر بعض الأشخاص بهذا الشغف تجاه الحقيقة والحرية لدرجة المخاطرة بأرواحهم من أجل تحقيق العدالة؟

أكتب ذلك من دون أي نية للاستعانة بمجموعة المعتقدات التي نؤمن بها، لكنها تُنتهك في واقعنا أكثر مما تُحترم. أكتب ذلك بمثابة أنشودة لروّاد حقوق الإنسان، للمثقفين والمفكرين الذين نعرفهم جميعاً، الذين صادقهم بعضنا، أولئك الذين نتذكرهم بألم وحزن مع نهاية كل يوم نجد فيه أنفسنا لا نزال محاصرين في هذا الواقع البائس. حياة المبادئ التي اختارها الأشخاص الذين أكتب عنهم ليست محض “فكرة مجردة”، بل انعكاس لحياتهم؛ كيف تملّك منهم الفضول والشغف؟ وكيف ارتقوا للدفاع عن حقوق الإنسان والأخلاقيات السياسية وسيادة القانون في بلادهم؟ أكتب إلى أولئك الذين ألهمونا بالطريقة التي عاشوا بها حياتهم، وألهمونا أكثر بطريقة مفارقتهم لها، سأشير إليهم بـ”أولئك الأشخاص”. 

لا يمكننا أن ننقسم حول عواقب حرية التعبير، فالعاقبة الوحيدة المسموح بها هي النقد، مهما كان قاسياً.

أعتقد أن نقطة بداية ظهور “أولئك الأشخاص” ترجع إلى الانحلال الأخلاقي الذي عاشوا فيه، والذي ما زلنا نحياه. المثقفون والمفكرون الذين يعيشون دائماً تحت خطر التعرض للاضطهاد والمطاردة يفهمون جيداً أن الغرض من حياتهم يتجاوز الوجود المجرد، وإنما يكمن في التقدم الأخلاقي الذي يحاولون تأصليه في مجتمعاتهم. بالنسبة إليهم، المعرفة هي أساس العدالة الاجتماعية والحكم الرشيد. ونضالهم ضد الحرية السلبية، تلك الموسومة بالتعسف والإرهاب، هو دافعهم للحياة، وللحياة بشكل أفضل.

يخيف “أولئك الأشخاص” الأنظمة بمجرد وجودهم المُعجِز، وهم يجابهون التقاليد والأعراف برؤاهم الحالمة التي يحيون حياتهم لأجلها. يعيشون حياتهم في قوة، وتحدّ، في سعي للحقيقة، وفي مفاجآت لا تنتهي، والأهم من ذلك، في عشق متأصل داخل نفوسهم للتضحية. حلّت رغبتهم في التحرر محل مؤاثرة السلامة في الامتثال. يبصرون جمال التعدد والاختلاف في مجتمعاتنا، من دون أن يعمي التحيّز عيونهم. وبإصرارهم على الاستناد إلى وعيهم الذاتي وإتاحة كل الاختيارات الممكنة أمامهم، بدلاً من التعريفات المسبقة لهوياتهم، جعلوا من سياسات الهوية قضاياهم الشخصية. ولهذا السبب يتوقون دائماً إلى الحقيقة وإلى قبولهم بالهوية التي شكّلوها، لأنفسهم وبأنفسهم، من قبل السلطة القائمة. ولأنهم لا يقبلون بالحرية إن كانت حكراً عليهم دون غيرهم، فقد قطعوا أشواطاً أبعد من أجل حماية الحرية التي آمنوا بها.

في معظم الأوقات، عندما يكون هناك تعارض حاد بين الأخلاقيات السياسية (أو “غياب الأخلاق” في حالتنا هذه) وقيمنا الخاصة، نلجأ إلى ما أعتبره شكلاً من أشكال “الديموقراطية الشخصية” القائمة على قيم التعاطف والإحسان والنزاهة. إذ إنه من المفترض أن يكون الغرض الأساسي لأي هيكل سياسي جمعي هو التوسع والانفتاح والنمو؛ للفرد أولاً، والمجموعة ثانياً، والمجتمع ثالثاً. ولكن بدلاً من ذلك، نواجه هياكل تشجع على العيش في تنافر معرفي، تأسست على الكذب تجاه الذات، وغسيل الدماغ تجاه المجموعة، والعنف تجاه المجتمع وتجاه بعضنا بعضاً. وهو ما يقودنا إلى الفكرة الرئيسة التي أطرحها هنا: التصورات المتباينة للحقيقة لا ينبغي أن تلغي بعضها بعضاً. لا يجوز أن نتخذ موقفاً بشأن “تقييد حرية الرأي والتعبير، مخافة مواجهة الموت”، وأن ننقسم فريقين “مع” أو “ضد”. لا يمكننا أن ننقسم حول عواقب حرية التعبير، فالعاقبة الوحيدة المسموح بها هي النقد، مهما كان قاسياً. وهذا ما يجب أن يُفتن به الجميع. الحق الذي لا تعترف به مجموعة لا يفقد قوته، إنما عدم الاعتراف بالالتزام المُقرر لاحترام هذا الحق يجعل قيمته والعدم سواء. وهذا ما ينطبق على الحق في حرية الفكر؛ يظهر “الانحلال الأخلاقي” عندما يُنصّب جزء من المجتمع نفسه صاحب الحق المطلق في الحكم على فردٍ بالموت لمجرد أنه “يعيش حقيقته”.

بالنسبة إلي، يمثّل هذا الرعب المتربص بنا تقدماً في الانحلال الأخلاقي، ومثالاً لما أطلقت عليه حنة آرنت “تفاهة الشر”.

وبعد رحيل “أولئك الأشخاص”… هناك أمل

الأمل في هذا السياق لا يعني أن الأمور تسير أو ستسير على ما يرام أو غيره من معاني التفاؤل بالمستقبل المضمرة في تعريف الأمل، وإنما أرى الأمل في هذا السياق هو الرغبة والاستعداد للنضال من أجل قضية، حتى لو قُتلت في مهدها، حتى لو كان يغلب على مصيرها الفشل. إذ إن النضال من أجل ذلك الأمل يُثري حياة المرء، وحياة الآخرين. ويصبح الأمل تلك المجموعة من أعمال المقاومة والكرامة. قلوب الأفراد التي تجتمع على تلك القيم هي نبض الثقافة في أي مجتمع، وبالتالي، هي مصدر الأمل الوحيد لتلك المجتمعات. تقع على عاتقنا مسؤولية ألا نكون متفائلين خاملين، وألا نتكاسل على مستوى التفكير والعمل. مسؤوليتنا هي تحدّي الوضع الراهن، وإعلان العصيان الأخلاقي على أي مؤسسة سياسية لا تكترث للسلامة والحريات، وممارسة الحريات بأمان.

“أولئك الأشخاص”…. ساداتنا وأناسنا.

وبينما تساهم تلك الأحداث المروّعة في تشكل الوعي والضمير الثقافي، تقع على عاتقنا أيضاً مسؤولية جعل هذا الضمير مكرّماً، وألا ينجرف إلى سوء النية والوحشية. نحتاج في حياتنا إلى تجسيد روح المقاومة، وأن نملأها بإحساس صادق بالاستطاعة والرغبة في حياة عادلة. نعم، هناك شقاء مصاحب للمعرفة، وهناك تحديات عندما تكون مستنيراً، ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يؤدي ذلك الشقاء وتلك التحديات إلى التخلي عن المسؤولية تجاه الحرية وتحرير الآخرين.

أسأل نفسي الآن، كيف يمكنني الاستفادة من موت “أولئك الأشخاص”؟ ثم أدرك أنهم في الواقع خالدون، لأنهم في موتهم يتركون لنا أمثلة باقية لنتبعها. من شأن فكرة سيادة تلك الحياة وانتشارها أن يملك أهمية حاسمة كذلك. إذ أثبت “أولئك الأشخاص” تجاوزهم الزمان والمكان، وأنهم لم يكونوا أبناء مواطنهم، لأنهم كانوا مدفوعين برغبة لا تقاوم للمساهمة في الفهم وفي تعلّم المعتقدات الثورية وتطبيقها. لم تكن قوتهم في فضائلهم، بل في نتائج حيواتهم الفاضلة. كانت هوياتهم أسمى ممتلكاتهم. إننا مدعوون للحياة عبر موتهم، والذي لم يكن سوى ميثاق سامٍ وشهادة عن حياة مملوءة بالغاية والإحسان، حياة غايتها الوحيدة “الخير للجميع”.

“أولئك الأشخاص”…. ساداتنا وأناسنا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سنار حسن – صحافية عراقية
“حاول أحد الزبائن أن يتحرش بي وعندما رفضت وطردته كان صاحب العمل يلومني على خسارة الزبائن، حتى إنه بدأ بتخفيض المرتب إلى أن حاول التحرش بي بشكل مباشر وعندما رفضت، طردني”.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني