fbpx

ائتلاف “تحرير” القضاء اللبناني: هل ينجح في كسر الارتهان السياسي؟

تبقى استقلاليّة القضاء حلماً بعيد المنال حتى هذه اللحظة، ولكنّه الحلم الذي يستأهل أن يتكاتف الشعب اللبناني من أجل إتمامه حتى تتحقّق العدالة وتعوّض - ولو معنويّاً - على المظلومين والموجوعين وعائلات الضحايا.

أين الحقيقة وما هي نتائج التحقيقات، ولماذا يصمت القضاء؟

أسئلة كثيرة مشوبة بالألم يطرحها أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت بعد مرور أكثر من ستةِ أشهرٍ على الجريمة التي وقعت في الرابع من آب/ أغسطس الماضي، من دون أن يحاكم ولو مسؤول واحد على أكبر جريمة عرفها لبنان.

“لن نستكين قبل إحقاق العدالة”، واحد من شعارات يرفعها هؤلاء الذين يريدون الحقيقة ومحاسبة كل مسؤول عما حلّ ببيروت وأهلها. فبعدما وُعدوا بكشف ملابسات الجريمة خلال 5 أيّام، مرّ أكثر من 6 أشهر وقد تمرّ سنوات وعقود من دون أي نتيجة في ظلّ ضعف أداء القضاء اللبناني وعدم قدرته على تخطّي “الحصانات” ولائحة الخطوط الحمر السياسيّة- المذهبيّة التي دائماً ما تحول دون محاسبة المرتكبين.

يبقى المطلب الأساسي، استقلاليّة القضاء: كلمتان تختزلان الواقع والنقاش بعد كل قضية اغتيال أو ملف فساد في لبنان، حتى بات اللبناني يشعر بأنّه مطلب أفلاطوني لا يُطبّق الّا في عالم اليوتوبيا النموذجي الذي طرحه أفلاطون في كتابه الشهير “الجمهوريّة”. 

فمن جهة يطالب اللبنانيّون بالاستقلاليّة من أجل بناء وطن ديموقراطي عادل. ومن جهة أخرى، أصبحت “استقلاليّة القضاء” الشمّاعة والحجّة لتأجيل وتعليق كل القضايا، لا سيمّا الأساسيّة منها. وكثيرون ممّن يطالبون بها من مسؤولين وسياسيّين هم الجهات التي صادرت استقلاليّة القضاء وجرّدت القضاء بشكل عام من سلطته. 

من أجل محاسبة المسؤولين والمرتكبين، لا بدّ من سلطة قضائيّة محايدة ومستقلّة وغير مرتهنة للطبقة السياسيّة تستطيع تطبيق القانون وتحقيق العدالة ورفع الظلم ومحاسبة الظالم.  

وعلى مرّ السنوات، كثيرة هي المحاولات لتحقيق هذا الهدف المنشود ولكن تعاظم الاهتمام به بعد انتفاضة 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019 وعقب مجزرة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020. فمن أجل محاسبة المسؤولين والمرتكبين، لا بدّ من سلطة قضائيّة محايدة ومستقلّة وغير مرتهنة للطبقة السياسيّة تستطيع تطبيق القانون وتحقيق العدالة ورفع الظلم ومحاسبة الظالم.  

وآخر هذه المحاولات هي ائتلاف “استقلال القضاء” في لبنان الذي أعلنت عنه “المفكّرة القانونيّة” في شباط/ فبراير 2021 بقيادة مؤسسها ومديرها التنفيذي المحامي نزار صاغيّة وبمشاركة أكثر من 50 مجموعة وحزباً سياسي ومنظّمة حقوقيّة. وقدّم الائتلاف مسودّة اقتراح قانون لاستقلال القضاء الإداري. ولطالما ناضلت المفكّرة من أجل هذا الهدف من خلال “دعم التوجّهات الإصلاحيّة داخل القضاء، وفي مقدّمتها التوجّه نحو إنشاء تجمعات قضائيّة مهنيّة ديموقراطيّة. على نحو يؤدّي إلى تطوير التضامن بين القضاة وتعزيز ضماناتهم إزاء أي تدخّل أو استفراد أو تطييف”، وفقاً لمقال لصاغيّة عام 2015. فحتّى ضحايا الحرب اللبنانيّة البالغ عددهم 150 ألف قتيل و300 ألف جريح ومعوق و17 ألف مفقود، لم يأخذ القضاء حقّهم بل ذهبت قضاياهم طيّ النسيان نتيجة قانون العفو العام الذي صدر عام 1991 “لإنقاذ” المرتكبين من العقاب. 

عوائق استقلال القضاء

الكثير من العوائق والعقبات تقف في طريق استقلاليّة القضاء أبرزها التدخّلات السياسيّة والمناصفة المذهبيّة في تعيين القضاة.
توصّف دراسة بعنوان “استقلال النظام القضائي في لبنان وحياده” – الصادرة عن الشبكة الأورو – متوسطية لحقوق الإنسان” من إعداد المحاميَين كارلوس يوسف داود ومايا وهيب منصور في شباط 2010 – التدخّلات السياسيّة في السلطة القضائيّة، تقول “إنّ تعيين نصف عدد أعضاء المجلس الدستوري من قبل مجلس النواب والنصف الآخر من قبل مجلس الوزراء يسمح لهما باختيار قضاة مقرّبين منهم، مما يجعل التأثير في أعضاء المجلس الدستوري ممكناً ويفقده بالتالي استقلاله وحياده”.

ومن جهة أخرى، يتمّ توزيع المراكز القضائيّة على أساس مذهبي، فرئيس محكمة التمييز (وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى في آن) هو مسيحي ماروني، أمّا النائب العام لدى محكمة التمييز (وهو نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى أيضاً) ورئيس هيئة التفتيش القضائي هما سنّيان. في حين يكون رئيس مجلس شورى الدولة مارونياً. بينما الرؤساء الأوائل لمحاكم الاستئناف والمدّعون العامّون موزّعون على الطوائف المختلفة. وبالتالي تسعى كل جهة سياسيّة/ مذهبيّة إلى تعيين القضاة المقرّبين منها. 

أمّا مجلس القضاء الأعلى، فاثنان فقط من أعضائه العشرة يتمّ انتخابهما. وذلك لأنّ اتفاق الطائف عام 1989 وبعده تعديل قانون القضاء العدلي عام 2001 نصّا على انتخاب “عدد” من أعضاء المجلس من القضاة مباشرة من دون تحديد العدد، الأمر الذي استغلّته السلطة السياسيّة “إلى الحد من نطاق هذه الإصلاحات وحصرت عدد القضاة المنتخبين باثنين فقط”. 

أمّا بعض التحدّيات الأخرى لاستقلال القضاء فتكمن في الفساد القضائي من خلال قبول الرشاوى والعمل لمصلحة سلطة سياسيّة، إضافة إلى “عدم الكفاءة، وأحياناً عدم النزاهة” وفقاً لمقابلة نقيب المحامين السابق في بيروت جورج جريج مع المفكّرة القانونيّة عام 2015. ووفقاً لدراسة “استقلال القضاء” التي أعدّتها لجنة حقوق الإنسان النيابيّة بالتعاون مع برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، UNDP، في سياق الخطّة الوطنيّة لحقوق الإنسان الصادرة عام 2008، تبقى إحدى المشكلات أيضاً هي غياب الضمانات للقضاة من جهة “مداخلات السلطة التنفيذية، لا سيما في التشكيلات والمناقلات وبالتالي الترقيات”، وعدم إعطاء القضاة الحصانة اللازمة، إضافة إلى الاختناق القضائي الذي ينتج عن تراكم الملفّات وبطء المحاكمات وتعقيد الإجراءات.

ائتلاف “استقلال القضاء”

يأتي هذا الائتلاف عقب خضّات كبيرة تعرّض لها لبنان في الفترة الأخيرة من انفجار 4 آب المروّع، وصولاً إلى عمليّة اغتيال الكاتب السياسي لقمان سليم والاختفاء القسري للمتظاهرين في طرابلس وعرقلة أي محاولة لكشف الفاسدين من خلال قانون السريّة المصرفيّة الذي وصفه صاغيّة بـ”المقبرة التي يضيع فيها كمّ هائل من ملفّات الفساد”. هذا إضافة إلى “تحويل القضاء إلى دوائر نفوذ ومحدوديّة الآمال المعلّقة عليه”. ولذلك يهدف الائتلاف إلى استخدام أدوات ضغط من خلال بناء رأي عام حقيقي يطالب بشفافيّة القضاء واستقلاليّته.

وتلا صاغيّة بيان الائتلاف في المؤتمر الصحافي الذي عقده في 12 شباط 2021 تحت عنوان “قضاء مستقل من أجل لبنان” بحيث ركّز على ثلاث نقاط أساسيّة: 

1- “استقلال القضاء وتالياً تحريره من هيمنة السلطة الحاكمة شرط أساسي لبناء الدولة الديمقراطية العادلة والفاعلة” ومحاسبة المرتكبين ووضع خطوط حمر في وجه أي حاكم، مشدّداً على أهميّة قدرة المؤسّسات القضائية على حماية حياة المواطنين وحقوقهم وحريّاتهم “من دون منّة من أحد”. 

2- “استقلال القضاء ليس شعاراً وليس معطى يتحقّق بمجرّد إعلانه، إنّما هو إنجازٌ يُبنى بقوّة الإرادة ويترسّخ بإحاطته بضمانات واقعيّة وقانونيّة كافية”.

3- إنهاء الصيغة النهائية لمسودّة قانون استقلال القضاء الإداري: “الاقتراح الحالي الذي نتبنّاه اليوم يهدف إلى تحرير واستعادة القضاء الإداري أي المحاكم الناظرة في النزاعات بين الأفراد من جهة والدولة والبلديات والمؤسسات العامّة من جهة أخرى”، بحسب صاغيّة.

وأكّد صاغيّة أنّ استقلال القضاء هدف وطني يتيح إعادة تكوين السلطات وإرساء النظام الديموقراطي ومساءلة الحاكم بمنأى عن أي حصانة قانونيّة أو فعليّة. ورأى أنّ “الضمانة الأهم في الواقع الحالي تكوين قوة اجتماعيّة قادرة على حماية استقلال القضاء”.

وعلى رغم الإعلان الرسمي عن الائتلاف وأعضائه لكن يبقى باب العضويّة مفتوحاً.

وكانت المفكّرة القانونيّة قدّمت في آذار/ مارس 2018 مسودّة قانون استقلال القضاء العدلي التي لم تزل عالقة لدى لجنة الإدارة والعدل منذ أيلول/ سبتمبر 2018، وفقاً لصاغيّة، الذي أكّد أنّ الائتلاف سيتابع مع اللجنة بخصوص مسودّة القانون ويعمل على مواجهة المماطلة في دراسة وإقرار القوانين. 

هيكليّة القضاء اللبناني والخلفيّة القانونيّة


تنصّ المواثيق الدوليّة التي صادقها لبنان، أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى الدستور اللبناني لا سيمّا المادة 20 منه على استقلاليّة القضاء وأهميّة المحاكمات العادلة.

وبحسب مقال في موقع المحكمة في آذار 2020، يوجد في لبنان 604 محامين: 523 في القضاء العدلي، 53 في شورى الدولة، 28 في ديوان المحاسبة. 

على أمل أن تلاقي مسودّة القانون طريقها في أقرب وقت إلى مجلس النوّاب وأن يقرّها ويصدّقها دون “تشوّهات” واستثناءات تحول دون تحقيق جوهر استقلاليّة القضاء، وأن لا تنتهي المسودّة في أدراج المجلس أسوة بكثير من مسودّات القوانين الاصلاحيّة التي لاقت حتفها على أعتاب السلطة التشريعيّة.

وتبقى استقلاليّة القضاء حلماً بعيد المنال حتى هذه اللحظة، ولكنّه الحلم الذي يستأهل أن يتكاتف الشعب اللبناني من أجل إتمامه حتى تتحقّق العدالة وتعوّض – ولو معنويّاً – على المظلومين والموجوعين وعائلات الضحايا.  وكما قال بنجامين فرانكلين، أحد أهم مؤسسي الولايات المتحدة الأميركيّة، “العدالة لن تتحقّق إلّا عندما يسخط غير المتضرّرين بقدر سخط المتضرّرين”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
تامر موافي – صحافي وكاتب مصري
مواجهة العنف ضد النساء في مصر، بشكل جاد وعمليّ، أمر بالغ الصعوبة، وهو أيضاً محفوف بالمخاطر. وما يجعل هذه المواجهة معقدة في الواقع، هو حجم هذا العنف واتساع نطاقه واستمرار التعامل معه بسرية وخفاء.
Play Video
كيف يمكن مكافحة التمييز الجندري داخل المؤسسات الإعلامية العربية؟ خصوصاً مع تعرّض نساء من عاملات في هذا الحقل لمضايقات وابتزاز، كما حدث في أكثر من قضية وجدت طريقها للنقاش العلني بسبب جرأة بعض الإعلاميات اللواتي رفعن الصوت.

58:46

Play Video
أثبت فيروس كورونا أنَه من عوامل تسارُع حالات عدم المساواة تجاه النساء اللاتي يتحمّلن وطأة عواقبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فهنّ تأثّرن به على جميع المستويات؛ إذ توقّف تعليم الفتيات والمراهقات، وفقدَت العاملات وظائفهنّ في القطاعات غير الرسميّة

56:42

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني