fbpx

النساء من الثورة ضد السروال إلى “أخوات الرجال”

لا يخلو الأمر من أن تتحوّل "أخت الرجال" في لحظة واحدة إلى "مسترجلة" و"فاجرة"، حين تستخدم قوتها بما يضرّ المصالح الذكورية في المجتمع ويهدد النمط السائد من المفاهيم المسطّحة...

تنشر هذه المادة بالتعاون مع روزنة

كانت الناشطة السورية سندس سليمان تحضر اجتماعات المعارضة السورية ومعها طفلها الرضيع الذي سمّته “تمرّد”. قيل عن سندس إنها النسخة العربية من النائبة الإيطالية السابقة ليسيا رونزولي التي كانت تحضر جلسات البرلمان الأوروبي بصحبة رضيعتها.

إنه خبر منتشر في مواقع وصحف عدّة، لكن تمكن ملاحظة تكرار تعليق “أخت رجال” من باب مديح سندس، في كل مكان. إنه “مديح” حازته سيدات كثيرات، إن لقوّة شخصيتهنّ أو لإنجازاتهنّ في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع أو الإنسانية. وتاريخياً، عرفت اللغة العربية مصطلح “رجلة” وأيضاً “أخت العرب”. وقد وردت تعابير مشابهة في الكتب المقدّسة، مثل “بنت صهيون” أو “أخت هارون” للدلالة على العذراء مريم.

رجلة لأنّ الأنثى القوية بنظر العرب لا يمكن أن تكون امرأة، فكان أن اعتبرت رجلاً، إنما مع إضافة تاء مربوطة، من باب احترام النوع الاجتماعي والفروقات البيولوجية. و”أخت رجال” مصطلح استخدم أيضاً لأن المرأة لا يمكن أن تكون شيئاً إن لم تكن أخت رجلٍ ما أو ابنة رجل ما.

يبدو أن الانقضاض على السلطة الذكورية لم يكن متاحاً إلا عبر التشبّه بصفات الرجال ودخول مجالاتهم وارتداء سراويلهم.

إنه التصنيف الأزليّ، الذي يعتبر الرجولة قوة والأنوثة ضعفاً، والرجل كاملاً والمرأة نقصاً. ويكون عليها في أفضل الحالات أن تبتسم إذا قيل لها إنها أخت رجال أو امرأة بألف رجل.

في المقابل، تتحوّل المرأة التي تقصّ شعرها أو تلبس ثياباً فضفاضة إلى مسترجلة لا إلى رجلة. والفرق شاسع بين الكلمتين، فالرجلة تأتي من باب المديح أما المسترجلة والتي تأتي من وزن “استفعل” فتعني الافتعال والتصنع. التشبه بالصفات الذكورية كما يُقرأ في مجتمعاتنا يخضع لمعايير غريبة الشكل، إذ على المرأة أن تتشبه بالرجال شجاعةً وقوة، لا شعراً قصيراً!

لكن لا يخلو الأمر من أن تتحوّل “أخت الرجال” في لحظة واحدة إلى “مسترجلة” و”فاجرة”، حين تستخدم قوتها بما يضرّ المصالح الذكورية في المجتمع ويهدد النمط السائد من المفاهيم المسطّحة، بما يعني أن الرجولة هي الشهامة والفروسية والقوة، أما الأنوثة فعليها في النهاية أن تخضع لمصير الضعف والهوان واللطف والانسحاق. وإن كانت النساء في الأساطير القديمة مصدر القوة والخصب والإلهام، فقد سجّلت المجتمعات العربية وغير العربية أحياناً، رجوعاً مدوّياً إلى الوراء، في إسقاط النساء في مستنقع الضعيفات دائماً و”أخوات الرجال” استثنائياً.

حاربت السلطات الأبوية البنطلون الأنثوي منذ أكثر من مئتي سنة، باعتباره خرقاً للقوانين السائدة وما كانت تشكله من أمان واستقرار للمفهوم البطريركي في إدارة الدول والمجتمعات. واعتبر السروال على أجساد النساء تشبّهاً باطلاً ومرفوضاً بالرجال، ملوك العالم وأصل كل شيء.

في القرن التاسع عشر مع ذروة الموجة الرومنطيقية في فرنسا، أعجبت أورور دوبان بمجالس الأدباء والمفكّرين في باريس، لكنّ ذلك لم يكن متاحاً للنساء، وبذلك تحوّلت أورور إلى جورج صاند، وهي من سلالة سويدية ألمانية استوطنت فرنسا، ولدت عام 1802. فاقتحت مجالس الرجال بشعر قصير وقبعة رجالية وسروال، وشكّلت صدمة حقيقية لأبناء جيلها. وقد اتخذت أورور أو جورج صاند حيزاً مهماً في سلسلة “نساء رائدات” للأديبة اللبنانية الراحلة إميلي نصر الله.

والشعر القصير على رؤوس النساء، يسمّى بالفرنسية “آ لا غارسون”، و”غارسون” أي صبي، وتعني العبارة التشبّه بصبي.

إنه التصنيف الأزليّ، الذي يعتبر الرجولة قوة والأنوثة ضعفاً، والرجل كاملاً والمرأة نقصاً. ويكون عليها في أفضل الحالات أن تبتسم إذا قيل لها إنها أخت رجال أو امرأة بألف رجل.

يبدو أن الانقضاض على السلطة الذكورية لم يكن متاحاً إلا عبر التشبّه بصفات الرجال ودخول مجالاتهم وارتداء سراويلهم. من هنا كان الرد الذكوريّ على ذلك باعتبار المرأة الناجحة أو القوية، مجرد “أخت رجال” أو “مسترجلة”.

وقتال السراويل تجدد في السنوات الأخيرة في المناطق على حكمها تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، مع منع النساء من ارتدائها وإجبارهن على ارتداء النقاب الشرعي الأسود، في محاولة جديدة لمحوهنّ وقمعهنّ. ويتجدد ذلك الآن في مناطق الحوثيين في اليمن مع منع النساء من العمل والتعلّم وفرض اللباس الشرعيّ عليهنّ.

أما النساء اللواتي شاركن في القتال في مناطق الأكراد أو المناطق السورية الأخرى، وحملن السلاح ولبسن زي المحاربين، فهؤلاء صنّفهن من يؤيّد فصيلهنّ أو حزبهنّ، “أخوات الرجال”، فيما كنّ بنظر الأعداء “مسترجلات” و”عاهرات”. أما الرجال فهم الرجال ما داموا يقاتلون ويحملون قلوباً ميتة وأعيناً لا تدمع، وإلا سقطوا مباشرةً وأصبحوا “مخنثين”، “يبكي كالنساء”، “يخاف كالنساء”، “يثرثر كالنساء”…

تواجه المجتمعات الذكورية الآن، كماً هائلاً من “أخوات الرجال”، النساء اللواتي دخلن السياسة والاقتصاد وأصبحن معيلات لأسرهنّ وأيضاً رائدات في مجالاتهنّ. إنها مشكلة كبيرة حقاً، أخشى على الرجال الأفاضل من ألا يستطيعوا مواجهة هؤلاء النساء الرائعات جميعهنّ، بتعبير “أخوات الرجال”، وسيكون عليهنّ قريباً الاعتياد على الأمر، كما اعتدن على السراويل على أجساد النساء والشعور القصيرة فوق رؤوسهنّ.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
تامر موافي – صحافي وكاتب مصري
مواجهة العنف ضد النساء في مصر، بشكل جاد وعمليّ، أمر بالغ الصعوبة، وهو أيضاً محفوف بالمخاطر. وما يجعل هذه المواجهة معقدة في الواقع، هو حجم هذا العنف واتساع نطاقه واستمرار التعامل معه بسرية وخفاء.
Play Video
كيف يمكن مكافحة التمييز الجندري داخل المؤسسات الإعلامية العربية؟ خصوصاً مع تعرّض نساء من عاملات في هذا الحقل لمضايقات وابتزاز، كما حدث في أكثر من قضية وجدت طريقها للنقاش العلني بسبب جرأة بعض الإعلاميات اللواتي رفعن الصوت.

58:46

Play Video
أثبت فيروس كورونا أنَه من عوامل تسارُع حالات عدم المساواة تجاه النساء اللاتي يتحمّلن وطأة عواقبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فهنّ تأثّرن به على جميع المستويات؛ إذ توقّف تعليم الفتيات والمراهقات، وفقدَت العاملات وظائفهنّ في القطاعات غير الرسميّة

56:42

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني