أن تكون مثلياً داخل السجون المصرية… حجّة لمضاعفة التعذيب

"دائماً ما كانت مسيّرة العنبر تُحذر اللواتي يقتربن من بعضهنّ، ويجلسن على سريرٍ واحد، أو يتبادلن القبل، ويتبادلن حركاتٍ حميميّة، وتهددهُن بتبليغ السلطة..."

“كنت سجيناً، وقد بحثتُ وَوجدت صديقاً لي، وزادت عاطفتنا تجاه بعضنا بعضاً، ولاحظ السجناء الذين معنا تقاربنا، فحصلت مشكلات بيننا وبينهم. أبلغوا إدارة السجن، لكننا نفينا أي علاقة بيننا، خوفاً من العقاب، واتهامنا طيلة مدة سجننا بالشذوذ. إنما عُوقبنا… وذهب كل واحد منّا إلى زنزانة أُخرى”، يتذكّر إبراهيم فترة سجنه لمدة عاميّن منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2016 في سجن بورسعيد العمومي.

واجه ابراهيم ككثيرين ظروفاً قاسية في السجون المصرية، لكن هويته الجنسية ومثليته سببتا له معاناة مضاعفة.

وابراهيم ليس السجين المثليّ الوحيد الذي شارك موقع “درج” ذكرياته الأليمة وخوفه الدائم من العقاب داخل السجون المصرية. وكأنّ الظروف اللاإنسانيّة التي يواجهها السجناء في مصر لا تكفيهم، حتّى يواجه المثليون منهم عقوبات إضافيّة وإساءات لفظيّة وجسديّة مضاعفة. فالمثليّة تهمة إضافيّة تُطلق على السجناء، الذين يكون عليهم تحمل تبعاتها. 

منظمة “هيومن رايتس ووتش” كانت أصدرت في أيلول/ سبتمبر 2020 تقريرها حول اعتداءات الشرطة على المثليين جنسياً إثر القبض عليهم بعد رفع أحدهم علم قوس قزح للتضامن مع مجتمع المثليين، شملت تلك الاعتداءات الفحوص الشرجية الإجباريّة، والتعنيف اللفظي والجسدي، إضافة إلى توصية السجناء بالاعتداءات اللفظية والجسدية على المقبوض عليهم بحجّة أنّهم مثليون وبحدّ تعبير سلطة التحقيق “شواذ” جنسياً وليسوا رجال. وتشابهت أساليب سلطة التحقيق في الانتهاك بما فعلته إدارة السلطة السجينية. 

بموازاة ذلك، يعمل البرلمان المصري حالياً على مناقشة أطروحات تجريم المثلية الجنسيّة وضمّها إلى باب الفسق والفجور، لكن يستبعد أن تكون المثلية الجنسية ضمن مخالفات اللائحة التأديبية الخاصة بتنظيم السجون، وهذا لسبب ضعف تسليط الضوء على الممارسات المثلية في السجون نتيجةً لعدم وجود محاضر رسميّة توثقها.

العلاقات المثلية والموقف القانونيّ

لا دراسات معمّقة حول المثلية داخل السجون المصرية، لكنّ الاعتراف بها يأتي في تصريحات لنقابة الأطباء ولمسؤولين في وزارة الداخلية. والنظر إلى الحالة المثلية يأتي في إطار إقامة تلك العلاقات بشكلٍ اضطراريّ، مَا دفع بعض الأطباء والحقوقيين والمشرّعين بين عامي 2000 إلى 2010 إلى طرح تشريع الخلوة الشرعية في السجون. واعتبر نقيب الأطباء الدكتور السيد حمدي أن انتشار الإيدز بين السجناء هو نتيجة لانتشار العلاقات المثلية. وما يساعد على ذلك الانتشار هو تلاصق الأجساد في الزنازين بسبب التكدّس، فضلاً عن العري واستباحة السجناء أجساد بعضهم بعضاً، ومكوثهم فترات طويلة داخل السجن. لكن هذا ليس دقيقاً، ولا يصحّ تعميمه، ففي السجون نساء ورجال لديهم ميول لإقامة علاقات مثلية، وهي ميول لم يَكتسبوها بسبب ظروف الاحتجاز لفتراتٍ طويلة.

حددت دراسة الدكتور شوقي ظريف الباحث في “المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية”، نسبة تلك العلاقات بـ2 في المئة فقط عام 2009. كما ذكر الدكتور أحمد مجدوب عندها أنّه أجرى بحثاً داخل السجون فوجد أن نسبة السجناء الذين يمارسون علاقات مثلية تصل إلى 40 في المئة، وهذا فارقٌ كبير للغاية، بينما تؤكد وزارة الداخلية دائماً أن تلك العلاقات قليلة وتتم السيطرة عليها.

يتفق محمد زارع وهو مدير “المنظمة العربية للإصلاح الجنائي” مع تصريحات وزارة الداخلية، إذ يشير إلى أن معظم البلاغات القانونية التي تسجّلها مصلحة السجون بشأن تلك العلاقات تحفظها بعد ذلك إدارة المصلحة، وهي محاضر سجلت بواسطة إدارة السجن تتّهم مُقيمي العلاقات بمخالفة الآداب، أو يسجلها سجين ضد سجينٍ آخر اعتدى عليه جنسياً. 

كانت العلاقات المثلية محلّ جدلٍ قانونيّ في البرلمان المصري في السنوات الأخيرة، منذ أيلول 2017، لا سيّما بعد إلقاء القبض على شباب رفعوا علم الرينبو في إحدى حفلات القاهرة، فتجدد الجدل عندئذٍ بشأن الدستور المصري الذي لم يوفّر نصاً قانونياً صريحاً يقرّ تجريم المثلية الجنسية، بل كانت المثلية تهمة ضمن قانون ممارسة الفسق والفجور، ولذلك تقدّم في الفترة الأخيرة برلمانيون مثل رياض عبد الستار وهشام والي بمشروع قانون يجرّم المثلية الجنسية ويدرجها كنصٍ ضمن مادة مكافحة الفسق والفجور في الدستور المصري. 

في اللائحة الخاصة بتنظيم السجون الصادرة عام 1956 لا يوجد نص تأديبي للمثليين أو المثليات جنسياً أو الذين أقاموا علاقات مثليّة داخل السجن، وحتى التعديلات الصادرة بشأن اللائحة التأديبية للسجناء في شباط/ فبراير 2017، لم يرد فيها أي شيء يخصّ الممارسة المثلية، إذ يكون العقاب وفقاً للقانون المرئي الداخلي للسجن، أي من دون أي نصٍ تشريعي. 

وعند كتابة أي محضر داخل السجن تسجّل الإدانة كَمخالفة أخلاقية من السجناء أو اعتداءات جسدية على بعضهم بعضاً، وفي ذلك الإطار يُتّخذ إجراء رادع بحق السجين، سواء نقله إلى عنبر آخر، أو إلى سجنٍ آخر. وكلّ ما يواجهه السجين من توصيّات أو سياسات عقابية بضربه من زملائه أو مبيته في الحمام أو العمل في تنظيف الحمامات والأرضيات، تكون سياسات إجبارية لا تستند إلى أيّ قانون.


كواليس العلاقة المثلية

بسرية كبيرة وتحفظ وانتباه، تقام العلاقات المثلية بين سجناء، خوفاً من أن يكتشف أحدهم الأمر ويُبلغ السلطات، ما يعني عقاباً كبيراً، ليس من السجّان وحده، بل أيضاً من نزلاء السجن.

يُخبر المسيّر محمّد “درج”، عن الكواليس التي رآها في سجن وادي النطرون لمدة 4 سنوات: “رأيت الكثير من الحالات، بخاصة في عنابر السجناء الجنائيين. السجين السياسي، يكون أكثر تحفّظاً ولا يستطيع البوح بسره، أو التعبير عن مشاعره المثلية، لكنّ الجنائي يكون أكثر عشوائية، تحدث تلك العلاقات إمّا ليلاً، حين تبقى مصابيح قليلة مضاءة، أو أثناء التريّضات، فتقام العلاقة في الزنازين الفارغة أو الحمامات”.

في سجون النساء، تقصّ لنا سامية وهي سجينة سابقة في سجن دمنهور العمومي المعروف بسجن الأبعاديّة، حيث مكثت 3 أعوام: “تُكنى النساء المثليات، بمصطلح مخاوية أي مركوبة، وأثناء التريض، كنا نرى سجينة طويلة، تكنى بذلك، وهي تعتاد الوقوف دائماً أمام دورات المياه، نعرف أنّها تقف هناك لكي تنظر إلى أجسادنا، لكنّها كانت تخاف لمس أي سجينة أُخرى نظراً للعقاب الشديد من السلطة”.

أما هدى وهي سجينة سابقة في سجن القناطر لمدة عام فتقول: “دائماً ما كانت مسيّرة العنبر تُحذر اللواتي يقتربن من بعضهنّ، ويجلسن على سريرٍ واحد، أو يتبادلن القبل، ويتبادلن حركاتٍ حميميّة، وتهددهُن بتبليغ السلطة، وقد حدث ذلك مع اثنتين، وقد نُقلت كل واحدة إلى عنبر آخر. حصل ذلك بطريقة مهينة ومؤذية”.

ذكورية السجون

تعتبر المؤسسة العقابية وهي مكان الاحتجاز بما تشمله من سجون مركزية وعمومية وأقسام ومراكز للشرطة، مؤسسة شديدة الذكورية من الناحية الثقافية أي بنظرتها إلى الجسد والتعابير التي يتم استخدامها، إذ يمثل الجسد القويّ والعضلات سلطة رمزية تعطي السجين/ة مكانة مميّزة وسط السجناء والسجينات، وتمكّنه من السيطرة عليهم. وتزداد أهمية ذلك السجين مع الوقت وفق نظام “الأقدميّة” عند السلطة السجنية، إذ تستخدمه السلطة في السيطرة على أجساد السجناء، وتسيير الهدوء المعيشي داخل الزنازين والعنابر، وحل المشكلات من دون إزعاج السلطة.

تلك الذكورية الشديدة تمتد سطوتها لتمنع أي سجين من التكلم بصوتٍ ناعم حتى وإن كان ذلك صوته، أو استخدام مصطلحات تدلّ على “ضعفه” من وجهة نظر تلك الثقافة، كإدراج بعض مصطلحات الإنكليزية مثلاً في وسط الحديث، أو التفوّه بكلماتٍ عربيةٍ فصحى، أو كلمات تدل على رفاه اجتماعي. ولإهانة سجين ما، يتم تشبيهه بالنساء وبصفاتهنّ، فينادى بـ”مرا” أو “حاج” للسخرية منه.

مصطلحات جنسية داخل سجون الرجال

حاج | خمسة | عجلة | بيتباع | جدع ميري

في سجون النساء لا يختلف الأمر كثيراً، إذ تنعت السجينة ذات الميول المثلية بتعابير مشينة، وأشهر تلك المصطلحات “مخاوية”.

مصطلحات جنسية داخل سجون النساء

مخاوية | مركوبة | شرموطة | هايجة

ومن يظهر عليه أي سلوكيات تخالف المنطق الذكوري السائد، يكون محلَّ نبذٍ من السجناء الآخرين، يبتعدون منه، ويوصم بتعابير وصفات مهينة، وقد يصل الأمر إلى سلب حصته من الطعام، ويُجبر على القيام بأعمال صعبة مثل مسح الحمامات وتنظيف الأطباق وغسل الخضار وغير ذلك. عبد الله وهو سجين سابق أمضى في سجن برج العرب ثلاث سنوات يقول: “كان معنا رجل ثلاثينيّ، كان يتقرب مِنا بشكل حميميّ وعاطفي، وقد أخبر زميلاً لنا عن ميوله، لكن سرعان ما عرفت الزنزانة كلها بميوله المثلية، فابتعد الجميع منه لأيام، وقام نوبتجي الزنزانة بالتبليغ عنه إلى إدارة السجن، فنُقِل إلى عنبرٍ آخر”. 

ويعلّق الباحث في حقوق الإنسان ومنسق “مشروع منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجينيّة” mena مينا إبراهيم، على مسألة العقاب والثقافة السائدة في السجون، موضحاً لـ”درج” أن “الثقافة لدى معظم السجناء والسجينات ذكورية للغاية، وتعتمد على قوة الجسد واللغة والأقدميّة، والسلطة تعاقب السجناء المثليين وغير المثليين بأساليب وحشيّة، من طريق الضرب والتعنيف، فتستبيح أجسادهم، بل وتتحكّم باحتياجاتهم الغرائزية، ومنها الاحتياج الجنسي، وترى السلطة المثلية الجنسية كنوع من اختراق الرجولة عند الرجال، وعند النساء كنوع من الجرأة الجنسية وانحراف الميول”. 

عقاب السلطة: الضرب والتغريب

عقاب السلطة بحق المثليين يكون شديداً عند اكتشاف أمرهم. “عندما تتأكد السلطة أن السجينين بالفعل أقاما علاقة مثلية، تأخذهما إلى حفلة ضرب، وأحياناً تكون الحفلة جماعية، يُضرب السجناء أمام زملائهم، ثم يذهبون إلى التأديب، وهو عبارة عن زنزانة انفرادية مجرّدة من كل شيء، يمكثون فيها أياماً، ثم يرحلون كل واحدٍ إلى سجن، في ما يُعرف بالتغريبة”، وفقاً للمسيّر محمّد.

سجن النساء ليس مختلفاً كثيراً من هذه الناحية، إذ تقول عفاف وهي سجينة سابقة في سجن القناطر لمدة عام: “عندما تمّ التبليغ في عنبرنا عن فتاة مثليّة، أخذوها وتم ضربها ضرباً مبرحاً، على يد الضابط والمخبرين، ثم نقلوها إلى عنبرٍ آخر، ولكنها لا تعيش مثل زميلاتها، بل تسكن دائماً في الحمام، وتتوصى بها نوبتجية العنبر، أيّ تعاملها بطريقة سيئة، وتشغلها في الخدمة، غسل الحمامات والأرضيات ومسحها وغير ذلك”. 

تقوم السلطة أيضاً بالتحكم بالحاجة الجنسية، لا سيما عند ذوي الميول المثلية، عبر إجراءات أخرى، مثل عدم إدخال جرائد ومجلات تحوي صوراً مثيرة جنسياً، ولا تبث التلفزيونات غير القنوات المحلية التي تعرض مباريات كرة القدم وأخبار المشاريع القومية، ولا تُطفَأ الأنوار ليلاً كنوعٍ من الرقابة على سلوكيات السجناء، ويمنع أن يجتمع سجينان أو سجينتان على سريرٍ واحد سواء في النهار أو الليل… 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني