fbpx

اغتيال لقمان سليم : هل سيصمد لبنان في مواجهة أشباح الموت؟

الرصاصات التي أصابت رأس سليم تُعزز نفس الرسالة التي سبق أن أوضحتها سلسلة من جرائم القتل المشبوهة التي ارتكبت سابقاً...

منذ فترة الحكم العثماني، كانت بيروت مركزاً للاجتماعات الثقافية والفكرية في بلاد الشام؛ أصبحت مقاهيها مسرحاً للمناقشات السياسية والأدبية، ونبتت فيها بذور الوطنية العربية على رقعة لعبة الطاولة، ورسم روادها خططاً عمرانية لطرائق جديدة تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب على المناديل الورقية.

لا تزال المدينة موطناً للكتّاب والمؤرخين والعلماء من مختلف المعتقدات، وفدوا إليها من سوريا والأردن وفلسطين، واجتذبت قادة ونشطاء العالم من كل حدب وصوب لرؤية أطفال وشعراء الشام بأنفسهم. ولربما هذه النزعة نحو الفضول الفكري والطموح غير المحدود في كل الجوانب الاجتماعية والعلمية تمثّل أكبر تهديد من البلاد لأي من المحاور الأيدلوجية في العالم.

في الوقت الذي قمعت فيه الدول المجاورة حريّة الرأي والتعبير واضطهدت مناصريها، سمح الدستور اللبناني بثقافة التفكير والنقد رغم كل الصعوبات. وساعدت منصات النشر الناشئة على الإنترنت، بقيادة صحفيين وأكاديميين متخصصين مستقلين عن الأحزاب السياسية والانتماءات الدينية، في خلق مساحة رقمية تشجع وتحافظ على حرية التعبير، والحفاظ بالتالي على إرث لبنان الدائم. لكن مع ذكرى مرور ستة أشهر على انفجار مرفأ بيروت، تنعي البلاد تلك الحريّة التي طالما اتسمت بها حتى في أحلك الظروف.

إقرأوا أيضاً:

استيقظ اللبنانيون صباح الخميس، 4 فبراير/شباط، على خبر اغتيال لقمان سليم، الكاتب والناشر والناشط السياسي اللبناني المعروف بإدانته العلنية لأساليب التخويف التي يتبعها حزب الله . عُثر على سليم مقتولاً داخل سيارته في قرية قريبة من مدينة النبطية بعدما أبلغت أسرته عن اختفائه الليلة السابقة. ونُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية تغريدات ومقاطع من مقابلات سابقة تكريماً لنضاله الدؤوب ضد الطائفية والفساد. وبدا سليم في المقاطع المعروضة رجلاً راسخ الاعتقاد بأنه لا قيام لدولة لبنانية ذات سيادة طالما واصل حزب الله تغلغله في كل مؤسسات البلاد ووزاراتها. وفي أحد المقاطع، يظهر سليم وسط الحشود التي خرجت من سوليدير في وسط المدينة في مظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2019، يهتفون ويرقصون على أنغام ثورتهم.

ترخي جريمة اغتيال سليم بثقلها على التحقيقات الجارية بشأن انفجار المرفأ الذي هز أرجاء العاصمة بيروت في 4 أغسطس/آب. فالاغتيال يعد سابقة تجاه الأصوات المعارضة، ويرسم مستقبلاً خطيراً قاتماً لبلد على أعتاب أن يصبح “دولة فاشلة”. وقد احتشد مطلع هذا الأسبوع، متظاهرون بمن فيهم الأسر والأفراد الذين تضرروا من انفجار بيروت، خارج منزل القاضي فادي صوّان في الأشرفية، مطالبين إياه بإحالة التحقيق في سوء إدارة المرفأ إلى أيدٍ أمينة. وقد حذرت منظمات المجتمع المدني، مثل “هيومن رايتس ووتش”، بالفعل من انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة بحق الأشخاص المتهمين على نحو تعسفي أو المتواطئين معهم.

جريمة اغتيال سليم تؤكد مجدداً أن أي تحقيق يجرى في ظل الإدارة الحالية لا يمكن أن يتم بنزاهة أو باستقلالية، طالما أن مخالب الولاءات والحسابات الحزبية والسياسية تخنق أولئك المكلفين بما أصبح الآن مسعى خطيراً لتحقيق العدالة.

إقرأوا أيضاً:

في المستقبل، سوف تُحجب الأدلة التي ستساعد في بناء قضية ضد سوء إدارة الحكومة لأطنان من نترات الأمونيوم لم تُصنَف على أنها “مواد متفجرة” في الميناء. واليوم هاهم القتلة يتربصون بمثقفي بيروت وشوارعها.

عندما تصبح حرية التعبير جُرماً يُعاقب عليه النافذون، تغيب المساءلة. وهنا يكمن الأمل الأخير الذي يحدو الشباب اللبناني في استعادة بلدهم. 

الرصاصات التي أصابت رأس سليم تُعزز نفس الرسالة التي سبق أن أوضحتها سلسلة من جرائم القتل المشبوهة التي ارتكبت سابقاً، بما في ذلك اغتيال جو بجاني الشهر الماضي، وهو مصوّر مستقل حصل على أدلة جنائية مصورة لأنه كان من أول المصورين الذين التقطوا صوراً للانفجار. 

من مختلف أنحاء البلاد وفي مختلف أنحاء العالم، تقبع الحقيقة في عظام شعب منهك ومستنفد، فالعدالة لن تنتصر بل ستمنح الى الأقوى.

تعلو التساؤلات بانتظار ظهور الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله القادم. فقد حذر نصرالله في 15 يناير/كانون الثاني الماضي، من تسييس انفجار مرفأ بيروت وحث على الامتناع عن إجراء تحليلات طائفية للكارثة. لكن يُشير الموقف الدفاعي الذي اتخذه أنصار الحزب عبر الحملة الشرسة ضد لقمان سليم واتهامه بصهيونية مزعومة وبادانته لأنه يحمل رأياً نقدياً ضد حزب الله، على الرغم من كونه شيعيا، إلى التهديد الذي شكلته انتقادات سليم على المنظمة. ومن عجيب المفارقات هنا أن المشكلة تكمن في فرادة  موقع سليم. فقد ساهم المنتسبون إلى النظام السياسي ومؤيدوه في إرساء ثقافة الخوف من خلال تولّي المسؤولية بأنفسهم، وتحديد من يواصل العيش في خوف ومن يُصاب بطلق ناري في الرأس أو القلب. 

هل سيُخمد نصر الله نار هذه التوقعات أم أنه سيتهرب من توجيه الاتهامات؟ 

مع وجود ضحية جديدة مدفونة تحت الأرض، إضافةً إلى الـ 200 شخص الذين لقوا مصرعهم في أغسطس/آب، هل يشكل هذا أهمية؟ هذه ليست حكاية نضال شعب ضد زعماء مستبدين، سينتصر فيها الشعب في النهاية، بل هي حكاية نضال شعب ضد نظام ينخرط فيه الجميع.

وللإجابة على السؤال الأزلي الذي طرحه الشاعر والفيلسوف اللبناني الراحل جبران خليل جبران في “لكم لبنانكم ولي لبناني”، أتظنون أن لبنان سيصمد في مواجهة أشباح الموت وأنفاس القبور؟

نعم، سيصمد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يونس عيسى – صحافي عراقي
“بسبب فقدان الكثير من الأسر لمعيلها تلجأ للأطفال كبديل معتمد للعمل فضلاً عن استسهال أصحاب المهن لتشغيل الأطفال مقابل أجور زهيدة إذا ما قورنت بالشباب الأكبر عمراً والذين يطالبون بأجور أعلى”.
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني