غزة: مليونا شخص رهينة القرار السياسي الإسرائيلي لإدخال اللقاح

"لا نعلم إن كانت السلالة الجديدة قد وصلت إلى القطاع أم لا، لا توجد لدينا في غزة تحاليل تثبت وجود سلالة كورونا الجديدة من عدمه"،

بعد نحو عام على انتشار فايروس “كورونا” في جميع أنحاء العالم، وبعدما أودى بحياة أكثر من مليون شخص، ساد الاعتقاد أنّ الفرج أصبح قريباً مع اكتشاف لقاحات مضادة للفايروس. تهافتت الدول الغنية لشراء ملايين الجرعات حتى قبل إنتاجها، والاستحواذ على ما يتم إنتاجه مباشرة، ما أفقد الكثير من المجتمعات والدول الفقيرة الأمل بالحصول على اللقاح في وقت قريب.

المشكلة في قطاع غزة مضاعفة فهي لا تكمن في ضعف القدرات المالية لشراء اللقاح، أو وضع القطاع على قائمة الانتظار، وحسب، بل أيضاً في تسييس قضية اللقاح وربما هنا يكمن الخطر الأكبر.

في أواخر كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، تقدمت عائلة الجندي الإسرائيلي المفقود في قطاع غزة هدار غولدن، خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014، بمطالبات بمنع إدخال لقاحات “كورونا” إلى غزة، إذ قدمت التماساً للمحكمة العليا الإسرائيلية، طالبت فيه بمنع إدخال البضائع ولقاحات “كورونا” إلى القطاع حتى إعادة الجنود المفقودين في غزة.

المحكمة رفضت الطلب، وأقرت موافقتها على دخول اللقاح إلى قطاع غزة، لكن الحكومة الإسرائيلية استمرت برفضها إرسال أيّ لقاحات للفلسطينيين سواء في الضفة أو غزة، مفضلة تلقيح “مواطنيها”، على رغم مطالبات دولية، بإرسال اللقاحات للفلسطينيين كون إسرائيل قوة احتلال، بناءً على ما جاء في القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة.

استمرت السلطات الإسرائيلية برفضها، فيما استمرت عائلات الجنود المفقودين في غزة في مطالبها. ففي 27 كانون ثاني/ يناير، عقدت لجنة الخارجية والأمن في “الكنيست الإسرائيلي”، جلسة خاصة لمناقشة منع نقل لقاح “كورونا” إلى قطاع غزة قبل أن تعيد “حركة حماس” ما لديها من جنود محتجزين. وبحسب الإعلام الإسرائيلي، شاركت عائلتا الجنديين هدار غولدون، وأرون شاؤول، في جلسة الكنيست وطلبتا من أعضاء اللجنة وممثلين من وزارة الجيش، الضغط باتجاه منع نقل اللقاح أو أي معدات طبية لغزة.

جلسة نقاش الكنيست، انتهت من دون اتخاذ قرار بحسب ما ورد في وسائل الإعلام الإسرائيلية، لكن عائلات الجنود المفقودين أكدت استمرارها في مساعيهم بالمطالبة من “الحكومة الإسرائيلية الضغط باتجاه عقد صفقة مع حركة حماس لاستعادة الجنود مقابل دخول لقاح كورونا”.

غزّة واللقاح

مع اقتراب موعد وصول اللقاح الروسي إلى وزارة الصحة الفلسطينية في الضفة الغربية، تصاعدت تصريحات مسؤولين في الجيش الإسرائيلي للتحذير من إمكان إطلاق صواريخ من قطاع غزة تجاه المناطق الأخرى في حال عدم وصول اللقاح إلى مواطني القطاع البالغ عددهم قرابة المليوني نسمة، بحسب تصريحات الدكتورة مي كيلة وزيرة الصحة الفلسطينية. في حين رفضت مصادر من فصائل المقاومة في غزة الرد على تلك التصريحات، وكأن الجميع في حالة انتظار لما سيحدث على أرض الواقع في حال منعت إسرائيل دخول اللقاح.

عقدت وزارة الصحة الفلسطينية، المتعثرة مالياً، في رام الله، عقود شراء لقاحات مع أربع شركات مختلفة خلال الأشهر الماضية، لم تكن “فايزر” أو “بيونتك” من ضمنها بالطبع، وهي باعت إنتاجها من اللقاحات للدول الغنية مثل “إسرائيل”. واتفقت السلطة الفلسطينية مع روسيا على توريد قرابة 5 آلاف جرعة من اللقاح الروسي للفلسطينيين، يتوقع وصولها منتصف شباط/ فبراير 2021، بحسب تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه، تتبعها 100 ألف جرعة تكفي لتطعيم 50 ألف مواطن. فيما تنتظر وزارة الصحة في غزة التي تفتقد لأي موارد قد تمكنها من التعاقد مع الشركات العالمية المنتجة للقاح، وصول أي جرعات من وزارة الصحة في رام الله.

“حتى اللحظة لا يوجد تاريخ محدد لدخول اللقاح إلى فلسطين، والأمر سيان في غزة والضفة”.

نائب مدير عام الرعاية الأولية لشؤون الصحة العامة مجدي ضهير في غزة، أوضح أنه لا معلومات مؤكدة حتى الآن حول موعد وصول لقاح “كورونا” للقطاع، مفترضاً وصوله خلال شهر شباط بعد استلام وزارة الصحة في رام الله الجرعات التي اتفقت عليها مع أطراف عدة، من ضمنها برنامج “كوفاكس” الذي تشرف عليه منظمة الصحة العالمية لمساعدة الدول الفقيرة وضمان توزيع عادل للقاحات.

هذا ما أكده أيضاً مستشار وزيرة الصحة في غزة الدكتور فتحي أبو وردة، الذي قال إنّه “حتى اللحظة لا يوجد تاريخ محدد لدخول اللقاح إلى فلسطين، والأمر سيان في غزة والضفة”، ولم يفصح عن سبب تأخير وصول اللقاح حتى اللحظة، في الوقت الذي اقتربت فيه إسرائيل من تطعيم أكثر من ربع سكانها البالغ عددهم أكثر من 9 ملايين.

ضعف المناعة

جائحة “كورونا” ليست المشكلة الوحيدة في غزّة، إذ تعاني نسبة كبيرة من سكان القطاع من أمراض مزمنة بحاجة إلى رعاية دائمة. أم طارق (61 سنة)، مريضة كلى منذ 5 سنوات، تخضع لجلسات عسل الكلى في مستشفى الشفاء في غزة ثلاث مرات أسبوعيّاً، تعرضت للإصابة بفايروس “كورونا” خلال تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وكان لا بد من نقلها لتلقّي الرعاية الصحية في المستشفى الأوروبي جنوب القطاع، والذي خصصته وزارة الصحة لاستقبال الحالات المزمنة من مصابي “كورونا”.

حالة من الإعياء الشديد أصابتها بعد نقلها إلى المستشفى الأوروبي، حتى انخفضت نسبة الأوكسيجين في الدم، ما اضطر الكادر الطبي إلى منحها أوكسيجين صناعي إلى جانب أدوية متعددة، لعلها تتجاوز المرحلة الحرجة. كادت أم طارق تفقد حياتها خلال فترة العلاج، “شفت الموت بعنيا، وفقدت الوعي أكثر من مرة خلال تلقي العلاج”، تقول، وذلك بسبب ضعف مناعة جسدها وأمراضه المزمنة.

ويعاني حوالى 166 ألف شخص في قطاع غزة من أمراض مزمنة مثل السكري والضغط والسرطان والفشل الكلوي، بحسب آخر إحصاءات وزارة الصحة في القطاع لعام 2019. بعضهم بحاجة إلى العلاج في الخارج مثل مرضى السرطان بسبب عدم توفر العلاجات الخاصة بهم، إضافة إلى أنهم بحاجة ماسة إلى رعاية خاصة في ظل انتشار “كورونا” الذي يتهددهم. تقول أم طارق: “أتمنى توفير لقاحات في القريب العاجل لجميع سكان القطاع المنهكين صحياً واقتصادياً”.

وبلغ عدد مصابي “كورونا” في قطاع غزة منذ انتشاره أواخر آب/ أغسطس الماضي 52048 حالة، منهم 4062 حالة نشطة، و527 حالة وفاة، فيما أكثر من 130 حالة تحتاج إلى رعاية طبية خاصة بسبب خطورة الحالة حتى الأول من شباط/ فبراير، بحسب إحصاءات “الصحة“. وبلغ عدد إجمالي المصابين بين الكوادر الطبية في مستشفيات القطاع أكثر من 1300، توفي منهم 4 أطباء إلى ممرضين.

إقرأوا أيضاً:

غزة والمساعدات الطبية

الإعلان عن اكتشاف أولى الحالات المصابة بـ”كورونا” في قطاع غزة، أواخر آب العام الماضي، تبعه اكتشاف أكثر من 50 ألف حالة حتى كتابة هذا التحقيق، ووفاة أكثر من 500 مواطن ومواطنة. اعتمدت وزارة الصحة في غزة، وفي ظل شح الإمكانات والموارد، على المساعدات التي وفرتها وزارة الصحة في رام الله، ومنظمة الصحة العالمية، ودول أخرى مثل الإمارات.

سمحت السلطات الإسرائيلية بدخول المعدات الطبية بكميات محدودة من طريق المعبر التجاري الوحيد لغزة جنوب القطاع مع الأراضي المحتلة، في حين حاول تأخير دخول المعدات في بعض الأوقات، والتي على أثرها تصاعدت ردود الفعل العسكرية المحدودة من غزة، للضغط على إسرائيل لإدخال المواد الطبية وأجهزة التنفس.

في المقابل، سمحت مصر بدخول قوافل مساعدات طبية إماراتية لمرتين من طريق معبر رفح البري، بعدما رفضت السلطة الفلسطينية استلام مساعدات طبية إماراتية وصلت بطائرات إلى مطار “بن غوريون” في الداخل المحتل، بعد توقيع الإمارات اتفاقية سلام مع إسرائيل خلال آب 2020، وبداعي عدم التنسيق معها لإرسال المساعدات.

وفي هذا السياق، صرّح مصدر مقرب من القيادي الفلسطيني المقيم في الإمارات محمد دحلان، لـ”درج” عن مساعٍ جديّة لإرسال الإمارات قافلة مساعدات تحتوي على لقاح “كورونا”، لكنه لم يحدد الزمان أو الكمية، بعدما أرسلت الإمارات محطة توليد أوكسيجين خلال الفترة الماضية وأدوات طبية مساعدة للمستشفيات والكوادر الطبية لمواجهة أزمة “كورونا” في غزة.

يعاني حوالى 166 ألف شخص في قطاع غزة من أمراض مزمنة مثل السكري والضغط والسرطان والفشل الكلوي.

وزارة الصحة في غزة لم ترفض أيّ مساعدات وصلتها خلال الفترة الماضية من جميع الأطراف، ذلك بسبب ضعف إمكاناتها وحاجتها إلى توفير أكبر قدر ممكن من المعدات والأدوات الطبية، بخاصة في ظل تخوفها من دخول سلالات متحورة جديدة من “كورونا” وانتشارها في دول عدة منها إسرائيل التي أعلنت اكتشاف حالات عدة.

وفي هذا الإطار، قال ضهير: “لا نعلم إن كانت السلالة الجديدة قد وصلت إلى القطاع أم لا، لا توجد لدينا في غزة تحاليل تثبت وجود سلالة كورونا الجديدة من عدمه”، بخاصة في ظل إغلاق معبر رفح البري مع مصر منذ أشهر وعدم دخول مواطنين من الخارج إلى غزة. وزارة صحة غزة، توقعت أن يشهد القطاع ارتفاع أعداد المصابين بـ”كورونا” خلال شباط 2021، بعدما شهد الشهر السابق انخفاضاً في تسجيل الحالات اليومية.

وأرسلت إسرائيل 2000 جرعة لقاح قبل أيام للسلطة الفلسطينية لتبدأ تطعيم الكوادر الطبية، بعدما كانت وسائل إعلام إسرائيلية أعلنت في 30 كانون الثاني عن نيتها تحويل 5 آلاف جرعة من لقاح “فايزر” للسلطة، مؤكدة أنه من غير الواضح، حتى الآن، إن كان جزء من تلك اللقاحات سيُحول إلى المستشفيات في قطاع غزة أم لا. لتبقى غزة بجميع فئاتها رهينة للقرارات الإسرائيلية والأهواء السياسية، فيما يواجه أصحاب الأمراض المزمنة والمناعة الضعيفة والكوادر الطبية، مصيرهم المجهول بلا رعاية أو رحمة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني