fbpx

بعد تعطيلها داخلياً هل تُفتَح ملفات معرقلي التدقيق الجنائي في الخارج؟

يمكن ربط التعقيد الذي بدأ يظهر من جديد في ملف التدقيق الجنائي بما نشهده اليوم من تحريك لملفّات الحاكم الماليّة في محاكم سويسرا، والتي بات البعض يربطها باتجاه أوروبي مستجد وحاسم...
نبيه بري

لا شيء يدعو إلى التفاؤل بمستقبل التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، لا سيما بعد التصريح الأخير لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي اعتبر فيه أنّ أوّل ما يجب أن يبدأ به التدقيق الجنائي هو وزارة الطاقة والمياه. كان هذا التصريح مجرّد دلالة على أنّ ملف التدقيق الجنائي دخل مرحلة جديدة من التعثّر والجمود، عنوانها معادلة جديدة فرضها رئيس المجلس، تضع التدقيق الجنائي في وزارة الطاقة مقابل التدقيق الجنائي في مصرف لبنان.

بمعنى آخر، وفي مقابل حماسة بعض أجنحة “التيار الوطني الحر” للتدقيق الجنائي لإحراج حاكم مصرف لبنان رياض سلامة واستبداله، هناك رئيس المجلس النيابي الذي يلوّح في مواجهة التيار بفتح ملفّات وحسابات وزارة الطاقة، إذا أصرّ التيار على الذهاب بعيداً في موضوع التدقيق الجنائي في مصرف لبنان. ومن المعلوم أن في وزارة الطاقة ما يكفي من خبايا وصفقات لابتزاز التيار بها، من بواخر الكهرباء إلى صفقات المعامل وصولاً إلى السدود وغيرها. وهذه المعادلة، التي نسجها رئيس المجلس النيابي بحنكته المعهودة، ستكون كافية لتحميل التدقيق الجنائي بما يكفي من ألغام لتفجيره فور دخوله طاولة البحث في الحكومة الجديدة.

هذه الخطوة التي قام بها أخيراً رئيس المجلس بشكل صريح، عبّد لها الطريق قانون رفع السريّة المصرفيّة لغايات التدقيق الجنائي، الذي أقرّه المجلس النيابي في شهر كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، وسوّقه أقطاب النظام السياسي على أنّه معالجة قانونيّة للعراقيل التي منعت إجراء التدقيق. فالقانون تم ربطه بقرار المجلس النيابي السابق في ما يخص التدقيق، الذي ينص على “توازي” التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة، وهو ما مثّل مجرّد تمهيد لتكبير حجر التدقيق وتوسيع نطاقه، كمقدّمة لنسفه داخل الحكومة الجديدة بعد تشكيلها، خصوصاً أن جميع القوى السياسيّة تملك ما تخاف عليه من معلومات وصفقات داخل هذه المؤسسات. مع العلم أن هذا الربط بالذات تم إدخاله إلى نص القانون بموجب إخراج عمل عليه النائب في كتلة “حركة أمل” النيابية علي حسن خليل.

لا يمثّل شرط “توازي” التدقيق في المصرف المركزي مع التدقيق في سائر مؤسسات الدولة اللغم الوحيد الذي زرعه المجلس النيابي في قانون رفع السريّة المصرفيّة لغايات التدقيق الجنائي.

في خلاصة الأمر، وبعد “توسيع بيكار” التدقيق لم يعد من الممكن السير به وفقاً للقرار المحدود بمصرف لبنان الذي أقرّته الحكومة السابقة، وهو ما بات يستدعي إعادة فتح الملف من جديد في الحكومة الجديدة لإقرار تدقيق جنائي جديد واسع النطاق، وفقاً للمعادلات الجديدة. هذه النتيجة، كانت فحوى المداولات الأخيرة بين وزارة الماليّة والرئاستين الأولى والثالثة، والتي أفضت إلى إحالة الموضوع إلى عقد جديد يمكن أن تعمل عليه وزارة الماليّة الآن، لكنّه يستلزم موافقة مجلس الوزراء بعد تأليفه، مع كل ما تعنيه هذه الإحالة من عراقيل جديدة بدأت معالمها تظهر من خلال معادلة “وزارة الطاقة مقابل مصرف لبنان”.

ألغام حسابات المصارف

في كل الحالات، لا يمثّل شرط “توازي” التدقيق في المصرف المركزي مع التدقيق في سائر مؤسسات الدولة اللغم الوحيد الذي زرعه المجلس النيابي في قانون رفع السريّة المصرفيّة لغايات التدقيق الجنائي. فالقانون حصر رفع السريّة المصرفيّة بحسابات المصرف المركزي، وهذه الحسابات وفقاً لتفسير الحاكم لا تشمل حسابات المصارف لديه، لا بل يعتبر الحاكم أنّه زوّد أساساً شركة التدقيق الجنائي “آلفاريز آند مارسال”، بجميع البيانات المتعلّقة بحسابات مصرف لبنان قبل أن تعتذر الشركة عن استكمال مهمّة التدقيق الجنائي التي كلفتها بها الحكومة. وبذلك، فتح النواب الباب العريض أمام الحاكم للتملّص من إعطاء شركة التدقيق الجنائي البيانات الأكثر حساسيّة، التي أصرّ الحاكم سابقاً على التمنّع عن تسليمها للشركة، والمتعلّقة بحسابات المصارف التي أجريت من خلالها عمليات الهندسات الماليّة التي قام بها الحاكم طوال السنوات التي سبقت الانهيار المالي. مع العلم أن حسابات مصرف لبنان التي سلمها الحاكم للشركة، لا تعدو كونها مجرّد أرقام متاحة للعموم على موقع مصرف لبنان الإلكتروني ونشراته الدوريّة.

هذه الصياغة الملتبسة، والتي تفتح الباب أمام تملّص حاكم مصرف لبنان من تسليم البيانات الأكثر حساسيّة التي رفض تسليمها سابقاً، جاءت عن قصد من قبل المجلس النيابي، بدلالة تعمّد النواب إزالة عبارة “أيّاً تكن طبيعتها” التي وردت بعد “حسابات مصرف لبنان”، لكي لا يُفسّر رفع السريّة المصرفيّة بكونه يشمل حسابات المصارف التجاريّة. لا بل أصرّ المجلس أيضاً على إضافة عبارة تؤكّد سريان السريّة المصرفيّة على كل الحسابات التي لم تُذكر في نص القانون، لإبقاء الباب مفتوحاً أمام التكتّم على بيانات حسابات المصارف لدى مصرف لبنان. وبذلك، لم يقدّم القانون أي جديد من ناحية إلزام مصرف لبنان بتسليم المعلومات التي رفض تسليمها في المرحلة الأولى من عمل شركة التدقيق الجنائي، خصوصاً أن أهم البيانات التي لم يتم تسليمها للشركة في تلك المرحلة تتعلّق بحسابات المصارف والودائع، وليس حسابات المصرف المركزي نفسه.

إقرأوا أيضاً:

ولهذا السبب، عندما راسل وزير الماليّة شركة التدقيق الجنائي “آلفاريز آند مارسال” لإبلاغها بصدور القانون، وللسؤال عن إمكان عودتها إلى مسار التدقيق الجنائي في لبنان، اتسم رد الشركة بالحذر، إذ طلبت– قبل الإجابة- ضمانات مكتوبة تؤكّد نيّة مصرف لبنان تسليمها حسابات المصارف الموجودة لديه، وهو ما عكس فهم الشركة للثغرات المتعمّدة التي انطوى عليها القانون. كما طلبت الشركة ضمانات تتعلّق بالإجابة على أسئلة أخرى طرحتها مثل الهيكلية التنظيميّة لمصرف لبنان، وتوزيع الصلاحيات فيه، والسماح لها بالعمل من داخل المصرف المركزي، وهي كلّها أمور لم يعالجها نص القانون المستجد. 

وفي المحصّلة، لم تتسلّم الشركة أياً من هذه الضمانات، بل أحيلت الأسئلة إلى هيئة التشريع والاستشارات، التي كررت رأيها السابق– الذي أعلنت عنه قبل فشل الجولة السابقة من التدقيق- والذي ينص على أن قانون السرية المصرفيّة لا يشمل أساساً حسابات المصارف لدى مصرف لبنان. لكنّ جواب الهيئة سيظل رأياً غير ملزم بالنسبة إلى الحاكم، خصوصاً أنّه تعمّد في السابق عدم الامتثال له حين رفض تسليم “آلفاريز آند مرسال” المستندات المطلوبة لاستكمال التدقيق. وبالتالي، لم تنل حتّى اللحظة “آلفاريز آند مرسال” الضمانات التي تحتاجها للعودة إلى العمل في لبنان.

المجتمع الدولي يدخل على الخط

لم يعد سرّاً أن معظم الجهات الدوليّة المعنيّة بالملف المالي اللبناني، وخصوصاً صندوق النقد والأوروبيين، باتت ترى في الحاكم عائقاً كبيراً لشروط الحل للأزمة الماليّة اللبنانيّة: من انعدام الشفافيّة في كل ما يتعلّق بطبيعة الخسائر المتراكمة في حسابات مصرف لبنان، إلى عرقلته المفاوضات مع صندوق النقد والتفافه على خطة الحكومة الماليّة وتقديراتها للخسائر، وصولاً إلى طبيعة المعالجات التي يقوم بها حاليّاً والتي تفاقم من أزمة سعر صرف الليرة. ولعلّ هذه الجهات باتت ترى في شخص الحاكم نقطة تلتقي عندها مصالح شبكة واسعة من النافذين في النظامين المالي والسياسي، الذين يرفضون اليوم تقديم أبسط التنازلات للخروج من الأزمة الحاليّة، لا بل الذين باتوا على استعداد للتضحية بمستقبل البلاد اقتصاديّاً وماليّاً لحماية مكتسباتهم من المرحلة السابقة. ولعلّ المكائد والمناورات السياسيّة التي تصب في مصلحة الحاكم في النهاية مجرّد دلالة على حجم التشابك الوثيق بين خطط الحاكم ومصالح رموز الحكم في لبنان.  

لم تنل حتّى اللحظة “آلفاريز آند مرسال” الضمانات التي تحتاجها للعودة إلى العمل في لبنان.

ولهذا السبب، وبعدما اكتفى صندوق النقد والفرنسيون وسائر الجهات الدوليّة خلال المرحلة الماضية بالحديث عن تدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان، من دون تحديد التدقيق الجنائي كشرط، انتقل الاتحاد الأوروبي في بيانه الشهير خلال شهر كانون الأول الماضي إلى الحديث بلهجة أوضح وأدق عن التدقيق الجنائي في مصرف لبنان كشرط أساسي من شروط إخراج لبنان من محنته. ولعلّ تحديد التدقيق الجنائي بهذا الشكل في بيان الاتحاد الأوروبي مجرّد دلالة على أن المجتمع الدولي بات يقرأ أزمة الشفافيّة في مصرف لبنان، كأحد العوامل الحاسمة التي تساهم اليوم في مفاقمة الأزمة، وتعقّد المشهد إلى حد بعيد. مع العلم أن المعلومات التي يخفيها مصرف لبنان بشكل متعمّد، والتي يتآمر معه أقطاب الحكم لإخفائها، ليست سوى تفاصيل الخسائر التي يطلب لبنان من المجتمع الدولي مساعدته على معالجتها. 

من هذه الزواية، يمكن ربط التعقيد الذي بدأ يظهر من جديد في ملف التدقيق الجنائي بما نشهده اليوم من تحريك لملفّات الحاكم الماليّة في محاكم سويسرا، والتي بات البعض يربطها باتجاه أوروبي مستجد وحاسم: إذا لم يفتح لبنان التدقيق الجنائي في مصرف لبنان بنفسه، فملفات المعنيين بعرقلته ستُفتح في الخارج. وبذلك، وبوجود هذه المعادلة بالتحديد، وعلى رغم كل المكائد والمناورات المحليّة، قد ينجح السياسيون في لبنان بعرقلة هذا التدقيق، لكنّه لن يُدفن قريباً بالتأكيد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عبدالرحمن الجندي – كاتب مصري
خالط الفرح الريبة والتوجس، أمسى جيلنا يخاف الأمل ويرهبه، توالت على رؤوسنا الخيبات تباعاً حتى خاصمنا الأمل ولم نعد نراه إلا بعين الشك.
Play Video
في عالم تسوده تقنيات حديثة يمكن استهداف أي شخص حتى الملوك والرؤساء والزعماء. محاولات الاختراق حصلت عبر برنامج مجموعة NSO الاسرائيلية ولكن لصالح حكومات اشترت هذه الخدمة بملايين الدولارات. الأرقام شملت هواتف رؤساء دول وملوك وزعماء ورؤساء حكومات. الأرقام المستهدفة تشمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان ضمن نحو 10 آلاف هدف تقف المغرب وراء محاولة اختراقها.

4:30

Play Video
تثير شركة NSO الاسرائيلية منذ تأسيسها الكثير من الجدل. الفريد في حالة NSO هو العلاقة الوثيقة والصريحة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. عدد كبير من موظفي الشركة هم ضباط متقاعدون في جهازي “الشين بيت” و”الموساد”

5:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني