fbpx

هل فقدت الديموقراطية جاذبيتها؟

أزمة الديموقراطية اليوم أزمه شاملة تواجهها الديموقراطيات العريقة، وتلك الناشئة أو المستجدة أيضاً. وعلى قدر الإجابة التي ستأتي من العالم الغربي، وعلى قدر الحلول التي ستقدم من هناك، ستكون الاستجابة.

حين كان يطرح عنوان “أزمة الديموقراطية” في العقود الأخيرة، كان القصد غالباً الأنظمة في الدول النامية ذات الديموقراطيات الناشئة والوليدة. لكن الحديث عن أزمة الديموقراطية اليوم، تُقصد به دول الديمقراطيات العريقة ذاتها.

منذ نهايه الحرب الباردة (1990) وحتى عام 2006 كانت كل المؤشرات تمضي في الطريق الذي تنبأ به فرانسيس فوكوياما، تحت مسمى نهاية التاريخ، وكان يقصد به أن دول العالم تتحول تدريجاً إلى الديموقراطية كنظام سياسي والرأسمالية كنظام اقتصادي، وأن الديموقراطية والرأسمالية هما نهاية التطور الايديولوجي للبشرية.

وهذا ما حصل فعلاً طوال 26 عاماً، زادت الأنظمة الديموقراطية لتصل عام 2006 إلى أكثر من 114 ديموقراطية، أي نحو 60 في المئة من عدد الدول في العالم. لكن التراجع الديموقراطي الذي بدأ عام 2007 لم يكن مصادفة، لأنه كان نتيجة خيبة أمل الشعوب في نموذج الليبرالية الجديدة، وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وصعود الحركات اليمينية والدينية، وزيادة حدة التوتر الطائفي.

لكن أزمة الديموقراطية في البلدان العريقة، تختلف عنها في الديموقراطيات الناشئة.

هناك من يرى أن الأزمة التي تواجهها الديموقراطية اليوم مختلفة جذرياً عن الأزمات السابقة، لأن سببها تآكل المؤسسات التقليدية التي كانت تحميها.

 تتجلى الأزمة في الديموقراطيات الناشئة في الانهيار السريع للتجربة الديموقراطية، وسقوط الدولة في الفوضى أو عودتها إلى الديكتاتورية (هونغ كونغ، اليمن، تركيا، فنزويلا، اوكرانيا، مصر، السودان، أوروبا الشرقية).

أما بالنسبة إلى الديموقراطيات العريقة، فالأزمة أكثر تعقيداً. صعود الأحزاب والقيادات اليمينية (بريطانيا، أميركا، هولندا، ألمانيا)، وسيطرة السوشيل ميديا والأخبار المزيفة على وعي الناخبين، وتفاقم مشكلة اللامساواة الاقتصادية، كلها تهز أسس الديموقراطية لمصلحة اليمين المتطرف واللاديموقراطي. في عشرينات القرن الماضي أدت أزمات مشابهة إلى صعود النازية والفاشية في غرب أوروبا التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية.

الديموقراطية في أزمة شرقاً وغرباً، لكن هناك فارقاً بين الأزمتين. إن الأزمة الديموقراطية في الغرب تعيد النظر في آليات الديموقراطية، لكن من دون الخروج على مبادئها، بينما في الشرق تسقط التجربة الديموقراطية نفسها وتصبح مبادئها نفسها في محل التشكيك والهجوم.

لكن هناك من يرى أن الأزمة التي تواجهها الديموقراطية اليوم مختلفة جذرياً عن الأزمات السابقة، لأن سببها تآكل المؤسسات التقليدية التي كانت تحميها.

على سبيل المثال، كانت الصحافة الحرة أحد أعمدة الديموقراطية التقليدية. فمن طريقها يتلقى المواطن المعلومات الصحيحة عن القضايا المهمة ويتخذ القرار بناء على هذه المعلومات. وكانت المؤسسات الصحافية ملزمة بتدريب مهني عالٍ لموظفيها، وبمعايير مهنية ومواثيق شرف تمنعهم من اتخاذ قرارات تضر بالجمهور أو تظلله. وكان للتفريق بين (الخبر والرأي والإعلان) أسس ثابتة للصحافة المهنية الضرورية لأي مجتمع ديموقراطي. 

إقرأوا أيضاً:

لكن ثورة السوشيل ميديا قذفت بالصحافة التقليدية (إذاعة وتلفزيون وصحف) إلى الشوارع الخلفية، وأصبحت منصاتها هي المنصات الرئيسة التي يستقي منها المواطنون معلوماتهم ويحددون خياراتهم السياسية. 

كانت الحملة الانتخابية لترامب (2016) هي أول حملة يتم كسبها عبر السوشيل ميديا، من دون أن يحتاج المرشح الفائز إلى قنوات “الاتصال السياسي” التقليدية. كما أن حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “البريكست” بدأت وانتهت وحسمت عبر السوشيل ميديا، وعبر قدرة المحافظين على استغلال هذه الوسائل لتوجيه الرأي العام نحو التصويت للخروج.

في السوشيل ميديا، لا يوجد فرق واضح بين الخبر والرأي والإعلان، ولا يستطيع المواطن تحديد خياراته السياسية على أساس عقلاني، ووصل الأمر إلى الحديث عن دخول العالم حقبة “ما بعد الحقيقة”، العالم الذي تنفصل الحقيقة فيه عن الواقع ويصبح “الحقيقي” هو ما يتم تداوله عبر السوشيل ميديا.

العمود الثاني للديموقراطية الليبرالية هو الأحزاب السياسية. لكن الأحزاب السياسية التقليدية في الغرب تمر في تحولات جذرية تجعلها أحياناً في مواجهة مع المبادئ الديموقراطية. تبدو التحولات واضحة في الحزبين الأميركيين الكبيرين (الديموقراطي والجمهوري). فبعد فترة طويلة من التشابه الأيديولوجي والسياسي يتجه الحزب الجمهوري إلى تبني سياسات أكثر يمينية ويقترب أكثر من أجندة دينية وسياسية واقتصادية معادية للعولمة والهجرة، في حين يتجه “الحزب الديموقراطي” إلى سياسة تقترب من يمين اليسار وتركز على سياسات الهوية والتعامل مع الأميركيين كمجموعات عرقية وثقافية (من سود، لاتين، مثليين، مسلمين، بيض). وكلا التحولين يتعارض مع الكثير من مبادئ الديموقراطية الليبرالية.

طوال 26 عاماً، زادت الأنظمة الديموقراطية لتصل عام 2006 إلى أكثر من 114 ديموقراطية، أي نحو 60 في المئة من عدد الدول في العالم.

غير أن أخطر التحديات هو ظهور نماذج تسلطية جذابة وناجحة ومستقرة. 

كان سبب انتشار النموذج الليبرالي الرأسمالي هو جاذبيته الشديدة مقارنة بالنماذج الأخرى التي تنافست معه (الشيوعية، القومية، التسلطية). وقد سادت في العقود الثلاثة التالية لنهاية الحرب الباردة قناعة بأن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل دولة ديموقراطية، وأن هناك تلازماً لا ينفصل بين التنمية والديموقراطية السياسية. لكن الصين اليوم استطاعت تقديم نموذج ناجح للنمو الاقتصادي والخروج من الفقر، في إطار نظام غير ديموقراطي وتسلطي، وفي الوقت نفسه قدمت نظاماً مستقراً إلى حد كبير تتقلص فيه الهزات والتحديات.

إلى جانب النموذج الصيني، يصعد النموذج الروسي (الوطنية + التسلطية + النفوذ الجيوستراتيجي)، على رغم أنه أقل جاذبية من النموذج الصيني لكنه يقدم نموذجاً لدولة قوية ومؤثرة عالمياً في إطار نموذج شمولي غير ديموقراطي. 

بالنسبه إلى العالم الإسلامي، يبدو النموذج التركي أخطر النماذج الشمولية التي تمارس جاذبية كبيرة على الحركات الإسلامية والقومية في المنطقة. وقد تسبب النموذج الأردوغاني في تراجع الوعي الديموقراطي عند الحركات الإسلامية وهي أكثر الحركات السياسية المعارضة المسيطرة على الشارع العربي، بعدما أعادها إلى فانتازيا الخلافة وصعود الإسلام.

بعد عقدين من الصعود الديموقراطي، سقطت معظم الديموقراطيات الناشئة في الوطن العربي نتيجة فشل الربيع العربي والحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية والصراعات الطائفية. إن الفكرة الديموقراطية اليوم في أضعف مراحلها في الوطن العربي بعد صعود أنظمة “المستبد العادل” في مصر والسعودية وبروز التغيير الموجه من فوق في دول مثل الإمارات وعمان وقطر.

أزمة الديموقراطية في البلدان العريقة، تختلف عنها في الديموقراطيات الناشئة.

أزمة الديموقراطية اليوم أزمه شاملة تواجهها الديموقراطيات العريقة، وتلك الناشئة أو المستجدة أيضاً. وعلى قدر الإجابة التي ستأتي من العالم الغربي، وعلى قدر الحلول التي ستقدم من هناك، ستكون الاستجابة. 

ظل منظرو الديموقراطية يقولون إن النظام الديموقراطي، على رغم عيوبه يظل النموذج الأمثل للانتقال السلمي للسلطة وإدارة الشأن العام وإصلاح الاقتصاد. وعلى رغم أنها ليست الأزمة الأولى التي تعترض الديموقراطية إلا أنها الأزمة الأشد عمقاً وتعقيداً، بخاصة أن التحديات تأتي من داخل الديموقراطيات العريقة وبسبب تآكل مؤسساتها التقليدية من دون ظهور البديل.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
طوال نحو عام، اعتاد المحتجون، الذين اعتصموا بالآلاف في ساحة التحرير أو كانوا يتجمعون في محيطها، على مشاهد الموت وسقوط رفاقهم بالرصاص الحي وقنابل الغاز وبأسلحة القنص، حتى تجاوز عدد القتلى 560 والجرحى العشرين الفاً.
Play Video
حملة ترحيب رافقت تولي نفتالي بينيت رئاسة الحكومة في إسرائيل خلفاً لبينيامن نتنياهو على اعتبار أنها حكومة مركز ويسار! إلا أن اليسار الإسرائيلي أصلاً صار الحلقة الأضعف بالمشهد السياسي الإسرائيلي… حازم الأمين يُناقش.

03:44

Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني