الكابتن طوني كتورة: “التهريج” في مواجهة الجنون!

كأن الرجل بـ"جنونه" الفردي يستفزّ جنوننا جميعاً، ويطلق العنان لتعبير متفلّت لا يستقيم على منطق أو سياق، وأشبه بصراخ في برّية...

فرديريك نيتشه يقول إن “المجنون هو الذي فقد كل شيء ما عدا عقله”. الانطلاق من هذا القول مجازفة كبيرة لمحاولة فهم ظاهرة طوني كتورة، الذي يملأ دنيا لبنان ويشغل ناسه في هذه الأيام مع “الحفلات” التي يقدّمها مباشرة على الهواء عبر حسابه على “فايسبوك”. الرجل يتهمه كثيرون بالجنون. وآخرون يتهمونه بالهبوط بـ”الفن” إلى مستويات سحيقة. ولا ينجو طوني من تهمة “التهريج”. ولا بدّ أن التهم الثلاث تنطبق عليه، لكنها في الآن عينه تشكّل مادة صلبة للدفاع عنه وعن “حفلاته” وما تخلّفه من تعليقات على صفحته، تصل أحياناً إلى ما فوق المئة وخمسين ألف تعليق، كلها تحاول التواصل والتماهي مع “جنونه” و”هبوطه” و”تهريجه”. وطوني كتورة كان موجوداً من زمان، يعرض “حفلاته” هذه على حسابه، ولا تتابعها إلّا قلّة قليلة، إلى أن “انفجر الترند” الخاص به فجأة، وصار نجم السوشيل ميديا في الأيام الأخيرة من دون منازع، وأدواته بسيطة و”رخيصة” (بالمعنى الإنتاجي) لا توحي ابداً بأنها قادرة على تحقيق هذا النوع من “النجاح الجماهيري”.

وقد استطاع “الكابتن طوني” كما يسمّي نفسه أن يستقطب فئات مختلفة من المجتمع اللبناني، مستفيداً من فترة الإغلاق التي يمضيها اللبنانيون في منازلهم، فيخاطب “جنونهم”، وهنا عودة إلى المجازفة النيتشوية، حيث يتماهى جنون اللبنانيين بعدما خسروا كل شيء (ما عدا عقولهم؟) مع “الجنون” الذي يقدمه الكابتن، ليبدو كأن الرجل بـ”جنونه” الفردي يستفزّ جنوننا جميعاً، ويطلق العنان لتعبير متفلّت لا يستقيم على منطق أو سياق، وأشبه بصراخ في برّية. وفي مضمون خطابه الفارغ المترافق مع خروج عن الإيقاع، من حيث يدري أو لا يدري، يسخر كتورة من ما يمكن تسميته “الأعمال الكاملة” للخطاب اللبناني السياسي والمجتمعي العام الذي تراكم على مرّ السنوات الماضية، والذي يشبه في تشتّته واضطرابه ولا منطقيته كل ما قيل ويقال على محطات التلفزة وفي مواقع التواصل الإجتماعي في المسألة اللبنانية، التي ما عادت تركن إلى عقل ولا إلى حقيقة. وهذه الأخيرة تحددها السلطة بحسب المفهوم النيتشوي نفسه، وأيضاً بحسب ميشال فوكو (صاحب “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”) الذي يرى أن السلطة هي التي تحدد الحقيقة، و”الجنون” هو عملياً خروج على هذه الحقيقة المحددة سلفاً، والمراد لها أن تكون مطلقة. وهكذا فإن الجنون في زمان ما قد لا يكون جنوناً في زمان آخر. وعليه، فإن هذا “الجنون” الذي يقدّمه الكابتن كتورة اليوم، بما هو خروج على “الحقيقة اللبنانية” التي حاولت تقديمها وتقديسها السلطة اللبنانية طوال عقود، ليس جنوناً فعلياً، بقدر ما يمثّل وصفاً اعتباطياً لحالته تحاول عبره السلطة (بكل عناصرها) نفي جنونها الفعلي الذي حوّل البلاد إلى خراب على المستويات كلها، وهبط بها إلى قعر القعر.

“المجنون هو الذي فقد كل شيء ما عدا عقله”.

هذا يجيب عن تهمتيّ “الجنون” و”الهبوط”، ويبرّئ “الكابتن” منهما. تبقى تهمة “التهريج”. هل طوني كتّورة “مهرّج”؟ الشاعر المصري صلاح جاهين يجيب في “رباعياته”: “أنا قلبي كان شخشيخة/ أصبح جرس/ جلجلت بيه صحيوا الخدم والحرس/ أنا المهرّج… قمتو ليه خفتو ليه؟؟/ لا في إيدي سيف ولا تحت مني فرس/ عجبي!”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
كم يبدو مستفزاً أن تتقاطع مصالح الطوائف اللبنانية عبر تمرير جريمة انفجار المرفأ في مقابل تمرير عملية السطو على الودائع، وأن يُضرب صمت على غرق مركب الموت مقابل التضامن مع المفتي في حربه على الزواج المدني. يجري ذلك وسط انهيار كل شيء، ووسط تغوّل الطبقة السياسية، ووسط نجاة المرتكبين.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني