هل تورطت ميليشيات الخراساني في تصفية قاسم سليماني؟

تُعتبر ميليشيات الخراساني إحدى المليشيات المتنفذة في بغداد، تمارس عمليات ابتزاز لأصحاب الشركات والمحال والفنادق، يقودها المدعو "أبو عراق"، ويمتد نفوذها إلى ضواحي العاصمة.

مساء 14 كانون الأول/ ديسمبر 2020 اقتحم رتل من السيارات العسكرية السود، المقر العام لسرايا الخراساني وترجل منها مسلحون مدججون بالسلاح، واقتحموا المبنى الواقع في المربع الرئاسي في منطقة الجادرية وسط بغداد.

لم يكن الهدف عادياً، كانوا يبحثون عن علي الياسري الأمين العام للحركة، اقتادوه و32 عنصراً آخرين من جماعته إلى جهة لم تَعُدْ مجهولة، إنها “أمن الحشد الشعبي”، حيث اعتقل مساعد الياسري السابق وآمر اللواء 18 في الحشد حامد الجزائري قبل ليلة واحدة.

في 16 من الشهر نفسه، أصدرت “هيئة الحشد الشعبي” بياناً أعلنت فيه إغلاق 6 من مقراتها “المخالفة للضوابط والتعليمات”، مشيرةً إلى اعتقال عدد من “المخالفين” من دون ذكر أسمائهم أو صفاتهم، نافيةً أن تكون أسباب الاعتقال سياسيةً أو جنائية وشددت على أنها “عمليات انضباطية”.  

لم يصدر، من الحشد أو أي جهة أخرى، توضيح أو تفاصيل أخرى، وهذا ما خلق فراغاً مغرياً للتحليلات: “هل هي عملية تفكيك للفصيل بقرار إيراني؟” أو “هل تحاول الدولة ان تبسط قبضتها؟” … والكثير من هذا القبيل.

العملية لم تقف عند حد الـ32 معتقلاً والقائدَيْن، بل امتدت إلى إحدى مزارع أطراف بغداد التي يسيطر عليها الخراساني، لتعتقل 10 عناصر آخرين.

“هل هي عملية تفكيك للفصيل بقرار إيراني؟” أو “هل تحاول الدولة ان تبسط قبضتها؟”

الظهور المقدّس

في عام تفريخ المليشيات، 2013، ظهرت سرايا الخراساني إلى الواجهة، ويقول علي الياسري، قائدها المعتقل، إن أصولها تمتد إلى عام 1986 وأسسها آنذاك ممثل محمد باقر الحكيم  ياسين الموسوي، تحت اسم “سرّية الكرار” وهي تابعة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ثم انفصلت عام 1995 متخذةً اسم “سرايا الطليعة”.

بدأت سرايا الخراساني نشاطها المسلح في سوريا دفاعاً عن نظام بشار الأسد تحت ذريعة “الدفاع عن مرقد السيدة زينب”، ثم انتقلت إلى العراق بعد سيطرة “داعش” على مساحات شاسعة منه منتصف 2014 تحت قيادة الإيراني/ الأهوازي حميد تقوي، الذي قُتل في كانون الأول 2015.

سُمعةٌ سيئة

تتمتع ميليشيات الخراساني بسمعة سيئة، حتى داخل الأوساط الميليشياوية. ظهر ذلك بوضوح منذ عمليات تحرير الفلوجة (50 كلم غرب بغداد)، عام 2016، التي شاركت فيها مع فصائل أخرى.

يصف أحد العناصر المنشقين من الخراساني، والذي طلب حجب اسمه خوفاً من الملاحقة، تلك الفترةَ بـ”الحقبة الذهبية لقادة الميليشيات، إذ لم يتركوا شيئاً دون سرقته والاستيلاء عليه”.

يضيف: “في إحدى المرات استولوا على آليات ومعدات للجيش العراقي في إحدى مناطق الفلوجة واقتادوها إلى مقراتهم الرئيسية وكان من بينها 5 آليات من نوع شوفريه سلفرادو، غيروا لونها إلى الأسود وأتلفوا لوحاتها وباعوها لفصيل مسلّح آخر في بغداد”.

تُعتبر ميليشيات الخراساني إحدى المليشيات المتنفذة في بغداد، في الجادرية، منطقة مقرها الرئيس، تمارس عمليات ابتزاز لأصحاب الشركات والمحال والفنادق، يقودها المدعو “أبو عراق”، ويمتد نفوذها إلى ضواحي العاصمة.

المواجهة

في 21 أيار/ مايو 2020، وفي إحدى مزارع قضاء المدائن الواقع جنوب شرقي بغداد، وقعت مواجهات بالأسلحة المتوسطة والخفيفة، بين قوات أمنية وعناصر من “الخراساني” بقيادة ميثم العكيلي، قُتل على إثرها عنصر من كل طرف وانتهت باعتقال العكيلي وبعض رفاقه.

وفي 10 أيلول/ سبتمبر حكمت محكمة جنايات الرصافة عليه بالإعدام، وذكر بيان القضاء آنذاك أن “المجرم المذكور يترأس عصابة مسلحة ارتكبت الكثير من جرائم الخطف والسرقة بارتداء زي القوات الأمنية الرسمية وباستخدام السيارات المصفحة”.

سيرةٌ ملطّخة

في مناطق نفوذه الممتدّة لأكثر من مساحة قضاء المدائن، مارس ميثم العكيلي ومجموعته عمليات ابتزاز وخطف وتسليب، لم يكن ذلك خافياً بحسب أحد الشهود من سكّان ناحية “الوحدة” التي يقطنها العكيلي، “كانوا يتجوّلون بسلاحهم ولا يردعهم أحد وينفّذون عمليات اعتقال وينصبون حواجز عسكرية ويبتزون المارّة” يقول جارُه الذي طلب حجب اسمه، ويضيف: “كانت سرايا الخراساني بقيادة ميثم العكيلي تبتز شركة النفط الصينية، التي تعمل في حقل قريب، على استخراج النفط حتى وصل الحال إلى فتح النار على الشركة وخطف موظفيها”.

تعمل شركة “جنهوا” الصينية في حقل شرق بغداد منذ نحو عامين وتقوم باستخراج ما يصل إلى 10 آلاف برميل يومياً، إلا أنها تتعرض وباستمرار إلى قصف صاروخي من جهات تحاول “ابتزاز” الشركة، بحسب تصريحات سابقة لقائمقام قضاء المدائن فاضل برع.

بعد اعتقاله، تراجع نفوذ سرايا الخراساني في قضاء المدائن، وغابت أخبار تعرّض شركة النفط أو أي شركات أخرى للابتزاز هناك.

ليس ذلك فحسب، إذ يعتقد شاهد آخر من سكان المدائن أن نفوذ الخراساني في المنطقة كان “يصلُ لدرجة ابتزاز مسؤولين حكوميين وإجبارهم على تنازلات تخدم العكيلي وجماعته”.

بعد اعتقاله، تراجع نفوذ سرايا الخراساني في قضاء المدائن، وغابت أخبار تعرّض شركة النفط أو أي شركات أخرى للابتزاز هناك، ربما لأن أسلوبهم كان أكثر خشونةً من الميليشيات الأخرى. “لم يقف الابتزاز. حتى مع وجود ميثم العكيلي والخراساني، كانت هناك فصائل أخرى تبتز الشركة وبمعيّة جهات حكومية، وأكثر هذه الميليشيات نفوذاً في المنطقة كانت عصائب أهل الحق”، بحسب عامل سابق في شركة “جنهوا” وهو من سكان المدائن.

الجادرية مرّة أخرى

يتوزع تمركز اللواء 18 في الحشد الشعبي، المتمثل بميليشيات الخراساني، على مناطق متعددة من العراق، لكنّ أبرزها موقعان: الخالص في محافظة ديالى والقائم أقصى غرب الأنبار.

للقائم أهميتان بالنسبة إلى الميليشيات القريبة من إيران: معبر مهم إلى سوريا وموقعها في خاصرة قاعدة عين الأسد التي تتمركز فيها القوات الأميركية، وكل نشاطات ميليشيات الخراساني هناك تُدار بتوجيه يصدر من منطقة الجادرية في بغداد، من المقرّ الرئيس.

سجون سرّية

ليس موقعُ الخراساني في الجادرية مجرّد موقع إداري، بجانب بناية المقرّ العام هناك منزلٌ كبيرٌ تحوّل إلى قناة تلفزيونية تحت اسم “الطليعة”– تموّل من المبالغ التي توفّرها فروقات رواتب عناصر الميليشيات التي تتلقاها من الدولة العراقية- وكذلك مواقع أو عقارات أخرى كمرآب سيارات شاسع خاص بآليات الميليشيات.

بحسب شهادات 3 مصادر مختلفة، فإن المرآب الخاص بالسيارات كان أكثر من مجرد مرآب، ففي داخله سجنٌ سريّ خارج سيطرة الدولة وأجهزتها الأمنية.

تُعتبر ميليشيات الخراساني إحدى المليشيات المتنفذة في بغداد.

السبب الخَفي

كل ما تقدّم وخبايا أخرى، تشكّل مقدمات مبررة لمحاسبة ميليشيات الخراساني وقادتها وملاحقتهم، لكن واقع أجهزة الدولة أضعف من ذلك، وأبسط دلالة على هذا الضعف هو أن الجهة التي اعتقلت الياسري ومساعده والـ42 عنصراً التابعين له هي “أمن الحشد” الخاضع لنفوذ وسلطة “كتائب حزب الله”، وإذا دل هذا على شيء فهو أن العملية انعكاس لانقسام أو خلاف دخل الميليشيات، وليست لتطبيق العدالة.

عند التقصّي عن السبب الحقيقي وراء الاعتقالات، تنقسم الآراء داخل الحشد بين من يعتبر أنها جاءت بسبب “اكتشاف فساد وخلاف على أموال”، ومن يشير إلى تورط الياسري والجزائري في عملية اغتيال قائد فيلق القدس في حرس الثورة الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس “هيئة الحشد الشعبي” السابق أبو مهدي المهندس، في 3 كانون الثاني/ يناير 2020.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
تستعدّ البلاد لتحديات أكثر صعوبة، في ظل استمرار مسار الفساد وغياب الإصلاحات الحقيقية.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني