“هل جرّبت الجوع؟”… طرابلس مدينة زهر الليمون والموت

يسألني أحد الشباب، "هل جربت الجوع؟ هل بكى أطفالك يوماً من الجوع؟ عندما يصرخ طفلك من الألم وانت لا تملك ثمن حبة دواء أخبرني عن كرامتك...".

لا تشبه طرابلس أي مدينة في لبنان، قد تكون المدينة اللبنانية الوحيدة التي يمكنك أن تشتم رائحتها، من رائحة الحلويات إلى البهارات العابقة في أسواقها إلى زهر الليمون المنتشر في معظم أحيائها، وصولاً إلى رائحة السمن البلدي الذي يكثر الطرابلسيون من استعماله في طبخهم. 

لعنة ما حلّت على هذه المدينة، لعنة تحاول أن تمحو هذه الروائح الزكيّة وتستبدلها برائحة البارود والعفن والموت. تتلاشى رائحة زهر الليمون لتحلّ مكانها رائحة العفن المنبعث من بيوت لا تدخلها الشمس ويتكدس داخلها فقراء لم يكرهوا مدينتهم بل كرهوا سياسييها ورجال أعمالها ومثقفيها. غريبة هذه المدينة لا أحد يتكلم عنها بصيغة المضارع أيّ الحاضر أو بصيغة المستقبل. الجميع يذكرونها بصيغة الماضي، كأن لا أحلام لها ولا مستقبل، بل لها ماضٍ فقط، يتباهى به الطرابلسيون، يفخرون بالجوامع المملوكية والعثمانية، بالخانات، بشارع الكنائس، بالقلاع، بالأسواق، بالحمامات الشعبية. تاريخ هذه المدينة يشهد على عزّها والتنقل فيها يعطيك الإساس بروح المدينة الشعبية.

يسألني أحد الشباب، "هل جربت الجوع؟ هل بكى أطفالك يوماً من الجوع؟ عندما يصرخ طفلك من الألم وانت لا تملك ثمن حبة دواء أخبرني عن كرامتك...".
باب التبانة، طرابلس

لا فقر يشبه فقر طرابلس. مدينة توالت عليها اللعنات، فمن لعنة السياسيين الذين يعتمدون مبدأ “الإعالة” و”الاستزلام” محيطين أنفسهم بزمر من “قبضايات الأحياء” الأميين العاطلين من العمل الذين يستعملون كوقود للصراعات المذهبية أو لتوجيه الرسائل، مع إضافة تغلغل الأجهزة الأمنية وعلاقتها مع بعض هؤلاء القبضايات، إلى لعنة التهميش التي رافقت طرابلس منذ إنشاء دولة لبنان الكبير وضمها وعكار إلى الدولة المنشأة حديثاً، وتمركز الإنماء في بيروت على حساب بقية المناطق، وصولاً إلى لعنات الطبيعة التي بدأت مع فيضان نهر أبو علي في الخمسينات وتشريد آلاف العائلات وبدء ظهور أحزمة البؤس والفقر حول المدينة وفي وسطها التاريخي. تحوّل سوق الذهب إلى سوق التبانة، وتحوّل نهر ابو علي من مقصد العائلات الطرابلسية في العطل والاعياد و”السيران” الى مصرف للمياه المبتذلة، اختفت حقول الليمون والحمضيات والتهمت البيوت العشوائية المساحات الخضراء.

أعمل في طرابلس منذ سبع سنوات، جلت في أحياء لا ترى ضوء الشمس، دخلت منازل وسمعت قصصاً لو أخبرني إياها أحدهم لما ترددت في قول إن فيها مبالغة. في التبانة شاب أخبرني أن أهل المنطقة في أيام الصيف الحارقة يملأون شرفات المنازل ماء وينامون فيها هرباً من الحرّ. شباب من منطقة المنكوبين يعيشون في منازل متداخلة ومكتظة ومعظمهم عاطلون من العمل، أما من وجد منهم عملاً فبالطبع في بيروت. فترى شباناً طرابلسيين يعملون موظفي أمن طيلة 10 ساعات متواصلة، لحراسة منزل أو مصرف أو مركز تجاري ليحصلوا على رواتب أقلّ بكثير من الحد الأدنى للأجور، وذلك طمعاً بالضمان الصحيّ: “حتى إضمن عيلتي وإذا صار شي ما ضل مضطر بوس أيادي لفوّت ولادي عل مستشفى”. حتى فرصة العمل كعتال في المرفأ أو سوق الخضار تتطلب وساطة سياسية، باعة القهوة والكعك والعربات الصغيرة المنتشرة في طرابلس بكثرة بحاجة إلى “دعمة” من البلدية أو من الأجهزة الأمنية للموافقة على عملهم. أحد الشباب الذي يعيل عائلته من مردود دراجة جهزها لبيع القهوة يسألني في كل مرّة أن أتوسط له عند “الامم” ليسفروه مع عائلته خارج البلاد: “بدي عيش يومين مثل الخلق أنا وولادي”.

لعنة ما حلّت على هذه المدينة، لعنة تحاول أن تمحو

هذه الروائح الزكيّة وتستبدلها برائحة البارود والعفن والموت.

إن أردت البحث عن طرابلس على أيّ من محركات البحث فلن تجد صور الأسواق أو الجوامع أو الخانات، أول ما ستراه في نتائج البحث هو أرقام عن الفقر، البطالة، التسرب المدرسي، المخدرات. دخلت المدينة في هذه الدوامة وبخاصة مع انتهاء الحرب اللبنانية والتهميش الكبير الذي مارسته السلطة اللبنانية المركزية والوجود السوري الذي بدا وكأنه كان ينتقم من المدينة. طرابلس مدينة أشباح صناعية وتمكن رؤية ذلك عند مدخلها مع الهنغارات الكبيرة الفارغة التي كانت قبل الحرب مصانع تؤمن العمل لآلاف الطرابلسيين. حتى سوق الخضار الجديد والذي انتهت أعمال بنائه منذ سنين لا يزال مقفلاً وعالقاً في الأدراج. التسرب المدرسي يزداد، لا سيما في ظل التعلم من بعد، فعائلات كثيرة لا تستطيع تأمين هواتف وألواح ذكية لأطفالها لمتابعة التعليم، منهم من لا يملك ثمن الانترنت والنتيجة أن المزيد من الأطفال دخلوا باكراً إلى لعبة الشارع.

لم يطلق لقب “أم الفقير” على طرابلس لكثرة الفقراء فيها بل لأن طرابلس دائماً ما كانت حاضنة للفقراء الذين نزحوا إليها من عكار ومن الضنيّة، وصولاً إلى موجات النزوح السوري منذ عام 2011. في إحدى الجلسات الحوارية مع شباب من الأسواق، كان ظاهراً الحب الكبير الذي يكنه هؤلاء الشباب لمدينتهم وروح الانتماء إليها. أحد الشباب الذي كان يتابع تدريباً مهنياً لعلّه يوفق بإيجاد عمل، شرح لي أن طرابلس أم الفقير لأن “الناس بتحس ببعضها”. يخبرني عن سائق “التاكسي”، الذي يأخذ نصف أجرة نزولاً من الجامعة اللبنانية وأجرة كاملة صعوداً، لأن هذا السائق الفقير يشعر بفقر الطلاب ويساندهم. لهولاء الشباب أحلام، معظمهم يحلمون بالهجرة أو بعمل لائق، أو بـ”حياة طبيعية”، لا يوصَمون فيها بأنهم إرهابيون ودواعش، ولا يتلقون معاملة سيئة على حواجز الجيش أو القوى الامنية.

بعضهم لا يجرؤ على التنقل خارج المدينة حوفاً من وثيقة اتصال أو ملف أمني قد يكون موجوداً ويستهدفه. يخبر هؤلاء الشباب قصصاً موجعة عن عائلات تنام بلا عشاء أو يكون تناول الطعام مداورة بين افراد العائلة، فمن استطاع الحصول على وجبة الغداء سيحرم من العشاء ليأكل إخوته، عن منازل شبه مهدمة ومزعزعة يخاف سكانها أن تنهار عليهم جرّاء البرق والرعد، عن أطفال يتقاسمون الأحذية في ما بينهم، عن عائلات تسكن الخانات والمباني الاثرية. أكثر ما يهينهم هو أن يقال، “الطرابلسي حقو مية ألف وقت الانتخابات”. يسألني أحد الشباب، هل جربت الجوع؟ هل بكى أطفالك يوماً من الجوع؟ عندما يصرخ طفلك من الألم وانت لا تملك ثمن حبة دواء أخبرني عن كرامتك. قالها لي احد الشباب وغادر الغرفة. عمّ صمت طويل، عجزت بعده عن الكلام. بادر إلى الكلام شاب اخر وبعصبية أخبرني أنه كان يعمل في معمل إسمنت وتم طرده لاسباب طائفية. وهو متزوج وله ثلاثة أولاد، لم يرَ ورقة العشرة آلاف ليرة منذ شهور: “إيه ناطر الانتخابات أو رمضان لدوق اللحمة”.

مع كل هذا الفقر ما زال الطرابلسيون قادرين على الضحك، تسمع صدى ضحكاتهم في الشوارع والأزقة الضيّقة، شعب دائم الابتسامة يشعرك بأنه يبتسم في وجه كل ما حصل وما سيحصل. طرابلس بحاجة إلى إنماء ومشاريع، إلى من يقف بجانب شبابها، ومن يوقف التسرب المدرسي، وأيضاً طرابلس بحاجة أن نحنو عليها كما نفعل مع بيروت، دائماً ما نجد تبريراً لحبنا لبيروت مع أنها خذلتنا مرات كثيرة، أما طرابلس المدينة التي خذلناها جميعاً وخذلها سياسيوها ورجال أعمالها تستحق منا القليل من الحنان. الحنان وليس الشفقة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني