fbpx

ماذا تقول لنا صورة بيرني ساندرز؟

لماذا جذبتنا و«حاورتنا» هذه الصورة أكثر من أي صورة أخرى من ذاك اليوم التاريخي، بل وربما أكثر من أي صورة في الأشهر الأخيرة؟

على مدى أيام غزت صورة واحدة أجهزتنا، من الهواتف إلى شاشات الكمبيوتر وطبعاً نشرات الأخبار.

صورة واحدة بسيطة لم يتعرّض مصورها لأي خطر وقت التقاطها، لا تحمل جمالية غير عادية ولا غروب شمس ولا مناظر خلابة ولا أي شيء من هذا القبيل. صورة بسيطة تبرهن أنه يمكن أن نجد بعض الجمال في البساطة. وبساعات قليلة غطت صورة الرجل المسن الذي يرتدي سترة عادية جداً وقفازين يبدوان مصنوعين منزلياً وكبيرين بعض الشيء على يديه، على صور النجمة العالمية ليدي غاغا وهي تغني النشيد الأميركي وغطت حتى على صور أول امرأة تصل إلى منصب نائب رئيس في أميركا وهي تؤدي القسم.

الصورة التي رآها الجميع هي لعضو مجلس الشيوخ الأميركي والمرشح السابق لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية بيرني ساندرز وهو جالس على كرسي بانتظار حفل تنصيب الرئيس الجديد جو بايدن في واشنطن يوم 20 كانون الثاني/ يناير.

الصورة تبنّاها الجميع في بلدان مختلفة جداً وفي ثقافات متعددة وأخذوا يغيرون في تفاصيلها ويتخيلونها داخل ديكورات شهيرة ولحظات تاريخية أو حتى داخل بيوتهم… ما سرّ ذلك؟ 

لماذا جذبتنا و«حاورتنا» هذه الصورة أكثر من أي صورة أخرى من ذاك اليوم التاريخي، بل وربما أكثر من أي صورة في الأشهر الأخيرة؟

أولاً الصورة الأصلية التقطها مصور وكالة الصحافة الفرنسية في واشنطن بريندان سميالوفسكي. مصوّر موهوب عمره 40 سنة يعمل في واشنطن على تغطية أخبار البيت الأبيض، وسبق أن فاز بعدد من الجوائز وحسابه على “إنستغرام” يظهر عدداً من الصور والزوايا الجميلة لعمله. وصرّح سميالوفسكي بأنه فوجئ بنجاح الصورة غير العادي، ولكنه كان يعرف أنها جديرة بالاهتمام فصرّح: “من الواضح أنني التقطت الصورة لأنني اعتقدت أنها تستحق التقاطها، ولكن بعد ذلك؟”.

الصورة للمصور بريندان سميالوفسكي

قبل كل شي، نجاح هذه الصورة يقول لنا كم نحن جميعاً، أي سكان العالم، الكوكب، نعرف بأمور الانتخابات الأميركية ونتابعها ونعرف من ترشح ضد من، وما هي تفاصيل حفل التنصيب أكثر من أي حدث سياسي في أي بلد آخر في العالم… نحبها أو نكرهها، لكن أميركا وسياستها ورئيسها حاضرون بقوة في حياتنا اليومية وخيالنا وهذا شيء غريب عجيب.

ما يشرح دائماً نجاح صورة هو التناقض الذي نقرأه فيها أو عبرها: هذه الصورة تحتوي على عدد من طبقات التناقض، فأي واحد منا سوف يرى فيها تناقضات تعنيه، فيما قد لا تعني غيره.

لدينا القراءة السياسية والتناقض الذي يُظهر ساندرز وكأنه «الحاضر الغائب» في حفل التنصيب: الحاضر لأنه موجود ويشارك في حفل تنصيب الشخص الذي حاربه خلال الحملة الانتخابية وخسر أمامه… وهذا الحضور مريح بعض الشيء، لأنه يعطي فكرة جميلة عن الديموقراطية وتقبلها ويظهر التناقض الكبير مع الرئيس ترامب، الذي شكك بنتائج الانتخابات وحرض مناصريه على عدم القبول بها. وفي النهاية، قرر مقاطعة حفل التنصيب وهي سابقة من عشرات السنين. من هذه الناحية، وجود ساندرز مريح ومطمئن، لكن نلاحظ أيضاً أن ساندرز يبدو في هذه الصورة «غائباً» أي أنه لا يبالي بالمصافحات ومخالطة الحاضرين. يجلس منعزلاً وكأنه غير معني بكل ما يحصل حوله.

التناقض الثاني وقد يمكن اعتباره أو تسميته «انتصار البساطة»: في حفل كان أقرب لعرض أزياء، كل شخصية تفكر بأدق تفاصيل اللباس والمظهر، من شكل وتاريخ الإنجيل الذي يقسم عليه الرئيس المنتخب، إلى فساتين ميشيل أوباما وجنيفر لوبز وهيلاري كلينتون، ومن صممها وكل هذه المعلومات التي نحصل عليها ونلاحظها على هامش الحدث التاريخي… أمام هذه التفاصيل والمظاهر كلها، يبدو بيرني ساندرز في هذه الصورة وكأنه غير مبال: سترة بسيطة وسميكة لمواجهة البرد، فيما معظم الرجال الحاضرين اختاروا بدلة أنيقة.

نحن أيضاً في بلاد منطقتنا أحببنا هذه الصورة وتشاركناها،

وقد يكون ذلك لأننا أيضاً بحاجة ماسة إلى صورة سياسي

من هذا النوع يرتدي قفازين من صنع منزلي،

وسترة بسيطة غير أنيقة…

التناقض الثالث هو عبر قفازي ساندرز. القفازان «بلا أصابع»، وهو نوع من القفازات يحبه الأطفال عادة، لا الراشدون. عرفنا في ما بعد أن القفازين هدية من مدرسة في فيرمونت، ولاية ساندرز، وأنهما مصنوعان منزلياً من صوف معاد استخدامه، ويحتويان على شيء من زجاجات بلاستيكية معاد تدويرها. وهذا يعني أننا قد نظنها «بشعة» أو غير أنيقة لكنها تحترم البيئة وبعيدة من المجتمع الاستهلاكي الطاغي في الولايات المتحدة الأميركية.

وهذه التناقضات تذكر بمن هو بيرني ساندرز. صورته لدى مناصريه: سياسي ذو أخلاق وأمانة وبعيد من الاحتيال والكذب والتلاعب حتى إذا كلفه ذلك الفشل في الانتخابات.

أي أن نجاح هذه الصورة هو أيضاً نجاح هذه الفكرة: بعد سنوات ترامب وأكاذيبه وتضخيمه ونقوده وأولاده الذين عملوا في البيت الأبيض وزوجته الأصغر سناً من أولاده وكل ما رأيناه، باتت لدينا رغبة أو حاجة إلى شخص سياسي عادي بسيط، لا تهمه المظاهر ويعتمد على أفكاره فقط، ويرغب بمجتمع أفضل «اشتراكي» في بلد تعتبر فيه هذه الكلمة «شتيمة»… 

نحن أيضاً في بلاد منطقتنا أحببنا هذه الصورة وتشاركناها، وقد يكون ذلك لأننا أيضاً بحاجة ماسة إلى صورة سياسي من هذا النوع يرتدي قفازين من صنع منزلي، وسترة بسيطة غير أنيقة، ومتواضع وأمين… صفات باتت تبدو لنا كالخيال أو كالكذب… 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
تامر موافي – صحافي وكاتب مصري
مواجهة العنف ضد النساء في مصر، بشكل جاد وعمليّ، أمر بالغ الصعوبة، وهو أيضاً محفوف بالمخاطر. وما يجعل هذه المواجهة معقدة في الواقع، هو حجم هذا العنف واتساع نطاقه واستمرار التعامل معه بسرية وخفاء.
Play Video
كيف يمكن مكافحة التمييز الجندري داخل المؤسسات الإعلامية العربية؟ خصوصاً مع تعرّض نساء من عاملات في هذا الحقل لمضايقات وابتزاز، كما حدث في أكثر من قضية وجدت طريقها للنقاش العلني بسبب جرأة بعض الإعلاميات اللواتي رفعن الصوت.

58:46

Play Video
أثبت فيروس كورونا أنَه من عوامل تسارُع حالات عدم المساواة تجاه النساء اللاتي يتحمّلن وطأة عواقبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فهنّ تأثّرن به على جميع المستويات؛ إذ توقّف تعليم الفتيات والمراهقات، وفقدَت العاملات وظائفهنّ في القطاعات غير الرسميّة

56:42

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني