fbpx

طرابلس تسأل : “نحنا زعران واللي فجّر المرفأ مش أزعر؟”

حوّل أبناء المدينة أسباب معاناتهم إلى سلاح ينتقمون به من سنوات الإهمال الطويلة. استحال فقرهم ثورة وبطالتهم انتفاضة وجوعهم حرباً...

“كتل هوائية باردة تسيطر على المناطق اللبنانية حيث ستشهد المدن الساحلية هطولاً غزيراً للأمطار مع رياح قوية تشتد سرعتها في المناطق الشمالية إلى 22 كلم في الساعة”. 

يردد المذياع تلك الكلمات وأنا في طريقي من بيروت إلى العاصمة الشمالية طرابلس. لأول مرة تفوز نشرة الطقس بلفت انتباهي. استمعت إلى ما ذُكر وأنا أتلهى في البحث عن إجابة لتساؤلي: بماذا تُفيد معرفة الأحوال الجوية لمدينة تتخبط في سوء أحوالها الاجتماعية والمعيشية والسياسية والاقتصادية والإنمائية؟ 

صحيح أن الضائقة الاقتصادية التي يُعاني منها البلد ألمّت بمختلف المناطق، إلا أن لطرابلس خصوصيتها، فهي المدينة الأكثر فقراً على ساحل المتوسط. المدينة التي وصل عدد سكانها إلى 500 ألف، 80 في المئة منهم لا يتجاوز دخلهم اليومي دولارين. 

طرابلس

المدينة التي تُستغل بفقرها وحرمانها من الداخل والخارج حتى آخر طلقة. أعود لمحاولة التركيز على ما يصدر من المذياع لكن الخوف من ملاقاة المدينة بعد ليال عنف طويلة يؤرقني. الخوف من معاينة مشاهد النزف فوق أبنيتها وطرقاتها، وتعابير الغبن الممزوج باليأس على صفحات وجوه أبنائها. أي مدينة هي طرابلس لتحتمل ثقل هذا المصير؟ 

أصل إلى بولفار البحصاص حيث السكينة تعمّ المكان. المحال مغلقة والشوارع فارغة. لا طرقات مقطوعة في المحيط. أتقدم نحو عمق المدينة حيث ساحة عبد الحميد كرامي. هنا كل شيء يدل على أن معركةً خيضت بضراوة. الحجارة تفترش الرصيف، وآثار إطارات مشتعلة في كل مكان. هناك حيث يركن أبو عمر عربة الترمس تطايرت أجزاء من قنبلة مولوتوف. في الأفق سماء ملبّدة بغيوم كثيفة تحمل مطراً وسواداً. لطرابلس سماءٌ تُشبهها. هي الآن أيضاً مدينة بقلب مكلوم يحتضن شباباً غاضباً سينفجر كبركان على ظلم تراكم ضده منذ عقود. في الشارع المتفرّع من التل وإشارة “البيغ بايت” يتجمع عدد من المحتجين. يحشرون أجسادهم تحت سقوف المحال المتراصة لتقيهم صقيع الشتاء ومطره. أيمن العتر واحد منهم، والوحيد الذي التزم وضع الكمامة فأشبعه رفاقه تهكماً و”تنكيتاً”، ليُنهي خالد الحديث بينهم قائلاً: “قد يختلف السبب بين الكورونا والجوع، لكن النتيجة واحدة: سنموت”، مردفاً “لو أننا في وضع طبيعي لكنا التزمنا مثل المناطق الأخرى، لكن ماذا نفعل إن كنا نستجدي الحصول على ربطة خبز؟ وانتبهي هذا ليس ذنبنا على الإطلاق، بل هي السياسة الحاقدة على المدينة. منذ سنوات ونحن نعاني ونصرخ بأن أوضاعنا تتأزم، ولكن لا أحد يكترث، لذلك لم نعد نحن نكترث أيضاً”. 

إقرأوا أيضاً:

يؤيد الحاضرون ما يقوله خالد. “علينا وعلى أعدائنا” يردف أحمد الملقب بـ”النمر”. ويقول: “عم يطلعوا صيت علينا إنو نحن زعران بس لأن رمينا حجارة على القوى الأمنية، طيب يلي فجّر بيروت منو أزعر؟ يلي سرق البلد منو أزعر؟ يلي عمل 18 جولة عنف بطرابلس منو أزعر؟ يلي خلانا نحلم بالهجرة لدرجة نموت بالبحر منو أزعر؟ نحن شو ما عملنا بطرابلس قليل لأن ما حدا بيقبل يعيش هيدي العيشة”. 

“هون كان متروس ترس. كله صور للسياسيين. حتى السياسيين يلي هني ضد بعضهم بتلاقي صورهم مرفوعة حد بعضهم. شي عجيب! المهم يرفعوا صور وين ما كان وكيف ما كان مش مهم. المهم نضل نشوف أشكالهم كيف ما برمنا”.  

بسخط تخرج الكلمات من أفواه الحاضرين. يرمونها كأنهم يرمون رصاصات بوجه عدوٍ ما. يعرفون عدوهم جيداً بحسب خالد: “مشكلتنا ليست مع القوى الأمنية ولا حتى مع الجيش. نعرف تماماً أن أوضاعهم تشبه أوضاعنا. اساساً معظم العسكريين هم من مناطق الشمال وعكار، يعرفون وجعنا ونعرف وجعهم، ولكن معركتنا مع الدولة والمنظومة التي يحميها هؤلاء ويشكلون درعاً حصيناً لها. فليكن كلامنا واضحاً ما بدأ في طرابلس لن ينتهي إن لم يغير المسؤولون طريقة تعاطيهم معنا، وإلا فسنحرق الأخضر واليابس”. 

ما تعانيه طرابلس لم يكن يوماً مكبوتاً. كان واضحاً بالعين المجردة ومثبتاً بالأرقام الصادرة عن مختلف المؤسسات الدولية من جهة، وعن المؤسسات الرسمية الأمنية في البلاد وغير الأمنية من جهة أخرى. الدولة اللبنانية وزعماء المدينة وأثريائها كانوا على علم بارتفاع معدلات البطالة في طرابلس واستفحال الفقر المدقع في صفوف عائلاتها، لكنهم فضّلوا عدم الاكتراث وصمّ الآذان وتجاهل الواقع، وفضّلوا صبّ جلّ طاقاتهم في الدفاع عن منصب رئاسة الحكومة تارة، وتبادل التُهم بينهم وبين وزراء ونواب آخرين بالفساد والمحاصصات والصفقات تارة أخرى، إلى أن حدث ما لم يكن متوقعاً. 

حوّل أبناء المدينة أسباب معاناتهم إلى سلاح ينتقمون به من سنوات الإهمال الطويلة. استحال فقرهم ثورة وبطالتهم انتفاضة وجوعهم حرباً، فبالنسبة للعديد من الطرابلسيين فهم لا يملكون ما يمكن أن يخافوا خسارته. وبحسب الناشط المدني محمد الدهيبي: “العنف الذي يلجأ إليه المحتجون في طرابلس لا يقارن مع العنف المعنوي والنفسي الذي مورس عليهم لسنوات من قبل السلطة الفاسدة”، مشيرا إلى أن “ما يعيشه الطرابلسي اليوم من جوع مقترن بالإهمال لا يمكن التعبير عنه بثورة وردية، العنف هو السبيل لهز عرش هذه السلطة، خصوصاً أن ما حدث في ثورة 17 تشرين في طرابلس وشهد عليه العالم أجمع كان خالياً من العنف لكنه لم يغيّر شيئا، فقد عادت الدولة إلى تهميش المدينة وإدارة الظهر لها، وقد تجلى ذلك بوضوح بعدم وضع خطة استجابة اقتصادية سريعة لتلبية احتياجات العائلات الأكثر فقراً خلال فترة الإقفال العام، وهو ما يؤكد أن الحكومة اللبنانية تتخذ قراراتها اعتباطياً وكأن طرابلس ومحيطها ليس جزءاً من لبنان”. 

يرفع خالد شاله ليُغطي وجهه ونمضي سوياً من ساحة عبد الحميد كرامي إلى بلدية طرابلس لمعاينة المكان. يمشي على مهل وسط الطريق ليلف حول مستديرة “الله” وسط الساحة. يرفع اصبعه ليُرشدني إلى حيث كانت صور زعماء المدينة مرفوعة: “هون كان متروس ترس. كله صور للسياسيين. حتى السياسيين يلي هني ضد بعضهم بتلاقي صورهم مرفوعة حد بعضهم. شي عجيب! المهم يرفعوا صور وين ما كان وكيف ما كان مش مهم. المهم نضل نشوف أشكالهم كيف ما برمنا”. 

يراهن خالد أنهم لن يتجرؤا بعد الآن على رفع الصور، فقد تجرأ الطرابلسيون أخيرا على رفضهم. يتحدث بطلاقة ومن دون خوف. يُطلق ورفاقه على ساحة عبد الحميد كرامي اسم “ساحة الانتفاضة”. من يراجع تاريخ المدينة يدرك أن هذه الساحة اكتسبت ألقاباً تزامناً مع كل حدث سياسي أو أمني عاشته. فقد كانت بداية ساحة عبد الحميد كرامي حيث كان تمثال الرجل يتوسطها، ثم مع سيطرة حزب “التوحيد” على المدينة رُفع اسم الجلالة في وسطها وعرفت بساحة النور أو ساحة “كلمة الله”، وهي اليوم بعد أن باتت مركزاً للانتفاضة الشعبية بات يطلق عليها اسم “ساحة الانتفاضة”. 

مبنى بلدية طرابلس

في ساحة البلدية يتجمهر حشد كبير من الناس، غالبيتهم يوثقون آثار الحريق بهواتفهم. قضت النار على كل شيء في المكان. الطابق الأول من البلدية أحرق بالكامل بكل ما فيه. كسر زجاج النوافذ واحترق خشبها. المكاتب والكراسي والأبواب لا أثر لها. صمت خالد الطويل قطعه قول أحد الحاضرين إن “من أحرق البلدية ليسوا ابناء المدينة. الطرابلسي الحقيقي لا يمكن أن يقبل بأن تتشوه مدينته بهذا الشكل”. ليرد خالد: “شو يعني الطرابلسي الحقيقي فيك تفسرلي؟ جايين تعملوا فحص للعالم مين طرابلسي أكثر من التاني؟”. اشتد التلاسن بينهما. علا الصراخ ليتدخل شرطي البلدية. حلّ الصمت فجأة. أرخى بثقله على الحاضرين المحاصرين بالدمار من كل صوب. وحده صوت خالد خرقه مجدداً: “لا أريد أن أرى مدينتي مدمرة ولكنهم لم يتركوا لنا خياراً آخر. أيجب أن أتحسّر على مبنى البلدية؟ لكن ماذا فعلت البلدية؟ ماذا قدّمت للناس؟ جبل النفايات العملاق لا يزال أمام أعيننا. طرقات لائقة ليس لدينا. ماذا فعلت البلدية فليقدّم لي أحدكم جواباً”. 

رغم حدة كلام الشاب الغاضب لاذ الحاضرون بالصمت. في الكواليس تكثر الآراء الرافضة للعنف والتي تؤكد أن من يقوم بهذه الأعمال لا يمثل المدينة. زياد أحد هؤلاء. يقول: “هناك تواطؤ ضد المدينة. هناك مخطط لضرب صورتها أولاً ولإفراغها من المؤسسات الرسمية والخاصة ثانياً. الهجمة على بلدية طرابلس أو السراي أو حتى مركز العزم التربوي لا طائل منها. هل يصب التخريب في مصلحة المدينة؟ الآن من سيُسيّر أمور الناس بعد احتراق البلدية؟ هناك الكثير من الملفات التي احترقت، بالإضافة إلى المقتنيات التي سُرقت منها. الكثير من المحال في محيط ساحة النور والتل تعرضت لمحاولات خلع بهدف السرقة. بات العديد منا يفكر في كيفية تثبيت أمنه الذاتي. هذه التصرفات لا تمثل الطرابلسيين ولن نسمح بأن يصادر قرار المدينة ويمسي بيد قادة محاور جدد. لدينا تجربة مريرة مع قوى “الأمر الواقع” ولن نقبل بأن يتكرر ذلك”. 

يحضر الخطاب المتخوّف من أن تكون أحداث طرابلس نتيجة صراع أجهزة أمنية للسيطرة على المدينة. تطرح الكثير من الاحتمالات بينما يجد بعض الطرابلسيين أنفسهم عاجزين عن المواجهة أو اتخاذ أي خطوة، وذلك بالتزامن مع خطاب إعلامي يشوّه صورة المدينة ويركّز على الهمّ “الكوروني” متجاهلاً عمق الأزمة المعيشية في المدينة. يحدث كل ذلك في حين يتزايد الفقير فقراً ويتعمق البؤس بؤساً وسط سلطة تتخبط وأناس تتآكل.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
إيمان عادل- صحافية مصرية
“نزعت الحجاب وتركت شعري يتنفس، كانت لدي قوة هائلة، لم أشعر بالخوف، لأنني لا أؤذي أحداً”… عدد من رجال القرية ضربوا رانيا وتحرشوا بها لأنها قررت خلع حجابها.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني