جامعو خردة قاصرون ينبشون كنز لبنان المدفون في النفايات

العمل في قطاع النفايات في لبنان يُعتبر قصّة تكشف عن اعتلال وعشوائيّة في منظومة البنية التحتيّة عندما تكون مصّممة لتحقيق الأرباح.

ينشر هذا النص بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي”

بدءاً من تسعينات القرن الماضي، أصبحت الشراكات بين القطاعين العام والخاص ذات أهمية محورية في الطريقة التي يدار من خلالها ملف النفايات في مختلف أرجاء لبنان. وقد اعتبرت هذه الشراكات مفيدة بسبب اعتقاد الدولة أن الشركات الخاصة يمكن أن تعفيها من معظم مسؤوليتها عن إدارة مختلف مراحل معالجة النفايات. لكن مع الأسف، ساهمت التكلفة الباهظة في تراكم الديون لدى مختلف البلديات، ولم يتوافر سوى قليل من الاستثمار لصيانة البنية التحتيّة أو إعادة تصميمها حتى تتمكن من التعامل مع زيادة كمية النفايات، وهذا كان المدخل لانفجار أزمة النفايات عام 2015.

لا تعطي البنية التحتيّة القائمة على الربح الأولوية بالضرورة للمصلحة العامة. ومع انهيار الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لعبت المنظمات غير الحكومية والشركات الخاصة والشبكات غير الرسمية دوراً متزايداً في قطاع إدارة النفايات. 

بدأت ألاحظ بجدية هذه “العشوائية” التي تتسم بها البنية التحتيّة في إدارة النفايات عندما شرعت في إعداد دراسة ميدانية أنثروبولوجية مع مجموعة من السوريين القُصَّر، الذين يعملون في جمع النفايات عام 2016. تحوَّل ما كان في البداية مشروع بحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه يمتد لاثني عشر شهراً، إلى دراسة أنثروبولوجية لتلك المجموعة من الفتيان الصغار خلال نشأتهم في “بورة” (مستودع مكشوف) صغيرة للخُردة في بيروت على مدار أربعة أعوام.

صحيح أن المرافق الأساسية للنفايات في لبنان قد تفكّكت، لكنّها لا تزال تغذّي الاقتصادات العالميّة لإعادة التدوير.

ينحدر هؤلاء الفتية من قرية سورية في وادي نهر الفرات. عندما اندلعت الحرب أرسلتهم عائلاتهم للعمل في مستودع الخردة هذا الذي يقع في قبو مبنى متهالك في بيروت. ظل الفتيان، الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 سنة، وبعضهم أخوة أو أبناء عمومة، تحت رعاية وإشراف معلم (رئيس) المستودع، وهو شاب عشريني، ينتمي أيضاً للوسط الاجتماعي نفسه.  يتنقل جامعو النفايات في أرجاء المدينة يومياً، وهم يدفعون عربات بحثاً عن الخردة من المعادن والمواد البلاستيكية والملابس والأحذية والألعاب والكتب والأثاث الخشبي. تُباع الخردة المعدنية والبلاستيكية من أجل تصديرها في المقام الأول أو إعادة تدويرها محلياً بشكل عَرَضي. أما الملابس وما شابهها فيبيعها أقارب جامعي النفايات في أسواق السلع المستعملة المتنقلة المنتشرة حول سهل البقاع.

تتوزع جهود جامعي النفايات الصغار هؤلاء على مجموعة هائلة من الأنشطة التي تتمحور حول جمع النفايات في بيروت وفرزها. وبينما تنصب جهود من يعملون في هذا المستودع الصغير على انتشال المواد المهملة من صناديق القمامة، غالباً ما تركز المنظمات غير الحكومية على جمع أكياس القمامة المفروزة من المنازل. وقد أقامت بعض المنظمات غير الحكومية حاويات لفرز القمامة في بعض مناطق المدينة، لكن لا يزال جامعو القمامة يسيطرون على المناطق كافة. من ناحية أخرى، تجمع شركات إدارة النفايات الخاصة -أولاً شركة “سوكلين” ثم شركة “رامكو” بعد ذلك- حاويات وأكياس القمامة التي تحتوي على نفايات مختلطة. فيما يمهد عمل جامعي النفايات الصغار الطريق أمام أرباح أحد أنجح القطاعات الصناعية في لبنان: تجارة الخردة المعدنية.

صحيح أن المرافق الأساسية للنفايات في لبنان قد تفكّكت، لكنّها لا تزال تغذّي الاقتصادات العالميّة لإعادة التدوير. وفي حالة الخردة المعدنيّة، يتصدّر النحاس والحديد الصادرات اللبنانيّة. على سبيل المثال، حلّت خردة النحاس عام 2018 في المرتبة الثالثة، بقيمة 146 مليون دولار، تلتها خردة الحديد بقيمة 142 مليون دولار.

هذا النوع من التجارة يسمّى “الاقتصاد الدائري”، إذ يتطلّب تحقيق الأرباح، الدعمَ من قِبَل قطاع الخردة المعدنيّة المحلّيّ الذي يعتمد بشدّة على عمّال غير رسميّين وذوي رواتب متدنية. هذه التفاوُتات بين التدفّق الحرّ للموادّ وتقييد حركة البشر من دون تكافؤ ليست خاصّة بلبنان وحده. فقطاع الخردة المعدنيّة العالميّ، كغيره من اقتصادات التدوير الأخرى، يوظّف نماذج تركّز مجالها حصراً على الموادّ وتتجاهَل العَمالة بشكلٍ تامّ تقريباً.

هذا التركيز على الموادّ أمرٌ محوريّ في “اتّفاقيّة بازل بشأن التحكّم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود”، التي صادق عليها لبنان عام 1994. إذ تُعرِّف الاتّفاقيّة النفايات بناءً على إمكان إعادة استخدامها وإعادة تدويرها. ويمكن توصيف الخردة المعدنيّة على أنّها نفايات صلبة ونفايات خطيرة. وهذا يرجع إلى الاحتماليّة السمّيّة لبعض الإضافات غير المعدنيّة. ولهذا فلا بدّ من إجراء اختبار عيّنات قبل أيّ عمليّة شحن. إلّا أنّ هذا التحليل الكيماويّ يحدث بعد عمليّات الانتشال، وهي عملية يقوم بها، عادة، في معظم أنحاء العالم، ومنها لبنان، جامعو نفايات غير رسميين ومعظمهم من القاصرين.

حلّت خدرة النحاس عام 2018 في المرتبة الثالثة، بقيمة 146 مليون دولار، تلتها خردة الحديد بقيمة 142 مليون دولار.

يتضّح المزيد من التشابُكات العالميّة والمحلّيّة لقطاعَي الصناعة والتجارة حين ننظر إلى العلاقة بين لبنان وتركيا التي تعتبَر أحد أبرز مستوردي خردة الحديد اللبنانيّة. واجهَت اتّفاقيّة التجارة الحرّة التي أُبرِمت مع تركيا في عام 2010 الكثير من العوائق والعقبات. فبعد نحو عامٍ من توقيعها اندلع الصراع السوريّ فتوقّفت محاولات تمديد شبكات التجارة وما يتّصل بها من بنى تحتيّة بشكلٍ رسميّ إلى سوريا.

وفي أيار/ مايو 2018، أعلن وزير الاقتصاد رائد خوري، التراجُعَ عن الاتّفاقيّة، عبر منع استيراد البسكويت والمنظّفات من تركيا. وقال بصورة غير معهودة إنّ أسعار تلك السلع انخفضَت نتيجة انخفاض سعر الليرة التركيّة، ونتيجةً لهذا لم يعُد بإمكان صناعات الحلويّات والمنظّفات اللبنانيّة المنافسة في الأسواق المحلّيّة. وقد ردّت تركيا على تلك الخطوة بإيقاف استيراد خردة الحديد من لبنان، الأمر الذي أثّر في حياة العاملين في مستودعات (بور) نفايات الخردة. لكن خفت حدة التوتّر مع بداية عام 2019، في أعقاب مفاوضات بين البلدين.

إقرأوا أيضاً:

علامَ يقوم اقتصاد إعادة التدوير حقاً؟

ونظراً إلى كون الخردة المعدنيّة تمثّل تقريباً 10 في المئة من الصادرات اللبنانيّة في 2018، تبدو جلية أهمّية هذا القطاع بالنسبة إلى النموّ الاقتصاديّ اللبنانيّ. وبالتالي فإنّ تراجُع صادراتها يمكن أن يؤدّي دون قصدٍ إلى انخفاضٍ في الناتج المحلّيّ الإجماليّ. إلّا أنّنا حين نقرّ أنّ تجارة الخردة المعدنيّة تعتمد كثيراً على العمّال غير الرسميّين وغير المسجّلين، فإننا بذلك نناقض أنفسنا. إذ يعتمد الناتج المحلّيّ الإجماليّ وغيره من المؤشّرات الاقتصاديّة الأخرى على بياناتٍ لا تأخذ في حسبانها بالضرورة تلك الفئات من العَمالة التي تشارك فعلياً في عملية الانتاج، والأهمّ من ذلك أنّ تلك البيانات تتجاهَل مَن يُساهِم حقّاً في زيادة الناتج المحلّيّ الإجماليّ.

تُصنّف مستودعات الخردة في لبنان عادةً في فئتَين: كبيرة وصغيرة. تلك الكبيرة تمتلكها شركات مسجَّلة وتعترف بها الدولة رسميّاً، ولديها تواصل أفضل مع الجهات المسؤولة عن الموانئ في طرابلس وبيروت وصيدا، وكذلك مع المشترين في تركيا وبلغاريا؛ وهما أبرز مستوردين للخردة اللبنانيّة. تستخدم تلك المستودعات معدّات ثقيلة لِفصل أنواع الخردة في مساحات مفتوحة وواسعة. وعلى أدنى تقدير، لدى بعض عمّال تلك المستودعات تصاريح عمل ويدفعون الضرائب.

أمّا الفئة الثانية من المستودعات (“بورة” الخردة) فهي تلك الصغيرة، التي عادةً ما تكون في مبانٍ مهجورة أو متهالِكة، وغالباً ما تقتصر تقنية العمل فيها -إلى جانب المطارق والكمّاشات وأحياناً المثاقب- على أيدى وأقدام الفِتية الصغار، الذين يفكّكون الغسّالات والثلّاجات القديمة ويمزّقون أسلاكها. ويأتي “المعلّم” فيشتري ما يجده/ يجمعه الفتية، ويبيع تلك البضائع إلى مستودعات الخردة الكبيرة.

خلال عملي الميدانيّ، لاحظت أنّ الذين يعملون في المستودعات الكبيرة كانت اعمارهم على الأقلّ 17 سنة، بينما كانت أعمار من يبيعون الخردة إلى مستودعات صغيرة أو يعملون فيها أصغر بكثير. وبصيغة أخرى، فإنّ لعمل القاصرين دورٌ مهمّ في المرحلة الأولى من جمع الموادّ القابلة لإعادة التدوير.

مع استمرار انهيار الاقتصاد وارتفاع معدّل التضخّم، صار التنقيب في القمامة بحثاً عن الخردة المعدنيّة لانتشالها أمراً مربحاً أكثر من ذي قبل.

أُتيحت لي فرصة الحديث مع رجال فلسطينيّين عملوا في صباهم في جمع الحديد والنحاس من ضواحي بيروت. وقد علمت من خلال حواري مع لبنانيّين نازحين من الجنوب أنّ كثراً من الرجال عملوا جامعي نفايات في سنّ الشباب. فقد مثّلت عمليّة انتشال الخردة، في مرحلةٍ ما، شريانَ حياةٍ مهمّاً. كانت هذه هي الحال أيضاً في المستودعات الصغيرة التي يعمل فيها الفتية الصغار من الرقّة السورية.

لا تُشير هذه السمة العامة لمستودعات الخردة في لبنان إلى وجود رؤية جماعيّة أو حتّى مشتركة لما ينبغي لذلك المجال أن يكون عليه. فمن جوانب عدّة، يمكن القول إنّ قطاع الخردة المعدنيّة نشأ من خلال المصادفة. ومع قلة اهتمام لبنان بتطوير القطاع الصناعيّ أو الخدمات العامّة، فإنّ لتاريخ البلاد في الاقتصاد القائم على سياسة الحرية الاقتصادية دورٌ في تسهيل نموّ سوق الخردة. وبالمثل، فإنّ فترات الحرب الممتدّة لم تزد من كمية الخردة المعدنيّة المتاحة التي ستُنتشَل من المباني المتهدّمة، وحسب، وإنّما وفرت أيضاً مساحة في الفراغ الذي خلفه دمار الأبنية، لازدهار سوق العمل في الخردة.

والآن، مع استمرار انهيار الاقتصاد وارتفاع معدّل التضخّم، صار التنقيب في القمامة بحثاً عن الخردة المعدنيّة لانتشالها أمراً مربحاً أكثر من ذي قبل. فمنذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، التقيتُ عدداً متزايداً من الناس -مواطنين ومهاجرين- ينقّبون في حاويات القمامة بحثاً في الغالب عن خردة معدنيّة لبيعها للمستودعات. وكثر منهم هم آباءٌ يعملون بصحبة أبنائهم لتعزيز دخل الأسرة الضئيل.

عندما انتشر وباء كورونا

قبل بدء الإغلاق رسميّاً للمرّة الأولى في لبنان منتصفَ آذار/مارس 2020، قمت بزيارة سريعة إلى مستودع صغير للخردة. وكنت قد سمعت أنّ شرطة البلديّة أصدرت تعليمات إلى “المعلّم” بإغلاق مستودع الخردة مؤقّتاً. ولكن حين وصلت إلى هناك، كان عمّال جمع النفايات مشغولين بترتيب المكان، وكان بعض الفتية يبحثون في المخلّفات والنفايات، في حين قام آخرون بتكديس أكياس من المعادن والبلاستيك، استعداداً لرحلة “المعلّم” الأخيرة إلى مستودع الخردة الكبير. وكان بعض الفتية يحزمون أمتعتهم لأخذ إجازة والإقامة مع أقاربهم في سهل البقاع.

خيَّمت أجواء من الكآبة على المكان. فلم يعرف أحد متى تمكنهم العودة إلى العمل. وعندما سألت جامعي النفايات عمّا إذا كان أيٌّ منهم يشعر بالقلق من احتمال الإصابة بـ”كورونا” أثناء عملهم في جمع القمامة، هزّ عثمان كتفيه، وهو أحد الفتية الصغار (9 سنوات)، قائلاً: “سنموت من الجوع قبل أن نموت من كورونا”.

التقيت مصادفة بشقيق عثمان الأكبر، هارون، بعد شهر من تطبيق إجراءات الإغلاق. فقد جاء من سهل البقاع أملاً في كسب بعض المال. لاحظت فوراً أنّه فقد الكثير من الوزن. فمن دون عمل هارون، لم يكن بإمكان العائلة تحمُّل تكاليف الموادّ الأساسيّة، بما في ذلك الطعام.

“سنموت من الجوع قبل أن نموت من كورونا”.

استمرّ “المعلّم” في دفع مبالغ صغيرة من المال إلى الأسرة. غير أنّه مع إغلاق جميع مستودعات النفايات، وعدم شحن أيّ خردة من الموانئ، كان صعباً على “المعلّم” أيضاً أن يتعايش مع هذا الوضع. أخبرني هارون أنّ بعض الفتية كانوا يبحثون عن الطعام في النفايات، ولكنّ نفسه لم تطاوعه على فعل ذلك أبداً.

مع استمرار شهور الإغلاق، بدأ هارون وغيره من جامعي النفايات في تخزين الخردة التي تمّ انتشالها في عربات كبيرة. ووضعوا العربات في مناطق منفصلة عن مواقف السيّارات الفارغة في أرجاء المدينة، في انتظار أن تفتح المدينة والموانئ أبوابها من جديد.

هل هذه الحياة قابلة للعيش؟

بحلول نهاية شهر نيسان/ أبريل، سارع هارون وعثمان إلى العودة للعمل. قال عثمان إنّ أسعار الحديد الخردة ارتفعت ارتفاعاً طفيفاً في أيار/ مايو، موضّحاً أنّ تلك الزيادة كانت في واقع الأمر بسبب التضخم ولأنّ مستودعات الخردة الكبيرة كانت تحاول جمع كمّيّات من الحديد الخردة بسرعة، استعداداً لشحنها. وبالنسبة إلى الفتية، فإنّ الزيادة في الأسعار تعني أنّ سعر الحديد الخردة أصبح الآن يبلغ 300 ليرة للكيلوغرام الواحد، وهو ما يعادل نحو 20 سنتاً بسعر الصرف الرسميّ للدولار الأميركيّ.

من الصعب تقدير متوسّط الدخل الذي يحصل عليه عمّال جمع النفايات. إذ تتوقّف كمّيّة الخردة التي يجدونها على مقدار النفايات التي تتخلّص منها العائلات والمطاعم والشركات، فضلاً عن كمّيّة النفايات التي يستطيع الفتية حملها إلى مستودع الخردة. وأيضاً يعتمد جامعو النفايات على “المعلّم”، الذي يُقرّر أنواع النفايات التي يجب أن يركّزوا على جمعها، مع إعطاء الأولوية عادةً للمعادن نظراً لارتفاع أسعارها.

يتعامل “المعلّم” مباشرةً مع مستودعات الخردة الأكبر حجماً، ما يعني أنّه المسؤول عن المعاملات النقديّة. وبفضل الأموال التي يحصل عليها من بيع الخردة كلّها، يستطيع “المعلّم” دفع إيجار الطابق السفليّ، حيث المخزن، والطابق العلويّ حيث يقيم الفتية؛ ويستطيع أيضاً إرسال بعض الأموال إلى أسَر الفتية في سوريا أو في لبنان. وثمّة أيضاً مصاريف صغيرة تُمنح للفتية حتّى يتمكّنوا من شراء الطعام.

لم تكن العلاقات بين الفتية ومَن هم أكبر منهم سنّاً، بما في ذلك “المعلّم”، شبيهة بتلك العلاقات التي تُمثّل استخدام الأطفال في العَمالة القسريّة؛ إذ كان بإمكانهم أن يتوقّفوا عن العمل في أيّ وقت. فعلى سبيل المثال، بعد طرد “داعش” من قراهم في منتصف عام 2017، أخذ كثر من الفتية إجازةً لتمضية الصيف مع أُمّهاتهم وأخواتهم اللواتي أتَين لزيارتهم، بعد انقطاع دام أكثر من عامين. بَيد أنّ جامعي النفايات كانوا يعودون دائماً إلى العمل. فقد شكّل تدفّقُ الأموال المتداوَلة من مستودعات النفايات إلى المجتمع المحلّيّ نظاماً لدعم الحياة لا غنى عنه للعائلات المشتَّتة. وقد أوضحت والدة هارون أنّ تلك الأموال كانت بالكاد تكفي لتدبّر أمورهم خلال الأزمة.

بصرف النظر عن صمودهم الظاهريّ، وما يُبدونه من قدرة على التحمّل، لطالما تصوّر جامعو النفايات ما كان سيحدث لو لم تطرق الحربُ أبوابَهم. إذ يتذكّرون -بفخرٍ- مَن كان سنّهم يكفي للانتظام بمدرسة القرية، أيّامَ الدراسة فيها. وكثيراً ما قيل لي إنّهم شعروا بأنهم فقدوا فرصة الحصول على تعليم نظاميّ. ولم يكن الأمر أنهم اختاروا عدم الذهاب إلى المدرسة؛ بل كانت الحرب -كما أوضحوا- هي ما حطّم مستقبلهم. وكذلك مستقبل “المعلّم” الذي كان يدرس للحصول على شهادة جامعيّة في الهندسة إلى أن اندلع القتال في سوريا.

هذه قصة تحكي لنا كيف تستطيع الأسواق أن تزدهر من خلال مشاريع البنية التحتيّة المستخدمة في التخلّص من النفايات وإعادة التدوير. غير أنّه مع ازدهار هذه الأسواق، غالباً ما تنهار البنية التحتيّة. وفي هذا السياق، فإنّ العمل في قطاع النفايات في لبنان يُعتبر قصّة تكشف عن اعتلال وعشوائيّة في منظومة البنية التحتيّة عندما تكون مصّممة لتحقيق الأرباح. كما تكشف أنّ البنية التحتيّة، في إطار اقتصادات إعادة التدوير، لا تقتصر على الحاويات ومكبّات النفايات وشاحنات القمامة، بل تتضمّن أيضاً الأيدي العاملة، بما في ذلك عمّال جمع النفايات الذين هم دون السن القانونيّة. وهؤلاء، علينا أن نبدأ في دمج آرائهم في تحليلاتنا السياسيّة، حينما نتحدث عن الاقتصاد والبنية التحتية وأزمة النفايات. وحتّى ذلك الحين، سيكون هارون وعثمان ممتنّين لو بدأ سكّان بيروت في فرز النفايات داخل منازلهم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني