تونس: رئيس الحكومة يضحي بثقة الشعب من أجل أصوات النواب

سيشهد الجميع كم كان هذا الرجل متمسكاً بالمصادفة التي حملته إلى مكانه حتى نسي أن الشرعية والثقة الحقيقية ينالهما من الشعب وأن ما عدا ذلك مجرد مسكنات وأمان مزيف لن يطول أبداً.

توجه هشام المشيشي رئيس الحكومة التونسية الثلاثاء 26 كانون الثاني/ يناير إلى البرلمان آملاً بنيل الثقة على التحوير الحكومي الذي أجراه، بما يرضي حزامه السياسي المكون من “حركة النهضة” و”ائتلاف الكرامة” و”قلب تونس”. لم يتردد المشيشي ولم يعدل عن قراره، على رغم إشارات الرئيس قيس سعيد الواضحة بشأن بعض الخروق القانونية التي شابت العملية ووجود ثلاثة وزراء، اختارهم تحوم حولهم تهم الفساد والتربح من المنصب وتضارب المصالح، والأهم أنه فعل ذلك على رغم علمه بأن طيفاً واسعاً من الشعب اختار أن يكون بأعداد كبيرة أمام مقر البرلمان لينادي برحيله ويندد بسياسته وسياسة داعميه والذين  سبقوه في الحكم على مدار العشر سنوات. لم يكترث المشيشي المتعطش للبقاء في منصبه للأمر وبدل الإقرار ولو متأخرا بأن ثقة البرلمان لن تصمد ولن تمنحه الشرعية إذا ما فقدها في الشارع، سارع إلى إصدار أوامره، باعتباره وزيراً للداخلية أيضاً، بتسييج ساحة باردو منذ مساء الاثنين كما سبق أن فعل ذلك في شارع الحبيب بورقيبة. 

حضر المشيشي باكراً إلى البرلمان مع وزرائه الجدد الذين اختارهم ليحلوا محل الوزراء المقربين أو الذين يحظون برضا الرئيس، وكله ثقة بأن حزامه السياسي الذي نال ما يريده من ترضيات لن يتركه وحيدا بين يدي بقية الكتل. وربما كان محقاً في ما اعتقد لأن “النهضة”، الرافضة لأي حوار وطني قد يجردها من فرصة الإمساك بزمام الحكم، استطاعت جر حليفيها (ائتلاف الكرامة وقلب تونس) لمباركة خيارها القاضي بمواصلة دعم المشيشي الرجل المطيع الذي ينشد رضا أعضاء حزامه السياسي، حتى وإن كان ذلك على حساب غضب الشارع. ما دام يشاركهم اللعبة القائمة على تجاهل مستوى القطيعة التي أمست بينهم كطبقة حاكمة وبين الشباب التونسي والانخراط في خلق خصوم وهميين والمحافظة على سياسة الهروب إلى الأمام وتجنب الإجابة على الأسئلة الملحة الراهنة التي يشرحها المنتفضون في الشارع الآن.  

المشيشي وحلفاءه بعيدون جداً من هموم هذا الشعب المنتفض ضدهم.

حتماً لم يتخيل المشيشي كما الغنوشي باعتباره مهندس هذا المسار، أن تعج ساحة باردو بكل هذه الجماهير التي أتت من كل صوب متحدية دقة الوضع الصحي وخطورته والحصار الأمني، الذي طوق المكان، والمدرعات التي نزلت خصيصاً لترهيب الشعب ومنعه من الاقتراب من البرلمان. ولكن يجدر الإقرار بأن المشيشي نجح في عسكرة ساحة مجلس النواب في باردو وإبعاد المحتجين بالقوة من أبوابه بعدما أغلق كل المنافذ المؤدية إليها مستدعياً لهذه المهمة أعداداً كبيرة من البوليس بكل عتادهم الخفيف والثقيل في مشهد لم ترَ مثله تونس مع أي حكومة سابقة منذ 2011. ولم ينتهِ عبث رئيس الحكومة عند هذا الحد، إذ أطلق رجال الأمن مساء على الجماهير التي أرادت نقل غضبها من باردو إلى شارع الحبيب بورقيبة فتبعتها الهراوات والغازات المسيلة للدموع حتى داخل الأزقة الضيقة المؤدية للشارع، ليجهز بذلك على ما تبقى من وهم الديموقراطية التي يبيعها في خطاباته الجوفاء. 

ويبدو أن المشيشي الذي حاول إبعاد المحتجين حتى لا يصله صدى الأصوات وهي تنادي “ارحلوا”، “الشعب يريد إسقاط النظام”، “ارحل يا غنوشي”، “إرحل يا مشيشي”، قد بلغته الأصداء فقرر الذهاب بعيداً في مسلسل العنف الذي بدأه ضد الشباب المحتج منذ البداية. فتكلمت الهراوات ونطقت لتؤكد أن هذه الحكومة وتحالفها قد سقطا ديموقراطياً وشرعياً بعد هذه الأحداث وأنه ولم يبق سوى أن يسقطا رسمياً وهو أمر آت عاجلاً وليس آجلاً.

لقد توهم الرجل أنه بارتمائه في أحضان الثالوث الحزبي وبإمساكه شخصياً بحقيبة الداخلية قد ضمن الشرعية، ولتثبيت هذا الوهم سارع إلى شراء مدرعات وتوريدها على وجه السرعة وركنها أمام البرلمان لتقف حاجزاً أمام المحتجين. مدرعات يكفي ثمنها لشراء عدد لا بأس به من أسرة الإنعاش للمستشفيات التي لم تعد تستطيع إيواء المرضى بفايروس “كورونا” لنقص المعدات، أو توجيهها لتوريد جرعات من اللقاح لفائدة هذا الشعب. وظن أن هذه المدرعات والهراوات وغيرها من وسائل القمع ستجنبه مواجهة الشباب العاطل من العمل والمهمش الذي استبد به اليأس وبات واثقاً بأن هذا الرجل يقود حكومة تشد أزرها أحزاب فاسدة، ساهمت في الوصول إلى الوضع الكارثي الذي آلت إليه البلاد على جميع المستويات، وأن استمرار وجودها في الحكم لن يؤدي إلا إلى مزيد تأزيم الوضع. ولعل هذه الحادثة (شراء المدرعات في هذا التوقيت) تؤكد فعلاً أن المشيشي وحلفاءه بعيدون جداً من هموم هذا الشعب المنتفض ضدهم، ففيما يموت الناس جوعاً بعدما فقد كثيرون عملهم بسبب جائحة “كورونا”، ويزداد بؤس آخرين بسبب البطالة، يسارع هؤلاء لاقتناء أدوات قمعهم وكبتهم بدل البحث عن سبل مساعدتهم.

سيتذكر من تابع وقائع هذا اليوم أن رئيس حكومة تونسياً وصل مصادفة إلى هذا المنصب، قد قام بعسكرة ساحة البرلمان وأغلق الطرق المؤدية إليه في وجه شعبه وسخر، بصفته وزيراً للداخلية أيضاً، كل القوى الأمنية لقمع الشباب المحتج، وذلك كله لنيل ثقة بعض النواب على تحويره الوزاري. سيشهد الجميع كم كان هذا الرجل متمسكاً بالمصادفة التي حملته إلى مكانه حتى نسي أن الشرعية والثقة الحقيقية ينالهما من الشعب وأن ما عدا ذلك مجرد مسكنات وأمان مزيف لن يطول أبداً. وسيقر كثيرون بأن التحوير الوزاري وإن نال ثقة الحزام السياسي ومر، إلا أن ما حصل في هذا اليوم من سخرية وعبث وتجاهل لإرادة الشعب وحقه في التعبير والتظاهر، ستعجل بسقوط هذه الحكومة لا محالة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني