fbpx

لقاحات الفلسطينيين بين العنصرية الإسرائيلية وتلكؤ السلطة

"أعيش حالة رعب حقيقية، كل يوم أذهب إلى عملي خائفاً من الإصابة"... لا يملك الفلسطينيون سوى الانتظار.

ينتظر أديب الصيفي (62 سنة) بفارغ الصبر وصول اللقاحات المضادة لفايروس “كورونا” إلى الأراضي الفلسطينية، ليتغلب على كابوس رافقه منذ رصد الوباء في الأراضي الفلسطينية مطلع آذار/ مارس الماضي. “أعيش حالة رعب حقيقية، كل يوم أذهب إلى عملي خائفاً من الإصابة”. يعمل الصيفي مديراً لمصنع للأدوية في مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، ويحتك بحكم عمله مع عشرات الموظفين في أقسام المصنع المختلفة. وتضاعف خوغه، بعدما فقد شقيقه الأكبر متأثراً بمضاعفات الفايروس.

يعيش الصيفي حال خوف دائم من الوباء ويستغرب تأخر وصول اللقاحات. يتابع كيف بدأت إسرائيل عمليات التطعيم في 20 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فيما لا يزال الفلسطينيون يصارعون مصيرهم مع تصاعد الدعوات لمطالبة السلطة الفلسطينية بتسريع استيراد اللقاح. 

ففيما يتخبط الفلسطينيون بشأن اللقاح انتهت إسرائيل من تطعيم ربع الإسرائيليين، متخلية عن التزاماتها تجاه الفلسطينيين بموجب القانون الدولي وهو ما أثار سخطاً واستنكاراً محلياً ودولياً. 

إسرائيل تتنصل من التزاماتها 

يلقي سائد حسن (45 سنة)، وهو أيضاً من سكان الضفة الغربية، بالمسؤولية في مسألة توفير اللقاحات للفلسطينيين على الجانب الإسرائيلي، واستنكر إعطاء اللقاح للإسرائيليين فقط. أصيب حسن بالفايروس وعانى من أعراضه لأكثر من عشرة أيام، اضطر خلالها لدخول المستشفى والبقاء تحت الرعاية المشددة. انتقل إليه الفايروس من والده الذي توفي متأثراً بمضاعفات الإصابة. يقول بصوت حزين بعد ساعة من دفن والده في بلدة كفر ثلث في قلقيلية: “عدت إلى فلسطين قبل عامين وقررت الاستقرار هنا. لقد تركت كندا أفضل مكان يمكن أن يعيش فيه الإنسان من حيث الخدمات والرعاية الصحية، أشعر بالندم بسبب عودتي، لا يتوفر الاهتمام المطلوب بالصحة العامة هنا، أنا أنتظر لحظة بلحظة وصول اللقاح، فبعدما فقدت والدي، أريد الآن حماية والدتي التي تعاني من أمراض، لقد عزلتها نهائياً عن العالم بانتظار اللقاح”.

لا يملك الفلسطينيون سوى الانتظار، لا سيما أن إسرائيل لم توسع نطاق برنامجها للتطعيم، الذي يستخدم لقاحي “بيونتيك/ فايزر” و”موديرنا”، ليشمل 5.2 مليون فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، متنصلة بذلك من مسؤوليتها كقوة احتلال بتوفير اللقاحات للفلسطينيين بموجب القانون الدولي. وتنص المادة 56، من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب الصادرة عام 1949، على أنه من واجب دولة الاحتلال “اعتماد وتطبيق التدابير الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة”.

وأعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية،

أنه تم حتى الآن تطعيم 2.3 مليون شخص ضد فايروس “كورونا” المستجد،

حتى تاريخ 21 كانون الثاني/ يناير، 692 ألفاً منهم،

حصلوا على الجرعة الثانية.

جمعية “أطباء لحقوق الإنسان” الإسرائيلية، طالبت بتوفير اللقاحات للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر، “الفلسطينيون يخضعون للسيطرة والاحتلال الإسرائيليين، ما يمنعهم من ضمان حقهم في الصحة بأنفسهم ولأنهم لا يملكون خياراً مستقلاً في شراء اللقاحات، من دون أن يمر الأمر عبر السلطات الإسرائيلية”، بحسب الجمعية.

وشككت “أطباء لحقوق الإنسان” بأن تكون لدى السلطة الفلسطينية قدرة على أن تموّل بنفسها، عملية شراء اللقاحات وكلفة توزيعها. وأشارت إلى أن “على إسرائيل أن تتحمل تمويل العملية، كجزءٍ من مسؤوليتها تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة”.

الخبير الفلسطيني في القانون الدولي، حنّا عيسى، اعتبر أن “إسرائيل تتهرب من مسؤولياتها القانونية، تجاه الفلسطينيين، لا يوجد دولة فلسطينية قائمة، السلطة موجودة على الورق فقط، عبر اتفاق أوسلو، ليس أكثر، إسرائيل هي سلطة الأمر الواقع تدخل وتعتقل وتهدم وتقتل متى تشاء”.

وتجاوز عدد الإصابات بالفايروس في الضفة الغربية وقطاع غزة 154 ألف إصابة، فيما بلغ عدد الوفيات 1769 بحسب تقرير وزارة الصحة الفلسطينية بتاريخ 23 كانون الثاني. 

أخيراً… اللقاح يصل الأسرى الفلسطينيين 

بعد سلسلة مطالبات حقوقية فلسطينية ودولية، أفاد نادي الأسير الفلسطيني، بأن 287 أسيراً في سجن “نفحة” الإسرائيلي تلقوا اللقاح. وكانت إدارة سجون الاحتلال بدأت بإعطاء اللقاح للأسرى بعد شهر كامل من بدء عمليات التلقيح للإسرائيليين، عقب مطالبات تصاعدت إثر تصريحات عنصرية أطلقها وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، أمير أوحانا، وحرض من خلالها على حرمان الأسرى من اللقاح. 

وأفاد قدري أبو بكر، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين بأن “إدارة السجون الإسرائيلية أبلغت الأسرى الفلسطينيين لديها بأن عملية تلقي اللقاح ستكون إجبارية وحذرت كل أسير يرفض الجرعات بنقله إلى أقسام العزل الانفرادي”. يذكر أن حصيلة الإصابات بين صفوف الأسرى بفايروس كورونا تجاوز منذ بداية انتشار الوباء 290 إصابة، وفق معطيات “نادي الأسير” وهو جمعية غير حكومية تعنى بشؤون الأسرى الفلسطينيين. 

السلطة واللقاح

السلطة الفلسطينية تنتظر وصول أولى الدفعات من اللقاح بعدما تعاقدت مع 4 شركات لتصدير اللقاح. ووفق رئيس الوزراء محمد اشتية، فإن الأسبوع الأول من شهر شباط /فبراير سيشهد دخول اللقاح إلى الأراضي الفلسطينية ضمن آلية “كوفاكس” المنبثقة عن منظمة الصحة العالمية. وبحسب مسؤولين في وزارة الصحة في رام الله، فإن عملية التطعيم الشاملة ستبدأ على نطاق واسع في نهاية شهر آذار/ مارس المقبل، مع إمكان تطعيم أعداد محدودة من الفئات الأكثر عرضة للإصابة، قبل ذلك الموعد اعتماداً على اللقاحات المتفرقة التي تصل من جهات مختلفة على شكل مساعدات. 

ويُنتظر وصول خمسة آلاف جرعة من لقاح “سبوتنيك في” الروسي للوقاية من فايروس “كورونا” إلى الأراضي الفلسطينية في الثلث الأخير من شهر كانون الثاني، على أن تصل 100 ألف جرعة أخرى لتطعيم 50 ألفاً من الفلسطينيين بحلول أذار، بعد موافقة الحكومة الفلسطينية على الاستخدام الطارئ للقاح، وسماح إسرائيل للسلطة الفلسطينية باستيراده.

عبد الحفيظ نوفل، السفير الفلسطيني لدى روسيا قال إن موسكو وافقت على إرسال 5000 جرعة مجانية. وأضاف: “نحن بصدد استكمال الاتفاق مع الحكومة الروسية لشراء 100 ألف جرعة لقاح، بمعنى أنها ستكفي 50 ألف شخص، الجانب الروسي أبلغنا أنهم لا يستطيعون أن يقدموا لنا سوى 100 ألف جرعة لقاح في شهر شباط”.

والسعر الذي حددته روسيا لاستيراد جرعتي اللقاح اللازمتين لكل شخص هو 18 دولاراً، لكن نوفل قال إن السلطة الفلسطينية، التي تعاني من أزمة مالية، بصدد التفاوض على سعر مخفض.

وزارة الصحة الفلسطينية أوضحت أنه سيتم أولاً تطعيم العاملين في القطاع الطبي وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة في غزة والضفة الغربية. وذكرت وزيرة الصحة مي الكيلة في أكثر من مناسبة أن منظمة الصحة العالمية ستوفر من خلال آلية “كوفاكس” احتياجات 20 في المئة من سكان الدول النامية، وستكون حصة فلسطين كافية لنحو مليون شخص. 

البيانات الرسمية تشير إلى أن الحكومة الفلسطينية ستشتري ما يكفي لـ50 في المئة من عدد السكان في الضفة والقطاع، البالغ عددهم نحو 5 ملايين نسمة، وأن الدفعة الأولى من اللقاحات، من منظمة الصحة العالمية، ستكون بنسبة 3 في المئة من عدد السكان، وستوزع على الطواقم الطبية ومرضى السرطان وكبار السن.

التصريحات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية محبطة للشاب رفعت أبو ليلى (40 سنة) المصاب بفشل كلوي، ويضطر لزيارة المستشفى الحكومي في رام الله ثلاث مرات أسبوعياً لإجراء عملية غسيل الكلى. حياته أصبحت مقتصرة على المنزل والمستشفى، ولا يستطيع ممارسة عمله في مجال ميكانيك السيارات لأنه يخشى الإصابة، وما يرافقها من مضاعفات لشخص يصنف على أنه من ذوي المناعة الضعيفة. يقول بعد خروجه من المستشفى وعلامات التعب والهزال ظاهرة على وجهه: “يومياً أتابع الأخبار، وأنتظر أي خبر يفيد بوصول اللقاحات، حياتي مهددة بسبب الفشل الكلوي، ولا أستطيع إجراء عملية زراعة للكلى في الوضع الحالي، فما بالك مع وجود فايروس خطف حياة أناس أصحاء؟”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
تامر موافي – صحافي وكاتب مصري
مواجهة العنف ضد النساء في مصر، بشكل جاد وعمليّ، أمر بالغ الصعوبة، وهو أيضاً محفوف بالمخاطر. وما يجعل هذه المواجهة معقدة في الواقع، هو حجم هذا العنف واتساع نطاقه واستمرار التعامل معه بسرية وخفاء.
Play Video
كيف يمكن مكافحة التمييز الجندري داخل المؤسسات الإعلامية العربية؟ خصوصاً مع تعرّض نساء من عاملات في هذا الحقل لمضايقات وابتزاز، كما حدث في أكثر من قضية وجدت طريقها للنقاش العلني بسبب جرأة بعض الإعلاميات اللواتي رفعن الصوت.

58:46

Play Video
أثبت فيروس كورونا أنَه من عوامل تسارُع حالات عدم المساواة تجاه النساء اللاتي يتحمّلن وطأة عواقبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فهنّ تأثّرن به على جميع المستويات؛ إذ توقّف تعليم الفتيات والمراهقات، وفقدَت العاملات وظائفهنّ في القطاعات غير الرسميّة

56:42

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني