حقوقية سويسرية تشرح البعد القانوني لملاحقة رياض سلامة

يناير 26, 2021
"ما كان "تابو" في السنوات الماضية يبدو أنه لم يعد كذلك، الحقيقة أن لا أحد كان يتوقع أن يرى حاكم أي مصرف مركزي في العالم يخضع للتحقيق... هذه سابقة".

التحقيقات التي تجريها سويسرا بشأن تحويلات مالية تتعلق بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، هي تحقيقات تتعلق بـ”تبييض أموال مشدد”، أي أننا نتحدث عن مبالغ طائلة. 

هذا ما أكدته لـ”درج” المحامية الدولية السويسرية المختصة بقضايا حقوقية دولية زينا واكيم. لدى واكيم خبرة واسعة في قضايا حقوقية دولية، منها محاكمة مجرمي الحرب في ليبيريا وقضية ملاحقة مؤسس شبكة “ويكيليكس” جوليان أسانج، في سياق محاولته الحصول على لجوء الى سويسرا. 

بحسب واكيم، فإن التحقيق السويسري في قضية سلامة هو تحقيق لم يسبق أن حصل، أي أن يتم التحقيق مع حاكم مصرف مركزي في بلد ما، لكن المعطيات تؤكد أننا حيال قضية تبييض أموال بمبالغ ضخمة. 

 ما الذي حمل المدعي العام السويسري على فتح التحقيق في هذا التوقيت بالذات؟

هناك احتمالان: الاحتمال الأول هو أن أحد المصارف قام بتبليغ المكتب المركزي لدى الشرطة الفيديرالية FedPol، فالمصارف السويسرية ملزمة بحسب قانون مكافحة تبييض الأموال بأن تبلغ مكتب السلطة الرقابية MRO عن أي تحويل مشبوه. وهذا المكتب يراجع الحالة وإذا كانت جدية بشكل كافٍ، يحولها إلى مكتب المدعي العام لفتح تحقيق رسمي.

يرجح أن يكون هذا ما حصل في حالة سلامة.

الاحتمال الثاني هو أن يكون مكتب المدعي العام قد علم بشكل مستقل عن إمكان وقوع جرائم جدية وقرر فتح تحقيق بشكل عفوي.

المصارف السويسرية ملزمة بحسب قانون مكافحة تبييض الأموال بأن تبلغ مكتب السلطة الرقابية MRO عن أي تحويل مشبوه.

ترددت معلومات عن بلاغات قدمت إلى مكتب المدعي العام طالبت بفتح تحقيق، هل هذا ممكن؟ 

لا تأكيدات تتعلق بأي طلبات حصل عليها المدعي العام. هناك مسار رسمي في سويسرا ليس بإمكان أحد أن يتدخل في مجراه. ما أن يفتح تحقيق يتم الاستماع الى الجاني. وإذا لم يتم الاستماع إليه في لبنان، يحصل هذا في سويسرا. هذا مسار رسمي وليس بإمكان السلطات اللبنانية أن تتدخل في مجراه. كما تعلمون في سويسرا هناك فصل للسلطات ما يعني أن القضية ليست بيد أي سلطة غير المدعي العام. ليست في يد نائب في البرلمان، ولا بيد الحكومة السويسرية، وهي طبعاً ليست بيد أي شخصية ديبلوماسية في الخارج. هذه القضية سيتابعتها مكتب المدعي العام حصراً ومن دون أي تدخل.      

ما هي الأمور التي نعرفها بشكل مؤكد حتى الآن؟ 

ما نعرفه هو أن المدعي العام أكد أن تحقيقاً يتعلق بتبييض أموال مشدد قد فتح. وتبييض أموال مشدد يعني أن القضية هنا ليست قضية تبييض أموال عادية ويعني أيضاً أن المبالغ التي نتحدث عنها هي مبالغ طائلة.

تبييض الأموال المشدد يحصل في ثلاث حالات:

عندما يكون الجاني قد اكتسب مبالغ طائلة عبر عمليات تجارية تضمنت تبييض أموال، وهذا يعني إما أن المبالغ بحد ذاتها كانت كبيرة جداً أو أن نسب الربح كانت غير مقنعة… هذا ما يعنيه تبييض الأموال المشدد. 

هناك حالتان يمكن أن تؤشرا إلى تبييض أموال مشدد، الأولى هي عندما يكون المدعى عليه عضواً في منظمة إجرامية وفي هذه الحال القضية جدية للغاية. أما الاحتمال الآخر فهو عندما يتعلق الأمر بمجموعة تم إنشاؤها بهدف تبييض الأموال.

“هناك مسار رسمي في سويسرا ليس بإمكان أحد أن يتدخل في مجراه”.

ما معنى حالة تبييض أموال مشددة؟ 

هذا يعني أولاً أن هذه قضية جدية للغاية وهناك مبالغ طائلة، الحديث هنا ليس عن بضع مئات آلاف من الدولارات ويعني أيضاً أنه في حال الإدانة، هناك عقوبة سجن تصل الى خمس سنوات، هذه تهمة خطيرة للغاية في سويسرا، هي واحدة من أكثر التهم خطورة.

هل يعتبر هذا التحقيق استثنائياً؟ 

هناك الكثير من الدعاوي المتعلقة بتبييض الأموال المشدد في سويسرا، فالمصارف السويسرية تبلغ الشرطة الفيديرالية في حالات كثيرة عن تحويلات مشبوهة. العام الماضي كان هناك نحو 7000 حالة تم الإبلاغ عنها من المكتب الذي يراجع الملفات وهو يرسل الجدية منها إلى مكتب المدعي العام. ولكن التحقيق في قضية حاكم مصرف لبلد ذات سيادة، لا أعتقد أنه حصل سابقاً… ربما حصل مع شخصيات سياسية.

إقرأوا أيضاً:

لماذا كل هذا اللغط حول المبالغ التي تم تجميدها؟ 

اللغط حصل لأن التحقيق تحدث عن تبييض أموال مشدد وكما ذكرت هذا يعني أن هناك مبالغ طائلة، هذه الصفة تؤكد أن ما يصار للتحقيق في أمره هي مبالغ طائلة. علماً أن المدعي العام لن يعلّق ولن يكشف معلومات حول هذه المبالغ لا نفياً ولا تأكيداً بسبب سرية التحقيق.

هل يعتبر تجميد الأرصدة  تدبيراً استثنائياً؟ 

تجميد الأموال ليس أمراً مهماً للغاية، فهذا أمر تقوم به المصارف بشكل دائم في الحالات التي تكون فيها شكوك حول إمكان تبييض الأموال أو تبييض الاموال المشدد، وهو أمر رائج نسبياً.

المصارف السويسرية تجمد الحسابات بشكل احترازي حتى وإن لم تكن ملزمة بذلك، أو لم تتلق أمراً من مكتب المدعي العام… هي خطوة استباقية هدفها حماية المصرف ومنع تحويل الأرصدة إلى الخارج في حال تبييض الأموال المشدد، بانتظار أن ينتهي المدعي العام من تحقيقاته.  

ما مصلحة سويسرا في تحقيق كهذا؟ 

سويسرا لديها خبرة بالتعامل مع الـPePs ومع الأموال المختلسة والفساد. هذه ليست القضية الأولى من نوعها. صحيح أنه بالإمكان السؤال عما حصل حتى وصلنا إلى هذا الحد ولماذا انتظرنا كل هذه السنوات.

كان يفترض التبليغ عن أي عمليات مشبوهة ونحن لا نعرف نوعية العملية التي يتم التحقيق فيها. ما نعلمه أنها لم تحصل سابقاً، وهنا تجب مساءلة المصارف المحلية والخارجية عن الأدوار التي لعبتها بشكل مباشر أو غير مباشر في المساعدة على اختلاس المال العام.  

إذا كانت هناك حاجة لمعلومات إضافية يمكن طلب المساعدة من دول أخرى، فرنسا والولايات المتحدة واللوكسمبورغ ولينششتاين أو بريطانيا، وهذا أمر يمكن ان يحصل… ويمكن بالتالي أن يحصل التعاون بين سويسرا وأي جهة أخرى تمتلك المعلومات.

“التحقيق في قضية حاكم مصرف لبلد ذات سيادة، لا أعتقد أنه حصل سابقاً… ربما حصل مع شخصيات سياسية”.

هل سيكون على سلامة الذهاب الى سويسرا؟ 

المدعي العام لم يعلن حتى الساعة أي معلومات، علمنا بأن هناك محامياً هنا تم تعيينه لتمثيل السيد سلامة في سويسرا. وهذا يعني أن هناك موقفاً ما سيتم الإعلان عنه قريباً هنا وعلينا انتظار ذلك. علينا أيضاً أن ننتظر التوضيحات التي ستأتي من السلطات اللبنانية لتفسير الخلفية وإعطاء جواب رسمي للسلطات السويسرية رداً على الأسئلة التي تلقتها والتي على أساسها تم الاستماع إلى سلامة. 

قد يأتي إلى سويسرا لمقابلة المدعي العام، هذا الأمر من دون شك يؤدي إلى تعجيل المسار القانوني وإلا فسيكون علينا انتظار التعاون الدولي وانتظار مراسلات السلطات اللبنانية.

ماذا علينا أن نتوقع الآن؟

ما كان “تابو” في السنوات الماضية يبدو أنه لم يعد كذلك، الحقيقة أن لا أحد كان يتوقع أن يرى حاكم أي مصرف مركزي في العالم يخضع للتحقيق… هذه سابقة. بإمكاننا فقط أن نتخيل أن صندوق “باندورا” قد فتح وقد يؤدي هذا إلى مزيد من البلاغات المتعلقة بسياسيين، تقوم بها مصارف. 

قد تكون هذه مقدمة لقصة طويلة أو ربما تكون مجرد مسألة لا تصل إلى شيء وتكون في المحصلة عملية منفصلة لا تتعلق بتبييض الأموال المشدد، فيتبين أن القضية عادية وليس هناك ما يجب التحقيق فيه أكثر أو الإبلاغ عنه.  

“حتى الآن لم يصدر أي بيان حول هذا الأمر، ما يعني أنه حتى الآن كل ما باستطاعتنا فعله هو التخمين، فنحن لا نعرف مثلاً إن كان سلامة متهماً أو مشتبهاً به أو مجرد شاهد”.

هل ستنتهي هذه القضية سريعاً؟

مثل هذه القضايا تأخذ عادة سنوات قبل أن يصل المدعي العام إلى نتيجة في تحقيقاته وعلينا أن ندع المدعي العام يحقق من دون تدخل… هذا مسار طويل، يمكن تسريعه إذا حضر الجاني إلى سويسرا وإذا أبدى استعداداً لتقديم المعلومات، وإذا تعاونت السلطات اللبنانية والسلطات المعنية في الدول الاخرى مع السلطات السويسرية. كل هذه الامور بإمكانها أن تعجل مسار التحقيق، ولكن من المستبعد جداً أن تُقفل القضية خلال أشهر أو حتى سنة.

المدعي العام حتى الآن لم يصدر أي بيان حول هذا الأمر، ما يعني أنه حتى الآن كل ما باستطاعتنا فعله هو التخمين، فنحن لا نعرف مثلاً إن كان سلامة متهماً أو مشتبهاً به أو مجرد شاهد، علينا أن ننتظر حتى نعرف ما الذي سيقرره المدعي العام. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني