سجن طرة “الوردي”: ذاكرة الثورة حية رغم محاولات طمسها

خلف سور سجن طره الوردي يقبع آلالاف المعتقلين المعارضين المحبوسين احتياطياً من دون محاكمة، تجديدات بالحبس لسنوات تلتهم أعمار من قالوا "لا" في وجه من قالوا "نعم".

هل يعلم شباب يناير المعتقلون داخل سجن طره أنه تم طلاء سور سجنهم باللون الوردي، وأن معاناتهم اليومية داخل حيطان رصاصية يتم طمسها وتلفيق القصص حولها؟ 

قامت إدارة السجون المصرية قبل أسابيع من الذكرى العاشرة لثورة يناير بطلاء سور سجن طرة باللون الوردي، ضمن منهجية “إعادة الطلاء” التي شملت إلى جانب السجون، الميادين وأبرزها ميدان التحرير، والعمارات المحيطة بالميدان، في رسالة مباشرة بأن كل شيء أصبح جميلاً، وعلينا نسيان الماضي بأحلامه الكبرى في التغيير، ولنترك أصحاب الفهم والإدارة يوفرون الأمن للبلاد وإن عبر الاعتقال والتجويع.

اللون الوردي على رغم استخدامه كلون مرادف للفرح والحياة السعيدة إلا أنه نتاج سكب الأحمر على الأبيض، تتسع دلالات هذا السكب لتقوض التفسير الشائع عنه، الوردي هنا طامس للواقع، إلا أنه قد يعزز دلالات سكب الدماء على لون الثورة “الياسمين الأبيض”.

آلاف المعتقلين الآن خلف السجون المطلية بالوردي، لن يستطيعوا المشاركة في التدوين، لكن أبناءهم في الخارج اكتسبوا هوس آبائهم وأمهاتهم بالتغيير.

خلف سور سجن طره الوردي يقبع آلالاف المعتقلين المعارضين المحبوسين احتياطياً من دون محاكمة، تجديدات بالحبس لسنوات تلتهم أعمار من قالوا “لا” في وجه من قالوا “نعم”. ففي هذه البقعة المقبضة “طره” حُسم الصراع بين أبناء يناير وبين السلطة (جيش وشرطة) وإن كان الحسم وقتياً، فإن السيناريو الكابوسي المطلي راهناً بالوردي عرضه للتقشر والتحلل، والأصوات المكتومة في البقعة الصحراوية في طره لن تظل مكتومة إلى الأبد.

مرحلة الطمس لم تأخذ شكلاً هزلياً بالطلاء وحسب، بل بمنهجية مدروسة بدقة، فبعد تولي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي تم العمل على طمس كل ما يتعلق بثورة يناير. بدأ بمحو أرشيف الصحف والقنوات الإعلامية بزعم الأخطاء التقنية، التي ويا للعجب أصابت كل المنصات الإعلامية دفعة واحدة مصادفةً، أرشيف جريدة “البديل” و”اليوم السابع” و”المصري اليوم” وغيرها، وأرشيف قناة “أون تي في”، خصوصاً حلقات برامج يسري فودة وليليان داوود وتغطياتهما لأحداث الثورة. ثم كان طمس الغرافيتي في الشوارع وتجريم الرسم السياسي على الجدران، وملاحقة فرق “الأندرغراوند” وشيطنة مغنيها، أبرزهم رامي عصام، ومنع فاعلية “الفن ميدان”، بزعم التجمهر ومنع المطبوعات السياسية والشعرية التي تنعش ذاكرة الثورة، وأخيراً منع الاحتفال بذكرى الثورة وإعادة الاحتفال بعيد الشرطة.

في عهد السيسي لن تجرؤ صحيفة مصرية على استخدام صورة أو مقطع أرشيفي عن الثورة في إصداراتها، مهما استدعى الموضوع الصحافي، فلا تجوز مخالفة إجراءات الطمس في أي حال من الأحوال، أي خطوة غير محسوبة أو عفوية لإنعاش ذاكرة الثورة وإنعاش ذاكرة الجموع تجاه ذكرى يناير، ستعتبر خطوة مثيرة للذعر وشيطانية وغير مسموح بها حتى في إطارها العفوي.

الوردي هنا طامس للواقع، إلا أنه قد يعزز دلالات سكب الدماء على لون الثورة “الياسمين الأبيض”.

وعلى رغم تكريس إعلام الدولة بشكل كامل لتحقيق منهجية الطمس بدقة، فما زال الواقع الافتراضي ينازع على مساحته، بهاشتاغ “أنا شاركت في ثورة يناير” السنوي، الذي تُفتح من خلاله الذاكرة المكلومة على مساحات الماضي وشعاراته وأحلامه، كمن يفتح قبراً على ميت ليكتشف أنه ما زال حياً.

لا تعد النوستالجيا أمراً باهتاً وساذجاً، بل هي آلية مشروعة ضد صراع غير متكافئ، وأحياناً تصبح سلاحاً فتاكاً، فالهزيمة الكبرى تحدث حينما يتحقق النسيان الكامل، والنوستالجيا حارس الذاكرة الأساسي لأبناء ثورة يناير وأبناء أبنائها، حتى وإن فاضت هذه النوستالجيا في جلسات بصوت خفيض بين الأصدقاء، انسكبت خلالها الدموع والشد العضلي والحسرة، حتى وإن فاضت في منشورات مرتبكة وعاطفية على “فايسبوك”، لكنها ما زالت سلاحاً تضامنياً فعالاً، قد يأتي أوان استخدامه بفاعلية أكبر ومساحات أكثر تأثيراً.

شيماء الصباغ

من يحاول طمس ذاكرة الثورة لن يطمس صوت الطفل بلال ابن شيماء الصباغ “شهيدة الورد” التي قتلت على يد قوات الشرطة، وهي تقف في ميدان طلعت حرب، لتحيي ذكرى الثورة، الطفل بلال بدأ حملة تدوين منذ مطلع شهر كانون الثاني/ يناير عن والدته وفوجئ بحملة تتسع، تدوينات من “الينايرجية”، وآلالاف البوستات التي تذكر والدته وقصة رحيلها، فيما تحدثت كتابات أخرى عن التغيير ورفض القمع.

آلاف المعتقلين الآن خلف السجون المطلية بالوردي، لن يستطيعوا المشاركة في التدوين، لكن أبناءهم في الخارج اكتسبوا هوس آبائهم وأمهاتهم بالتغيير، لأن الذاكرة تم تمريرها قبل أن تطمس ظاهرياً، فالأبناء يعلمون الآن كما آبائهم وأمهاتهم أن” الثورة قايمة والحراك دوّار”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني