fbpx

“أنا ابنة ثورة يناير التي ودعتني بقسوة…”

كنت أعتقد أن المرة الأولى التي تعرضت فيها للاعتقال هي الأصعب، الحقيقة كانت عكس ذلك، الأخيرة كانت شديدة القسوة، ذقت فيها مرارة السجن فقط لأن أحدهم قرر ذلك...

 بسمة مصطفى صحافية وناشطة مصرية كانت ضمن آلاف الذين جذبتهم ساحات ثورة يناير، ضد نظام حسني مبارك قبل 10 سنوات وشهدت كيف سقط زملاء وأصدقاء لها، في سياق مطالبتهم بحقوقهم وحريتهم. تعرضت بسمة كالكثير من الصحافيين والنشطاء المصريين إلى الملاحقة والاعتقال أكثر من مرة بسبب عملها الصحافي ونشاطها. تكرار الملاحقة أجبرها على مغادرة مصر إلى بيروت. وهنا مساهمة أولى لبسمة تروي فيها بعض ما عانته.


“إنتي الآن في أرض جديدة، تذكري إننا أبناء العالم ولسنا ملك بقعة محددة منه، إننا أبناء الآتي ولسنا بالضرورة أسرى ما عشناه من تجارب”، كانت هذه أول رسالة من صديق لي في رحلتي الجديدة، استمعت إليها عندما حطت قدماي بمطار رفيق الحريري، في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.

أستمع إليها الآن وأنا أبكي يا صديقي، اختفت تلك الابتسامة التي رافقتني عندما استمعت إليها للمرة الأولى، لأنني الآن وبعد ثلاثة أشهر من انطلاق هذه الرحلة الجديدة من حياتي، لم أستطع أن ألتئم، فأنا بنت تجربتي التي وُلدت منذ 10 سنوات مع اندلاع ثورة يناير . 

لم أكن أرغب في الكتابة على مدار الأشهر الماضية، فقدت شغفي كاملاً، لكنني علمت أن شفائي قد يأتي على يد فعل الكتابة مهما كنت عاجزة عنه، لكن الآن عملاً بنصيحتك، صديقي، في أن أكون ابنة الآتي، أكتب لعلني أُشفى من أوجاع هذه التجربة التي ما زلت أسيرتها.

 هذا هو المقال الأول من سلسلة مقالات بعنوان “كيف بدأت الرحلة؟”، سأروي فيه عن مشهد لم أستطع نسيانه حتى الآن وهو كمين كان في انتظاري. 

الخميس 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، انتهت ساعات العمل الشاقة، بلقاء جمع بيني وبين أصدقائي المقربين في مطعم “تبولة”، في “غاردن سيتي”، المطعم الذي اتخذناه حضناً لنا نحتمي داخله، عندما تشتد علينا قسوة الأيام. أجواء هادئة وأطعمة لذيذة نتناولها، وصوت فيروز في الأرجاء. لم أكن أعلم أن هذه المرة الأخيرة التي أجتمع فيها بمن أحب.  

في اليوم التالي، استيقظت ظهراً من نومي في حالة من الأرق، بسبب القصة التي كنت أعمل عليها، بدأت الأسئلة تتبادر إلى ذهني مجدداً، ماذا حدث لعويس الراوي؟

ظل ذهني شارداً في التفاصيل المتبقية من الحكاية التى لم تروَ بعد على لسان الشاهد الرئيس للواقعة وهو والد عويس. الحقيقة أنني حاولت التواصل معه عبر الهاتف، ولكن المحاولات فشلت، فالأب المكلوم على وفاة ابنه أمام عينيه، لم يكن قادراً على الإجابة.


عويس الراوي


قُتل عويس على يد أحد عناصر قوات الأمن رمياً بالرصاص أمام أسرته، في مدينة الأقصر، صعيد مصر. لم يكتف الأمن بقتل عويس فقط، بل ألقى القبض على شقيقه الأصغر وعدد من أبناء القرية ولم يحظ الشاب الصعيدي، البالغ من العمر 38 سنة، صاحب البشرة السمراء ومسحة الحزن التي تلمحها جلية في عينيه بصورته المنشورة على “فايسبوك”، مع مطالبات بالاقتصاص له، بجنازة لائقة. تحولت الشوارع التي جمعت أهالي قرية العوامية لتوديع عويس إلى ساحة من الكر والفر بين عائلته وقوات الأمن التي حاولت منع الجنازة خوفاً من اندلاع التظاهرات.

مشهد رأيته كثيراً، قتل خارج إطار القانون، تبعه ترهيب وتخويف لأهالي الضحية، ثم جنازة غاضبة يتم تفريقها، مشهد ذكّرني بما حدث لإسلام الأسترالي شاب المنيب وعفروتو ابن حي المقطم، اللذين قتلا يد ضباط الشرطة. 

اتخذت قراري بالسفر إلى مدينة الأقصر التي تبعد من القاهرة نحو 11 ساعة، إذا كنت مسافراً بالـ”أوتوبيس”. كنت أعلم مسبقاً أن هذه القضية قد تُعرضني للاعتقال بنسبة 80 في المئة. ومع ذلك اخترت السفر وتحمل العواقب كاملة. الكثير من المسؤولين عني في العمل والزملاء يرون أنني صحافية عنيدة لا أسمع لأحد، فيما يرى مقرّبون مني أنني غير مسؤولة، وطبيبي النفسي يعتقد أنني لا أشعر بالخوف أبداً، لكنني لست واحدة من هؤلاء.

الحقيقة هي أنني كنت في التاسعة عشرة، عندما اعتقل عناصر قوات الشرطة العسكرية والدي الذي خضع لمحاكمة عسكرية مخالفة للدستور، بتهمة ملفقة، كان ذلك في آذار/ مارس 2011 بعد تولي المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد.

كان الحديث حينها عن المجلس العسكري وانتهاكاته صعباً للغاية وخطراً، وقد يعرض صاحبه لمحاكمة عسكرياً. لم ينصفني في هذا الوقت سوى الصحافة، كانت هي صوتي.

أعلم جيداً أن الأزمنة هنا مختلفة، عقب الثورة مباشرة كانت الصحافة ما زالت قادرة على التغيير، وكانت هناك مساحات من الحرية، لم تعد موجودة الآن، لكنني أيضاً ما زلت مؤمنة بالمردود النفسي والمعنوي للصحافة على الضحايا، كفسحة لمشاركة معاناتهم مع الآخرين، حتى لا يشعروا بأنهم وحدهم في هذا العالم ولا أحد يأبه لهم.

أسرتي وأنا ساعدتنا الصحافة لنروي قصتنا عندما كنّا ضحايا للمجلس العسكري، وهذا ما فعلته أنا طوال 10 سنوات من العمل الصحافي، وسأظل أفعله مع كل ضحية تحتاج أن يسمعها الآخرون.

كنت أنظر إلى السماء من نافذة “الأوتوبيس”، وفي قلبي أمنية واحدة أن أعود سالمة.

كان موعد الرحلة إلى الأقصر 2 فجراً من يوم السبت 3 تشرين الأول. قبل أن أتوجّه إلى “الأوتوبيس”، قررت أن اقتطع وقتاً لنفسي وأتناول عشائي المفضل وهو الحمام المشوي، وأتمشى في شوارع وسط البلد قليلاً. ربما تكون المرة الأخيرة. جهزت حالي لمراسم العزاء أيضاً، اشتريت ملابس سوداً واسعة، ووشاحاً كي أغطي به شعري، احتراماً لثقافة المدينة. أخذت معي 600 جنيه فقط، كنت أقول لنفسي، إنني مسافرة للعودة بقصة صحافية، وأن هذه جولة ميدانية لمدة ساعات وسأعود إلى بيتي في اليوم ذاته، ولن اضطر للمبيت في المدينة، كانت خطتي أن أنجز عملي وأعود سريعاً.

انتظرت اللحظة الأخيرة حتى أخبرت نورا يونس، رئيسة تحرير المنصة، كنت أعرف أنها ستعمل جاهدة لمنعي من السفر حماية لي، وعلى رغم أنني وضعتها أمام الأمر الواقع، إلا إنها حاولت منعي. وعلى رغم إصراري، ورفضها، إلا إنها لم تتخلَّ عني وكانت معي كل لحظة، كنت أرسل لها صورة “سيلفي” لي، وأنا في الطريق مبتسمة كي يطمئن قلبها.

أما كريم، رفيق رحلتي، يوم حطت قدماي مدينة القاهرة منذ 10 سنوات، فدائماً ما كان مؤمناً بي وبعملي، إلا أنه يومها قال لي للمرة الأولى “لا” على قصة صحافية. كلاهما أخبرنني أنني لن أتمكن من مباشرة العمل على هذه القصة وأنني سأكون في قبضة الأمن عندما أصل.

لا أعلم من أين جاءني هذا الأمل ومشاعر السكينة التي كانت تطمئنني بأنني سأعود إلى بيتي اليوم، مثل كل مرة، وإن ساءت الأمور، سيحصل ذلك بعد أن أنتهي من تسليم مادتي الصحافية، وكنت راضية بذلك. لا أعلم لماذا أيضاً كنت راضية بالسجن مقابل إنجاز هذه القصة. هل لأن الظلم الذي تعرضت له هذه الأسرة، كان محركاً قوياً للتجربة الظالمة التي تعرضت لها أسرتي عقب الثورة، ولم ينصفني وقتها سوى الصحافة؟ 

أم لأنني عملت على مدار 10 سنوات من القصص الصحافية على قصص تحاك خيوطها في السجن والظلم والتعذيب والفقد والاختفاء القسري والقتل وأصبحت أشعر بالذنب والمسؤولية تجاه هذا كله؟ 

كنت أنظر إلى السماء من نافذة “الأوتوبيس”، وفي قلبي أمنية واحدة أن أعود سالمة، كرامة لهؤلاء الذين حاولوا منعي حتى لا يشعروا بالذنب تجاهي.

نقطة تفتيش الأقصر

الساعة العاشرة والنصف صباحاً، وصل “الأوتوبيس” نقطة تفتيش مدينة الأقصر. تحضّرنا للتفتيش الروتينيّ، إلا أن رجلين كانا يجلسان خلفي مباشرة، عرّفا نفسيهما بأنهما ضابطا شرطة، طلبا من قوة التفتيش أن تسمح للحافلة بالتحرك فوراً. 

اتصلت بأصدقاء أحبهم، سمعت صوتهم ولم أخبرهم شيئاً. واتصلت بطبيبي النفسي، صوته دائماً ما يطمئنني عندما أكون في حالة توتر شديد، ولكنني فضلت عدم إخباره بمكاني أو بما أفعله على غير عادتي، كي لا يفزع، بشكل غير واعٍ. حاولت تأجيل الخوف والتركيز على خطة العمل.

هاتفت المصدر الذي كان يفترض أن يلتقي بي في محطة الأوتوبيس في الأقصر، كي يقلني إلى منزل أسرة عويس، لكنه لم يرد على اتصالاتي، راودتني الشكوك، ولكنني حتى الآن لا أملك إجابة يقينية، هل سلّمني المصدر؟ أو ربما تعرض هو نفسه للتهديد حتى لا يقابلني.

الحقيقة الثابتة أن الطريقة التي أعدها الأمن للقبض علي، تدلّ أنه كا مستعداً لفعل أي شيء لمنع أي صحافي من الوصول إلى الأسرة. 

قبل السفر كنت تحدثت مع ثلاثة مصادر مختلفة في الجهات الأمنية، للرد على المعلومات التي كنت أملكها عن القصة، الأول عقيد في المكتب الإعلامي لوزارة الداخلية، قال لي إن هذه المعلومات تعتبر أخباراً كاذبة، والثاني كان نقيباً في مديرية أمن الأقصر الذي غضب كثيراً، ليس لجريمة قتل راح ضحيتها مواطن مصري على يد ضابط شرطة، كان غاضباً لرغبته في معرفة كيف حصلت على رقم هاتفه. وفوجئت وأنا معه على الخط، بمكالمة هاتفية كانت على الانتظار، أخبرني المصدر أنه أعطى رقمي للمسؤول الذي يملك تفاصيل القصة وهو يتصل بي الآن. بالفعل قمت بالرد على المكالمة الثالثة، التي عرف صاحبها نفسه بأنه مسؤول قطاع الصحافيين لدى وزارة الداخلية. سألني عن اسمي والمكان الذي أعمل فيه وعن سبب اهتمامي بهذه القصة، ثم أغلق الخط. وبعد خمس دقائق، عاود الاتصال بي قائلاً: “أهلا يا مدام بسمة”. علمت بأنه كان يجمع معلومات عني وبعدما انتهت المكالمة شعرت بالخطر، قبل قرار السفر نفسه، إذ كان يمكن أن يلقي الأمن القبض علىّ من البيت حتى لو لم أسافر، وأنا أميل إلى أن المكالمات الثلاث هذه كانت سبباً في تتبع هاتفي ومن ثم معرفة تحركاتي وإعداد هذا الكمين لي.

الكمين

حتى الآن وبعد أشهر على ما حدث، وقد أصحبت خارج مصر، أتذكر الكمين جلياً كأنه يحدث الآن، أتذكر حالة الهلع التي حلت بي، عندما فتح “الأوتوبيس” بابه، ثم دفعني ضابط إلى الداخل سائلاً عن بطاقة هويتي الشخصية، اطلع على بطاقتي وسمح لي بالسير.

نظرت ورائي لأجده يسير خلفي، وكتبت رسالة سريعة لزملائي قائلة لهم ما حدث، نظرت ورائي مرة أخرى، لأجد الكثير من رجال الأمن يسيرون خلفي، نظرت حولي للبحث عن أي وسيلة مواصلات أستطيع أن أستقلها، كي أخرج من هذا الشارع في محاولة أخيرة لأنجو بنفسي، لكن كل شيء كان مُعداً.

كنت أسمع صوت تنبيه الرسائل النصية على هاتفي وكنت أراها، رسائل نورا “يا بسمة ردي عليا؟ انتي فين؟ ابعتي شير لوكيشن”. كنت أحاول أن اكتسب المزيد من الدقائق للاعتذار من الذين لم أسمع لهم، وجدت نفسي في دائرة مُحاطة بالرجال، فقدت حينها الإحساس بكل شيء، شعرت بالدوار وبأن كل شيء حولي مشوش، صور مهزوزة، كأنني أفقد الرؤية، أصوات تأتي من بعيد، كأنها من زمن آخر، تصرخ فيّ بجملة واحدة “اثبت مكانك، سيبي الموبايل”. حاولت أن أجلس على الأرض مخبئة الهاتف بين رجليّ كي أرسل مكاني، ولكن أحدهم ركلني في ظهري من الخلف تجاه الأرض، وثبت رجله عليّ، فيما سحب آخر الهاتف من يدي، كان ينقصني أن اضغط زر الإرسال فقط.

وقفت ثابتة في مكاني، أحضروا سيارة “ميكروباص” لونها أبيض وعلى نوافذها ستائر سود، أدخلوني إليها. قام أحدهم بعصب عيني بالوشاح الذي اشتريته كي أغطي به شعري عندما أصل إلى العزاء، كنت أجلس في المقعد الأول وأشعر بأن كل من في الميكروباص ينظرون في وجهي مباشرة ويصرخون فيّ مثل أسطورة الجاثوم التي تحدث للبشر اثناء النوم حتى يكاد يقتلهم هذا الجاثوم وهم نيام.

أدركت أن للمشاعر روائح، كنت أشم مشاعر الغضب والكره التي تفوح من أجساد الجالسين بجانبي، كانت روائحهم كالحبال التي تلتف حول رقبتي رغبة في إفساد محاولاتي الفاشلة لتنظيم نفسي، وأنا أقول “”شهيق زفير، وكأن الكمين الذي نصبوه لي لا يكفي. استسلمت لهذه الحبال وأنا أفكر في مصيري المنتظر، وأنه منذ هذه اللحظة سيقرر مصيري آخرون.

، أتذكر الكمين جلياً كأنه يحدث الآن، أتذكر حالة الهلع التي حلت بي.

“ألو.. احذف كاميرا شوارع محطة الاتوبيس” قال أحدهم… تذكرت أنني كتبت كثيراً في قصصي الصحافية عن الاختفاء القسري وما يشعر به أصحاب هؤلاء التجارب، ولم أكن أتوقع أن أكون واحدة منهم. لم أجد كلمات أعبر بها عن هذه اللحظات، على رغم أنني كتبت قصص الآخرين ورويت أوجاعهم. أعلم الآن أن كل ما قدمته لضحايا القصص التي كتبت عنها، لا شيء أما المشاعر التي اختبروها في لحظات اختفائهم القسري، في مكان مظلم لا ترى فيه أحداً، فيما يراك الجميع ويتلذذون في تعذيبك.

توقفت السيارة بشكل مفاجىء، علمت أننا وصلنا، ثم حاول أحدهم توجيهي في النزول منها، اصطحبني من يدي، صعدت 5 درجات تقريباً من السلالم ثم مشيت نحو عشر خطوات، ثم صعدت 5 درجات أخرى، ثم مشيت نحو 8 خطوات أخرى. وبعدها ساعدني أحدهم في الجلوس على كرسي أظنه مصنوع من الجلد، وأظن أننا كنا في غرفة مكتب.

كان مثيراً للاشمئزاز أن أطلب مساعدة الذين أرهبوني نفسياً، وأتركهم يمسكون يدي لمساعدتي على السير كي لا اصطدم في أحد الحيطان.

صفعة مباغته استقبلتها على وجهي، عندما رفضت الإفصاح عن الرقم السري لهاتفي وحاسوبي الشخصي، ثم بدأ التهديد بأن علي أن أختار الطريقة التي أفضل التعامل بها، لأن النتيجة ستكون واحدة في النهاية وهي أنني سأسلم الأرقام السرية. قال أحدهم ذلك وهو يمسك بشعري في يده، لا أعلم إن كان الشخص الذي صفعني على وجهي، أو شخصاً آخر، ولكنني أتذكر أن جميع اجزاء جسدي، كانت تنتفض بين حين وآخر، تحسباً لأي حركة مباغتة.

إقرأوا أيضاً:

التحقيق 4 مرات

خضعت للتحقيق 4 مرات على جلسات منفصلة، العجيب كان اعتذار الضابط المحقق مني، في بداية جلسة التحقيق الأولى، قائلاً: “إحنا آسفين على الطريقة يا أستاذة بسمة، بس احنا عندنا نتعامل مع إرهابي ماسك سلاح ولا إننا نتعامل معاكم إنتوا الصحفيين اللي ماسكين لينا القلم على الواحدة”.

بدأت الأسئلة عن عملي والقصص التي أهتم بها، معتبرين أنني أعمل من خلالها على التحريض ضد جهاز الشرطة والدولة.

ربطتني علاقة مع الحرس المكلفين بمراقبتي في الأوقات التي كانت تفصل بين جلسات التحقيق، شعرت بألفة معهم، أحدهم سألني إذا كان لدي أطفال أم لا، وأخبرته بأن لدي طفلتين، أكبرهما لم تبلغ السادسة بعد، وأخبرته أن عيد ميلاد ابنتي هيباتيا بعد 40 يوماً. ظهرت في صوته نبرة تعاطف، قال: “إن شاء الله تكوني معاها قريباً”.

ربما أكون مخطئة وما شعرت به، كان بسبب متلازمة ستوكهولم وهي إظهار الحب لمن يسيء لك، كانوا 3 حراس، لم أرهم لكنني استطعت تمييز أصواتهم بعد وقت قليل من إغلاق عيني.

يُقال إأن من يفقد حاسة البصر، يسمع ويشعر بما حوله بشكل جيد، تذكرت عمتي التي فقدت بصرها في حادثة تصادم سيارتين ليلة زفافها، وتذكرت كيف كانت تشعر وتسمع بشكل جيد من بعد. حاولت التصنت على أي أصوات خارج الغرفة التي كنت فيها، حاولت النوم ولكنني استيقظت بعد 10 دقائق خائفة والعرق يتصبب من جسدي. سمعت حينها صوت أقدام تمشي في الخارج، شعرت بأن باب الغرفة مفتوح. الصوت كان واضحاً نوعاً ما، كانت خطوات لرجلين، أحدهما يساعد الآخر في المشي، مثلما حدث معي، كانت هناك خطوة لقدم واثقة تألف المكان، وخطوة لقدم خائفة تشبه خطواتي، ربما تكون عينا صاحب هذه الخطوة، معصوبتين أيضاً. سمعت صوته يسأل: “إحنا رايحين فين؟” ويرد صاحب الخطوة الواثقة ضاحكاً “هنركب الأوتوبيس”، علمت أنني لست وحدي في هذا المبنى.

شعرت بالاطمئنان، وودت لو يشعر صاحب الخطوة الخائفة بوجودي كي يطمئن هو أيضاً. تذكرت أنني صحافية وكان يمكن أن أكتب قصته. فسألت الحرس بصوتٍ عال: “أنا همشي امتى؟” ليرد قائلاً: “مدام منزلتيش تحت الموضوع بسيط، شوية تحريات وهتمشي”. إذاً، هناك زنازين تحت الأرض فيها ناس وحكايات.

منيت نفسي بأن يكون سمعني صاحب هذه الخطوة واطمئن إلى أنه ليس وحده أيضاً. في جلسات العلاج النفسي الجماعي، تعلّمنا أن أهم خبرة  لأصحاب الشخصية الحدية، أن يعلموا أنهم ليسوا وحدهم. وكنا نمارس تمرين اليقظة بأعين مغمضة، ونفكر في شيء ما ثم نحكي لبعضنا بعضاً ما نشعر به. تخيلت أنني وصاحب هذه الخطوة سنتشارك المشاعر ذاتها، ثم نقول لأنفسنا إننا لسنا وحدنا.

حاولت رسم ملامح للمكان الذي كنت فيه، رسمته في خيالاتي، مبنى بدون سقف يسمح لأشعة الشمس بالسطوع على أجسادنا، وينير عتمة أعيننا بلون السماء الأزرق. استحضار اللون الأزرق ذكرني بالشاب الاردني عبدالرحمن رواجبة، الذي اعتقلته قوات الأمن في أيلول/ سبتمبر 2019، بعد اندلاع تظاهرات ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي واتُّهم بالتحريض على التظاهرات. كنت تواصلت معه بعد إخلاء سبيله وعودته إلى الأردن، وعندما بدأ بسد تفاصيل احتجازه في الأمن الوطني وعيناه معصوبتان أيضاً. روى لي أن أغنية “لما كان البحر أرزق”، كانت تشعره بالاطمئنان، بدأت في دندنة كلمات الأغنية: 

“لما كان البحر أرزق والنجوم لسه في مكانها 

وطيور بتحلم فوق الشجر كل يوم…

سيطر البكاء عليّ 

حاول أحد الحراس تهدئتي 

لم أكن خائفة من الحبس”…

كنت افكر في طريقة للتواصل مع ابنتيّ، تذكرت صديقتي الصحافية، سولافة مجدي، التي تخطت العام من الحبس الاحتياطي، وهي أيضاً لديها طفل من عمر ابنتي هيباتيا. كانا يلعبان معاً في الحديقة الملاصقة لمنزلينا، إذ كنا جيراناً في وقت سابق. والآن سنصبح جارتين في السجن، بعد قطيعة استمرت عامين قبل تعرضها للحبس. تذكرت كم أحبها وشعرت بالاطمئنان لأنني سوف أراها عندما أصل إلى سجن القناطر، وسنصبح جارتين للمرة الثانية، لم نختر ذلك ولكن أحدهم قرر عنا، ولكن حتى هذه الأمنية يا سولافة ظلت أمنية فقط، دخلت السجن وخرجت منه ولم تلمحك عيناي.

تذكرت أن ابنتي بعد أسبوع سوف تذهب إلى المدرسة ولست معها، توسلت الحارس بشكل ساذج أن يعطيني أحدهم هاتفه لأتصل بابنتي، لكنه رفض.

إقرأوا أيضاً:

الاعتقال الثالث

كانت هذه المرة الثالثة التي أتعرض فيها للاعتقال على مدار 10 سنوات من عملي الصحافي. كانت المرة الأولى يوم 25 نيسان/ أبريل 2016، بعد نشر تحقيقي عن “ضحايا ميكروباص جوليو ريجيني” استمرت 9 ساعات. والثانية كانت في 9 آذار/ مارس 2020، أثناء تغطية ميدانية عن انتشار فايروس “كورونا” التي استمرت 12 ساعة، وبين الثانية والثالثة 6 أشهر فقط.

في المرة الثانية طلب مني ضابط الأمن الوطني بشكل مباشر، أن أترك الملفات التي أعمل عليها والتي تساهم في تشويه صورة مصر كما يرى، مقدماً لي نصيحة وصفها بالمخلصة قائلاً: “مالها ملفات المنوعات والفن؟ ولا انتي غاوية بهدلة وحبس، دي آخر مرة نحذرك فيها، وآخر مرة نسامح فيها، والنهاردة هتمشي عشان خاطر الأسماء الوطنية اللي كلمتنا عشان تمشي”.

كنت أعتقد أن المرة الأولى التي تعرضت فيها للاعتقال هي الأصعب، لأنها التجربة الأولى، الحقيقة كانت عكس ذلك، الأخيرة كانت شديدة القسوة، ذقت فيها مرارة السجن لأيام، فقط لأن أحدهم قرر ذلك وليس لأنني ارتكبت جريمة أستحق عليها العقاب. رأيت جدران السجن الصماء التي سريعاً ما تحول مسجونوها جماداً مثلها، يفقدون كل شيء سوى الإحساس بالذل المُغلف بقسوة موحشة لم يعتادوها. 

الكلبشات

“الكلبشات” تُوضع في يدي، كان هذا أول ما رأته عيناي في الشارع، خارج مبنى الأمن الوطني، بعدما قال لي أحد الحراس: “يلا يا بسمة إنتي ماشية”. كان هناك ضابطا شرطة برتبة نقيب، أحدهم بزي شرطة، والآخر بزي أمن مركزي، حاولا التأكد من هويتي ومن أنني بسمة مصطفى المتهمة المطلوبة.

رافقتني لحظات من الانفصال عن الواقع، تشعرني بأن هذا غير حقيقي وأنني نائمة وسوف أستيقظ قريباً، ساعدني ذلك على التزام الصمت عندما صعدت إلى سيارة الترحيلات. قطع هذا الصمت توقف السيارة بشكل مفاجئ، ووجدت الضابطين يطلبان مني النزول، كي أركب السيارة رباعية الدفع معهما لأن الطريق طويل.

“إنتي كويسة؟” سألني أحدهم.. لم أجبه، شكرته فقط لأنه نقلني إلى السيارة، ثم قال لي إننا سنمر على استراحة مدينة أسيوط ويمكننا التوقف لشراء طعام ومشروبات، نظرت إلى “الكلبشات” بصمت. ظل هو أيضاً صامتاً، ربما كان يفكر، ثم أخبرني أنه سينزع “الكلبشات” عن يدي، ولكن عليّ أن أكون مسؤولة حتى لا أعرضه للخطر.

“الكلبشات” تُوضع في يدي، كان هذا أول ما رأته عيناي في الشارع، خارج مبنى الأمن الوطني، بعدما قال لي أحد الحراس: “يلا يا بسمة إنتي ماشية”.

دخلت إلى الاستراحة، أول شيء فعلته كان الدخول إلى الحمام، كانت لدي رغبة ملحة بأن أرى نفسي في المرأة، وضعت رأسي تحت مياة الصنبور، تذكرت نصائح الطبيب لنا في “الغروب ثيرابي”، عندما نكون في موقف صعب التحمل، نضع رأسنا تحت مياه باردة كي نغير درجة حرارة المخ، كي نستطيع تحمل الألم والتحلي بالهدوء، فعلت ذلك، ثم نظرت إلى نفسي في المرآة وقلت “كل هذا سيمر”.

ذهبت لشراء فنجان قهوة والكثير من الحلويات، التي تحبها ابنتاي، وكنت أمنعهما من إدخالها إلى المنزل، خوفاً على صحتهما من السكر، كنت أتمنى في هذه اللحظات الممتعة حقاً لشخص يعلم أنه في طريقة إلى السجن، أن تنشق الأرض وتبتلعني هرباً من أعين الناس الذين كانوا يحدقون بي وكأنني “فيترينة” للفرجة، شعرت كأنني مصلوبة على الحيطان، عارية الجسد، والجميع ينهش فيّ. 

نظرت إلى شنطة الحلويات محاولاً منع دموعي من الانهيار، حتى سألني الضابط، لماذا كل هذه الحلويات؟

قلت له، “لابنتَي”، فقالي لي: “انتي مش هتشوفيهم يا بسمة، إنتي رايحة على السجن يا بنتي”.

قلت له “أعلم ذلك، ولكنني قد أرسلها اليوم مع المحامين الذين سيحضرون معي التحقيق أمام النيابة، وتكون هذه رسالتي الأولى لهما، عليّ الآن البحث عن الرسالة الثانية”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القانون يبقى تفصيلاً يمكن تجاوزه أمام حقائق “السلم الأهلي”. وقصة “السلم الأهلي” لطالما لجأ إليها “حزب الله” لتدبير إحكامه الإمساك برقابنا!
Play Video

7:16

Play Video

5:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني