fbpx

تونس: قوة مفرطة واعتقالات لقصّر فهل تتطور الاحتجاجات؟

"هل يعقل أن يتم القبض على طفل لأنه صور ما يحدث؟"... هذه الاعتقالات العشوائية رأى فيها حقوقيون رغبة من النظام في بسط السيطرة الديكتاتورية المعهودة قبل 2010 ...

منذ 14 كانون الثاني/ من يناير 2021، والمشهد الاحتجاجي في تونس ماض نحو التصعيد، بعد الاعتداء بالعنف اللفظي ضد الراعي عبد الرحمان العثماني في محافظة سليانة / الشمال الغربي لتونس. مشهد اعتداء رجل الأمن على الراعي الذي لم يرتكب أي جرم سوى مروره بقطيع خراف أمام مقر الولاية/ المحافظة، كان الشرارة الأولى للاحتجاجات، التي أعادت للأذهان مشاهد القمع البوليسي قبل ثورة 2010، وتحديداً مشهد  الخلاف الذي نشب بين محمد البوعزيزي وضابطة الأمن على عربة الخضار.

احتجاجات التونسيين الأخيرة واجهتها السلطات كما في أيام الثورة، باستخدام الغاز مسيل الدموع، ونفذت سلسلة اعتقالات عشوائية  شملت أكثر من 1200 متظاهر وناشط، معظمهم قصر وأطفال، وُجّهت لهم تهم كيدية، وفق عائلاتهم ومحاميهم.

هيثم (16 سنة، من محافظة صفاقس/ جنوب تونس)، انقطع عن الدراسة باكراً إثر صدمة نفسية، وهو الآن يقبع  في السجن بعد القبض عليه، بينما كان يوثق إطلاق الغاز مسيل الدموع على المحتجين خلال الاحتجاجات الأخيرة.

تأسف منية الفارسي خالة هيثم على سجن ابن شقيتها، مؤكّدة لـ”درج” أنه لم يرتكب أي جرم ولم يكن مع أي من المشتبكين مع قوات الأمن، “كان فقط يمسك هاتفاً جوالاً ويوثق ما يحدث”.

“هل يعقل أن يتم القبض على طفل لأنه صور ما يحدث؟ الأخطر من ذلك أنهم وجهوا له تهمة التحريض على العنف ضد قوات الأمن”. تشير منية إلى أن هيثم موهوب في التصوير وقد انكب في الفترة الأخيرة على تصوير سيارات الأمن أثناء ملاحقتها الشباب ليلاً، ونشر الفيديوات على “فايسبوك”، وهو ما  أزعج السلطات الأمنية.

ياسين عزازة وهو محامي عشرات الموقوفين القصر على ذمة قضايا مشابهة، يؤكد لـ”درج” أن عدد الموقوفين منذ اندلاع الاحتجاجات الليلية المرفقة ببعض أعمال سرقة لمغازات، تجاوز الألف موقوف. 

“هناك من تمت مداهمة منازلهم والقبض عليهم لمجرد نشر تدوينات مساندة للحراك الشعبي، وهناك من يقبع في السجن الآن وهو غير متورط في سرقة المغازات. هل يعقل توجيه تهمة (تكوين وفاق إجرامي) لأطفال لا تتجاوز أعمارهم 14 سنة؟”.

عدد الموقوفين منذ اندلاع الاحتجاجات الليلية المرفقة ببعض أعمال سرقة لمغازات، تجاوز الألف موقوف. 

تفيد منية الفارسي بأن ابن شقيتها ليس مجرماً وأن عائلته تعتني به جيداً، وهو على رغم انقطاعه عن الدراسة، إلا أن والديه سجلاه في مدرسة تكوين مهني (أشغال صناعية يدوية) في حين كان مولعاً بشراء الهواتف الذكية الجديدة وتصوير كل شيء.

“كان يقول لي أنت صحافية لكنني أستطيع أن أدرّبك على التصوير وأعلّمك تقنيات ومهارات مفيدة لك في مهنتك، لا أكاد أصدق أن هيثم ابن الـ16 سنة، والمفعم بالحيوية، في السجن الآن”، تضيف الفارسي.

في محافظة صفاقس أيضاً وتحديداً في منطقة طينة أوقف 7 أشخاص، حالتهم تشبه حال هيثم، تتراوح أعمارهم بين 17 و30 سنة، وفق سيف الغابري أحد سكان المنطقة.

“منظمة العفو الدولية” استنكرت في بيان مقتضب استخدام القوة المفرطة وغير الضرورية لتفريق المتظاهرين، الذين احتجوا ضد التهميش وعنف الشرطة والفقر، كما استغربت اعتقال الشرطة التونسية نشطاء لمجرد التعبير عن غضبهم على “فايسبوك”.

ومن بين هؤلاء، الشاب أحمد غرام، الذي اعتقل مباشرة من منزله بعد نشره تدوينة على “فايسبوك” عبّر فيها عن غضبه وامتعاضه من التهميش وعنف الشرطة.

ودعت منظمة العفو السلطات التونسية إلى الإفراج عن غرام فوراً من دون قيد أو شرط وإسقاط جميع التهم الموجهة ضده. وأشارت إلى الانتهاكات الواقعة أثناء القبض عليه منها استجوابه بسرعة من  دون حضور محامٍ. وهو الآن يقبع في سجن المرناقية في العاصمة.

هيثم وأحمد ليسا الوحيدين اللذين قبض عليهما، من دون جرم يذكر، ففي 18 كانون الثاني، اعتقلت قوات الأمن التونسية  الناشط الحقوقي في الجمعية التونسية للعدالة والمساواة “دمج”، حمزة نصري جريدي، على خلفية مشاركته في تظاهرة سلمية، تضامناً مع محتجين آخرين ضد عنف الشرطة والتهميش والفقر ونقص فرص العمل. ثم أُفرِج مؤقتا عنه في 21 كانون الثاني 2021. إلا أن حمزة نصري يواجه حتى الآن تهماً يمكن أن تؤدي الى عقوبات سجنية.

في هذا الإطار، دعت “منظمة العفو الدولية” السلطات التونسية إلى إسقاط جميع التهم الموجهة ضد جريدي وضد كل شخص تم توقيفه أو تتبعه، لممارسته حقه في التعبير والتجمع السلمي. 

ومع الانتهاكات الإنسانية والقانونية المستمرّة بحق الموقوفين وشكاوى أهاليهم إزاء ذلك، بادرت “الهيئة الوطنية للمحامين”، بالتعاون مع “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” بتأسيس مرصد للانتهاكات ومتابعة التوقيفات العشوائية الأخيرة. المنظمتان في بيان مشترك اعتبرتا التتبعات العدلية للموقوفين هي  من أجل نشر تدوينات تتعلق بحرية الرأي والتعبير، وليست بسبب جرم ارتكب.

وبدورها خصصت “منظمة محامون بلا حدود” خطاً هاتفياً للعائلات في حال حاجتهم إلى محامين بشكل مجاني للإبلاغ عن حالات الاعتقال.

وفق عائلات الموقوفين الذين تحدث معهم “درج”، فإن معظم التهم كانت “إحداث الشغب والإضرار بالملك الخاص والعام، وتكوين وفاق إجرامي”. ويشير المحامي عزازة إلى أن كل محاضر الاستنطاق كانت متطابقة (كوبي- باست) لكل الموقوفين، مع تغيير اسم المنطقة أو المركز وضابط الاستمرار، واسم الموقوف. وهو ما يعد خرقاً قانونياً واضحاً.

هذه الاعتقالات العشوائية رأى فيها حقوقيون رغبة من النظام في بسط السيطرة الديكتاتورية المعهودة قبل 2010 في تونس، وحكم البلاد بالحديد والنار، وزرع الخوف في نفوس المحتجين من أن يلقوا المصير ذاته.

معظم التهم كانت “إحداث الشغب والإضرار بالملك الخاص والعام، وتكوين وفاق إجرامي”.

الكاتب السياسي عدنان منصر يوضح لـ”درج” أنه لا يرى سبباً جلياً في استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين والنشطاء الذين لم يرتكبوا جرماً سوى مساندتهم الاحتجاجات على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. ويشير إلى أن تصاعد وتيرة العنف لن يزيد المحتجين إلا إصراراً على إيصال أصواتهم التي أبت الحكومة التونسية والسياسيون الإصغاء إليها .

“لا يمكن فرض أسلوب معين في الاحتجاج، هؤلاء الشباب البالغة أعمارهم بين 14 و24 سنة صنعوا أساليب مبتكرة في التعبير عن أنفسهم، وإن اعتبرتها السلطة مرفوضة، إلا أن الخلفيات وراء ذلك واضحة المعالم، الجوع والفقر والتهميش وغياب التمثيل في الأحزاب والإعلام والحياة العامة”.

على رغم تصاعد وتيرة الاحتجاجات، التي تكللت يوم السبت 23 كانون الثاني بمسيرة ضخمة في شارع الحبيب بورقيبة، إلا أن لا بوادر تشير إلى رغبة رسمية في إطلاق سراح الموقوفين، أما شوارع تونس فما زالت تصدح بأصوات المعترضين على الأداء الحكومي الذي أفقر الناس وزادهم بؤساً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني