fbpx

عن الاعتذار الفرنسي من الجزائر والصفح المستحيل

يشكل الاعتذار والاعتراف بالذنب تهديداً للهوية الوطنيّة الفرنسيّة، تلك التي يتغنى بها وبقيمها اليمين واليمين المتطرف، كونهما يجعلان هذه الهويّة نِتاجُ "شرّ لا يغتفر"...

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالعنوان التالي “ماكرون لن يعتذر عن احتلال الجزائر”، تليها شتائم، أو تذكير بجرائم الاستعمار، أو تنبيهات من الغرب الكافر وحقيقته، خصوصاً في ظل السياسة الجديدة التي يتبعها الرئيس الفرنسي للوقوف بوجه “الإسلاموية الانفصاليّة” بحسب تعبيره، وما ترافق معها من إغلاق للجوامع في فرنسا، وترحيل لبعض المشتبه بأنهم متشددون إلى بلدانهم الأصليّة. 

الاقتباس السابق تحوير موفّق لكلمات ماكرون، إثر لقاء أجراه مع صحيفة “أفريقيا الفتية”، وظهرت العبارة بالشكل التالي، بعد اقتباس الصحافيين من تصريحات سابقة لماكرون عن التحديات التي يواجهها بخصوص الجزائر، كان السؤال “ألا تظن أن على فرنسا أن تستمر قدماً وتقدم اعتذارها؟”. وجاء في نص الجواب على لسان ماكرون، “لا يتعلق الأمر بالاعتذار”، ليتابع حديثه عن المؤرخ بينجامين ستورا المكلف بصوغ “تقرير عن الاستعمار والحرب في الجزائر”، من أجل تحرير الذاكرة والتاريخ من الاستعمار. 

نذكر قبل التعليق على هذا الموضوع أن ماكرون تداول تاريخ الاستعمار الفرنسي أثناء حملته الانتخابية وبعد فوزه بالانتخابات، إذ نعت الاستعمار بـ”جريمة ضد الإنسانيّة”، وأعاد النظر في ملف جماجم المقاتلين في فرنسا ورفاتهم، واستعادت الجزائر إثر ذلك رفات 24 مقاتلاً العام الماضي من أصل العشرات. كما اعترف ماكرون بجرائم التعذيب الذي قامت بها فرنسا ضد الثوريين والنشطاء، وقدم ماكرون اعتذاراً شخصياً لزوجة موريس اودان، المؤرخ والناشط الجزائري الذي اختطف وقتل تحت التعذيب من قبل الجنود الفرنسيين عام 1957، لكن “مانو” لم يعتذر، ولم يجب على السؤال: “ألا تظن أن على فرنسا أن تستمر قدماً و تقدم اعتذارها؟”. 

الاعتذار ليس لفتة رمزيّة تتعلق بالهوية الوطنيّة، بل إقرار بالذنب وما يترتب عليه من محاسبة.

يقدم ماكرون نفسه بوصفه براغماتياً، وينتمي إلى جيل الشباب الذي يريد التحرر من الاستعمار وقلب صفحته، إذ يظهر بصورة ذاك الذي لا يخاف تاريخ بلاده ولا ينكره، بل يرى أن العلاقة بين البلدين، أي فرنسا والجزائر، يجب أن تكون أقرب إلى “الحبّ”، فهناك تاريخ مشترك، تجاري وكولونيالي، والبلدان “ورثة هذه العلاقات”، لكن لم يكن لجيل الآن دور بها، خصوصاً أن هذا التاريخ معترف به “ولا يجوز أن نبقى سجناءه”، ففي فرنسا جزء من أفريقيا، و”مصائر البلدين متصلة”، لكن، مرة أخرى، لم يعتذر ولم يقدم أي صيغة للاعتذار، أشار فقط إلى ضرورة التصالح مع التاريخ والذاكرة. 

لكن، من نحن وهم، الذين يتحدث عنهم بدقة ماكرون، الشعب الفرنسي والشعب الجزائري؟ أو الحكومتان؟ والأهم، ذاكرة من هي التي يجب التصالح معها وإعادة النظر بها، ذاكرة الفرنسيين أم الجزائريين؟ وتاريخ من الذي يجب النظر فيه؟ نتحاذق هنا قليلاً لأن الاعتذار يفترض اعترافاً بالذنب لارتكاب جريمة “ضد الإنسانيّة”، أي جريمة استثنائيّة ما زال الجزائريون ضحاياها حتى الآن، فالاعتذار ليس لفتة رمزيّة تتعلق بالهوية الوطنيّة، بل إقرار بالذنب وما يترتب عليه من محاسبة، وهذا ما تفاداه ماكرون، مركّزاً على السياسية والمصالح، تاركاً الاستعمار وتاريخه للمؤرخين وأصحاب القضايا العالقة، فالآن زمن “العمل”، لا استعادة الماضي، الذي يمكننا فقط “التحديق به”. 

نتحرك ضمن أرض شائكة حين الحديث عن الاعتذار عن جرائم ضد الإنسانيّة، خصوصاً أن هذا النوع من جرائم الدولة نتاج سياسات وقرارات استثنائيّة تستهدف جماعة محددة، فمجزرة الأرمن كانت، بحسب ما يذكر في بعض المراجع، إثر قرار استثنائي يعود إلى عام 1915 أقره من يعرفون بـ”البشاوات الثلاثة”، الأمر ذاته مع محارق اليهود في ألمانيا، فقانون نورمبيرغ لعام 1935، هو ما بدأ عملية فصل السكان وتعريف “مواطني الرايخ”. 

هذه القرارات السيادية وما نتج عنها من موت وتهجير لا يكفي الاعتراف بها، فالاعتذار فاتحة للمحاسبة، كون المسؤولية لا تقع على من شارك بهذه العمليات وحسب، بل أيضاً من صَمَت. نحن أمام جرائم غير اعتياديّة، المذنب فيها السلطة والمواطنون، كون مواطنتهم نفسها قائمة على القبول بهذا القانون الاستثنائي والتنفّع منه. 

يرى ماكرون في الاستعمار حقبة تاريخيّة، وليس حدثاً مستمراً في الزمن، ما جعل ما يقوم به أشبه بلفتات رمزيّة، لا تعكس أي استراتجيّة أو سياسة حقيقة من قبل “المُستعمر”، بل مجرد حركات تكتيكية انتخابيّة، فأرشيف الاستعمار لم يكشف بأكمله، وما زالت قضايا المختفين من زمن الاستعمار معلقة.  

إقرأوا أيضاً:

يشكل الاعتذار والاعتراف بالذنب تهديداً للهوية الوطنيّة الفرنسيّة، تلك التي يتغنى بها وبقيمها اليمين واليمين المتطرف،  كونهما يجعلان هذه الهويّة نِتاجُ “شرّ لا يغتفر”، لا يرضى فرنسي أن يوصم به، مهما كان الجيل الذي ينتمي له، والاعتذار يجعل كل ذاك التاريخ الذي يدعو ماكرون إلى طي صفحته، حاضراً الآن، يشار بالبنان عبره إلى الضحية والمُستعمر، ويفصل بينهما. 

هذه الإجراءات الرمزيّة التي يقوم بها ماكرون، تسعى إلى تشكيل الهوية الوطنيّة ما بعد الكولونياليّة، تلك التي احتوت الاعتراف بالاستعمار والتعذيب، لكنها ما زالت مُقيدةً بشكل يحيل الاعتذار إلى أمر خطر ثقافياً في حال حدوثه، كونه يهدد أيضاً الممتلكات الفرنسيّة، وهذا ما نتلمسه في الحجج التي تطلق بخصوص جماجم الجزائريين ورفاتهم، فهي ممتلكات للدولة و”تراث وطني” ولا يمكن التنازل عنها بسهولة، إذ يجب أن تخرج بداية من خانة الملكية الوطنية، ويطالب بها أحد الأقرباء أو المنحدرين من أحد الضحايا، وإثبات صلة القرابة، بعدها يمكن أن تتم إعادتها إلى أوطانها. هذا التنازل ذاته، ليس من السهل تحقيقه على المستوى الإداري، كما أن مفهوم التنازل والانتقال من الملكية الوطنيّة إلى الخاصة بـ”الآخر”، يهدد كل الحكايات الأخرى المشابهة، كالآثار والتحف المسروقة، ويترك الهوية الوطنية الفرنسيّة عارية مفضوحة أمام ماضيها. 

ردد ماكرون كلاماً عن الحب، والتاريخ المشترك والبراغماتية ومواجهة الماضي، كلام لا يتوازى مع جريمة ضد إنسانية الإنسان، لا تسقط بالتقادم، هي جريمة  أسست للسيادة نفسها، وهنا تظهر سياسية الاعتذار، الذي يُطالب به المُستَعمَر، لا لكونه حركة رمزية وحسب، بل فضح لتاريخ السيادة القانونيّ وأسلوب تأسيسها هذه السيادة، فالقوانين التي تتبناها الدولة الاستعمارية والثروات التي نهبتها قائمة على جريمة لا بد من الحساب عليها منذ قرار الاستعمار حتى الآن، هذا إن كانت المحاسبة مُمكنة، أو ربما هي شأن “مستحيل” بحسب تعبير جاك دريدا في محاضرته “الصفح: ما لا يقبل الصفح وما لا يتقادم”. 

يرى البعض أن الأمر  كله فرنسي- فرنسي، ومحاولة من ماكرون لإعادة تشكيل هوية فرنسا ما بعد الاستعمار عبر الاعتراف وإعادة النظر في التاريخ الفرنسي، لا الجزائري، أي المصالحة مع المواطنين، وليس مع الضحايا السابقين، الذين حتى الاعتذار لن يقدم لهم ما يستحقونه من حقوق بالنحيب والتقاضي والتعويض وربما الغفران، وهنا يبرز مرة أخرى مفهوم الاعتذار سياسياً، بوصفه اعترافاً بحقوق الجزائريين الآن، لا في الماضي وحسب، وترميماً لما فقدوه لسنوات طويلة من دون أي منطق سوى “البربرية الاستعماريّة”. 

نتساءل حول الاعتذار بسبب توظيفه لأسباب سياسية وثقافية تفقده قيمته، وتعيق عملية المحاسبة، الأهم، هو لا يعني الصفح والنسيان، فما يحاول ماكرون الترويج له هو “قلب الصفحة” و”النظر إلى الأمام”، لكن ماذا عن الذنب، والجريمة التي لن يحاسب مرتكبوها في حال تم “النسيان”.  

ردد ماكرون كلاماً عن الحب، والتاريخ المشترك والبراغماتية ومواجهة الماضي، كلام لا يتوازى مع جريمة ضد إنسانية الإنسان.

الاعتذار هنا يتشارك مع الصفح، كونه يفعل الذاكرة الفرنسيّة، تلك لم يشهدها ماكرون وجيله المولودون بعد ثورة التحرير الجزائرية، هو يجعلها آنية وحاضرة، ولا يشكل قطيعة معها، إذ لا يمكن نسيان حساب المذنبين، وهذا ما يخفيه كلام ماكرون، الرغبة بالنسيان. خصوصاً أن الاعتذار، إن كان يهدد هوية من يعتذر، فهو يُرسخ قوة الضحية نفسها عبر استحضار الجريمة المرتكبة وفضح أثرها الدائم في ذاكرة المذنبين قبل الضحايا الذين لم ينسوا ما حصل. 

لن نخوض في الأثر السياسيّ الداخليّ لتصريحات ماكرون ومحاولاته استرضاء اليمين، لكن ما يثير الاهتمام هو “المصالحة مع الذاكرة” التي يطرحها ماكرون، خصوصاً أن لا إنكار للاستعمار ولا لجرائمه، بالتالي ما هو شكل المصالحة مع الذاكرة المفترض؟ هل هي إعادة النظر في الماضي وضبط حكاياته وترتيب عناصره من دون تغيير مراكز القوة “ضحية- جلاد” أم ترسيخ للنسيان ذاك الذي يستحيل تحقيقه، والذي أكد رئيس منظمة “قدماء المحاربين الجزائريين” محند وأعمر بن الحاج  استحالته قائلاً: “الجزائريون لن يتركوا مليماً واحداً من حقهم، وكذلك لن ننسى ما عشناه في وقت الاستعمار وفي حرب التحرير من مجازر الاستعمار الفرنسي”، يختزل هذا الاقتباس ما تحاول فرنسا تجاهله، الحق المادي، والحق المعنوي لضحاياها. 

نستوحي من جاك دريدا هنا ونفترض، إن كان الاستعمار جريمة استثنائيّة ضد الإنسانيّة، فالاعتذار هو الخطوة الأولى نحو القيام بالمستحيل، أي نفي أثر هذه الجريمة أو معاقبة المسؤولين وحاسبتهم، وهذا ما يتطلب فعلاً استثنائياً أيضاً يستحيل تحقيقه أيضاً. لا نريد أن نغرق في “النفي” الدريدي حول ما لا يُنسى ولا يتقادم وما لا يصفح عنه، ولا يعتذر عنه وما لا يمكن إصلاحه بحسب تعبير جاك شيراك في حديثه عن حكومة فيشي النازية في فرنسا، لكن كلمات ماكرون شديدة السطحية، “التصالح مع التاريخ”! من يتصالح مع من بدقة، الفرنسيون مع تاريخهم، أو الجزائريون مع الفرنسيين، الضمائر هنا تفتح باب التأويل والتنويعات، خصوصاً أن البعض في فرنسا لا ينظر إلى تلك الحقبة التاريخية بوصفها استعماراً، بل كجزء من التاريخ، الذي وإن “صُحِحَ” ثقافياً داخل فرنسا، ما زال ضحاياه في “الخارج” يعانون منه ومن آثاره. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني