fbpx

“وليمة” نساء الجزيرة :
الذكورة الإسفنجية إذ تحرسها السلطة

كانت ضحكات سيدات نادي الجزيرة استمراراً غير مدبر لسلسلة تعبيرات أخذت قيماً تطهرية واشتبكت في منظومة الصراع بين سلطة حاكمة وحازمة تجاه الأخلاق، ومنظومة متحررة من مفاهيم الذكورة المثيرة للسخرية...

لا يبخل المشهد المصري طوال الوقت في سكب نماذج ثرية جديرة بالالتقاط والتحليل، ضمن منظومة اجتماعية متصارعة طوال الوقت، ففي الوقت الذي تلهث فيه دوائر السلطة السياسية والاجتماعية وراء القبض على الأنماط والأنساق التي تحاول الانفلات من منظومة تحرس كما تدعي “قيم الأسرة المصرية”، تظهر لقطة تشبه الانفجار لترعب “حراس الأخلاق والانضباط”.

بعد قصة فتيات “التيك توك” و”موديل” الهرم، ظهرت راهناً تسريبات على مواقع التواصل الاجتماعي لسيدات عضوات في نادي الجزيرة في الزمالك وهن يتناولن قطع حلوى على شكل أعضاء تناسلية، والأكثر حضوراً وسط هذه الوليمة كان العضو الذكري، مرتاحاً على قوالب حلوى صغيرة، تلتهمه السيدات بمزاح وأريحية، مشهد أصاب أهل السلطتين التنفيذية والتشريعية في مصر بالهلع. ودفعهم للتحرك للقبض على صانعة الحلوى وتغريمها 5 آلاف جنيه مصري بتهمة خدش الحياء العام، وتقدم النائب المصري خالد عبد المولى بطلب إحاطة لوزير الشباب والرياضة للتحقيق في واقعة “تهدد القيم والعادات والأصول المصرية”.

المزاح والسخرية ليسا أدوات للمرح والتسلية فقط، بل هما أيضاً آليات تهدف إلى “قلب المنظومة الثقافية والاجتماعية”.

تمارس الجهات الأمنية آليات التعامل ذاتها مع المشهد الاجتماعي بذاك النَفَس الصوابي الذي بات مثيراً للسخرية، فملاحقة كل ما هو خارج عن الإطار القيمي السائد خلق حالة استهزاء مضاداً وتعالياً وعدم  تورع عن النظر إلى هذه القيم المسيجة بالحراسة على أنها قيم كارتونية، غير راسخة في الأصل، ما دامت تستدعي دوماً شرطة أخلاقية ونواباً مرتعبين من فكرة سقوطها.

وخلف هذا المشهد الأمني المرتجف، لا يمكن تفويت الفرصة للنظر إلى ذاك الطقس النسائي الحافل بالرموز بدقة وتمعن، فالسيدات وهن يلتهمن الحلوى، خلقن حالة تناظر مدهشة بين منظومتين متناقضتين، نسجن بتجمعهن العفوي تحالفاً ضد تكريس منظومة أخلاقية هشة تستمد سطوتها من الاعتقالات وتوقيع الغرامات المالية.

قد يعتقد البعض أن التفكّر في وليمة سيدات نادي الجزيرة من منظور إنثربولوجي مبالغة تكسب التجمع المليء بالمزاح، جدية تنظيرية أكثر من اللازم، لكن وإن كان الباحث الاجتماعي “قطته جَمل”، فإن المشهد يستدعي فوراً ما تعنيه الولائم وسلطتها إنثربولوجياً، وقدرتها على الخلخلة المستمرة، فالولائم ليست مناسبات اجتماعية خاصة وحسب، بل لها أهمية محورية في حياة بعض المناطق، وقد تناول علماء الإثنوغرافيا الإيكولوجية الولائم باعتبارها آليات لترسيخ الهويات وذات آثار طيبة على التكيف، وهي أيضاً جزء من عملية تدفق المعلومات ونشاط معقد، تستهدف الحفاظ على التوازن. وبحسب موسوعة “علم الإنسان” لشارلوت سيمور سميث، فإن “الوليمة ممارسة مهمة بالنسبة إلى الأنساق الطقوسية، كما أنها ترتبط بإرساء التحالفات والعلاقات، وقد تتحول الوليمة لنظام اجتماعي متكامل، تتجلى في إطاره مجموعة من العلاقات والمعاملات الاجتماعية المهمة”.

 بحسب مفهوم طقس الوليمة وتعابير سيدات الزمالك، فإنهن يمررن تحالفاً قيمياً في ما بينهن، وهو تحالف ينظر إلى الذكورة بمعزل عن سلطتها وسطوتها وسمومها، يلتهمنها كمفهوم اسفنجي هش منسجم مع قوام قالب الحلوى، بلا نوازع التقديس والتحريم والسلطة، حالة تحرر كاملة لم يتخيلن أن يتم تسريبها، وكأنهن يجسدن مشهداً من فيلم “مجتمع الشعراء الموتى” Dead poets society، عبّرن خلاله عن فرديتهن ضد النظام الواحد والزي الواحد وصوت “المدير” صاحب الصوت العالي المهدد بالإدانة.

اهتم علم الانثربولوجيا بتفسير مصطلح “المؤاكلة” التي تعبر عن حالة أو فعل تناول الطعام معاً، وهي من الأفعال الأساسية التي تشكّل التضامن الاجتماعي وتعبّر عنه. وتتحدد من خلال قواعد اجتماعية وثقافية، وتعد دليلاً مهماً للباحث في دراسة العلاقات الاجتماعية والأنماط الثقافية بقدر ارتباط تلك العلاقات بمسائل مشاركة الهوية والتضامن وخلق قيم مضادة وفردية.

 تحليل مشهد سيدات الزمالك وفق مفاهيم الوليمة والمؤاكلة وحمولتها التاريخية، لا يعد مبالغة، فالإنثربولوجيين يعتقدون أنه  يتعذر عزل الظواهر الاجتماعية وتحليلها مستقلة عن الظواهر الأخرى أو تخفيفها من الرموز أو تسطيح معانيها، لأن المشهد حتى وإن جاء في سياق المزاح، فهو أيضاً يصلح للإخضاع التحليلي.

تقديم العضو الذكري على قالب حلوى، يشبه تقديم أضحية أو قرباناً في سياق تطهيري مازح، للتخفيف من شأن الدافع الديني والمقدس والانفلات إلى مساحات إنسانية متسقة مع الأعضاء التناسلية، كجزء من كيان فيزيولوجي، وكأنهن يخلقن مساحة شعائرية جديدة مع القضيب الذكوري ليعدلن من سطوته على العقول.

تم تداول خبر بعد الواقعة، مفاده أن قوالب “الكيك” جاءت بطريق الخطأ للسيدات وأنهن استلمنها وقررن المزاح، ولم يكنّ صاحبات الفكرة من البداية، لكن تبقى الإحالات قائمة على أصحاب الفكرة الطقوسية السرية، وتبقى أهمية تفسير تقبل السيدات الفكرة والمزاح حولها والتهام الذكورة بسخرية فاتنة، مثيراً للاهتمام.

المزاح والسخرية ليسا أدوات للمرح والتسلية فقط، بل هما أيضاً آليات تهدف إلى “قلب المنظومة الثقافية والاجتماعية”. وبحسب موسوعة “علم الإنسان” فإن علاقات المزاح عادة ما كانت تأخذ طابعاً طقسياً بين فئات معينة من الشعوب، وخضعت علاقات المزاح (التي تتحدد طبقاً لعلاقات القرابة أو المصاهرة، كما يمكن أن توجد بين فئات وجماعات واسعة كعشائر بأكملها)، لتفسيرات إنثربولوجية متنوعة، حيث فسر رادكليف براون علاقات المزاح كمرادف لعلاقات التحاشي في التورط مع المنظومة الأبوية، بمعنى أنها تعمل على المحافظة على مسافة بين الأشخاص الذين يمكن أن تقوم بينهم علاقات صراع محتملة.

تقديم العضو الذكري على قالب حلوى، يشبه تقديم أضحية أو قرباناً في سياق تطهيري مازح، للتخفيف من شأن الدافع الديني والمقدس والانفلات إلى مساحات إنسانية متسقة مع الأعضاء التناسلية.

علاقات المزاح و”الاشتراك في المزاح” لا بد أن تُفهم داخل السياق الأوسع للوظائف الاجتماعية للمرح وتتضمن هذه الوظائف، الوظيفة التعبيرية وقيمتها التطهيرية، ووظائفها المرتبطة بالضبط الاجتماعي وإدارة الصراع.

لذلك كانت ضحكات سيدات نادي الجزيرة استمراراً غير مدبر لسلسلة تعبيرات أخذت قيماً تطهرية واشتبكت في منظومة الصراع بين سلطة حاكمة وحازمة تجاه الأخلاق، ومنظومة متحررة من مفاهيم الذكورة المثيرة للسخرية، يمكن وصفه بمزاح من أجل إدارة الصراع ولو بشكل سري وضيق.

في ظل حالة الضبط والربط والحسم الأمني تجاه ما يهدد “قيم الأسرة المصرية” المزعومة، أقامت سيدات نادي الجزيرة قرابة طقوسية جسدن فيها قرابة في الهوية الفردية والاجتماعية، أصبحن من خلالها في حالة تضامن ضد أصوات تزعم أن الأصوات الفردية وتجلياتها الحرة خطر وفحش.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني