fbpx

سوريا الجائعة والمهانة هل تواجه النظام مرة أخرى؟

لقد "تأدبت" الأجساد السورية جيداً في المعتقلات، وفي الشوارع التي تحولت مسارح للتعذيب...

يزداد الصدى داخل المدينة، سيارة واحدة تمرّ، فتصدر صريراً بين الحين والآخر. تحلُ على البلاد ثقافة الخلاء والصدى فقط، خلاء الشوارع، يضيف قلقاً واضطراباً لينزوي الناس في بيوتهم.

يأخذ الفقر وقعاً غريباً، وقعاً هادئاً يحتّم الصّمت كابتاً معه مظاهر الاحتجاج التي قد تظهر على السكان؛ ليكونوا بذلك أكثر تجهماً واضطراباً، وهذا كاف لكي يبدو السوري في حال يُعبر فيه عن احتجاجه، أمّا نزعة السخرية والفكاهة كنقدٍ للنظام عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ فقد فُقدت أيضاً. 

فقد السوريون خلال عام 2020 وتحت وطأة عقوبات قيصر وأزمة “كورونا” الشعور بالخوف، ليس لأنهم باتوا أكثر قوة، بل لأن يومياتهم وصلت من الصعوبة حدّاً أفقدتهم فيه قدرتهم على إجراءات التدبر والاحتراز من أجل العيش بأدنى مستويات الأمن الغذائي والكرامة، فكانت الشتيمة بذلك هي وسيلة التعبير الوحيدة المتاحة أمامهم في لحظات الغضب واليأس.

 لا سخرية بعد اليوم، أو كوميديا سوداء عبر وسائل التواصل، بل شتيمة واضحة للنظام والدولة. وقد بات التضرّع الفردي لله في سوريا، من أجل النفس والبلاد مناخاً مقبولاً لتجاوز الفرد خوفه نحو حرية احتجاجيّة، من دون أي ترقّب لسوط الأجهزة الأمنيّة التي باتت تتقبل شتم النظام في أثناء الساعات الطويلة بانتظار الخبز ، أو في أثناء انتظار آلاف السوريين حصص المازوت. أكثر من نصف السوريين لم يحصلوا على المازوت المدعوم المخصص لهم. وحينما يُريد السوري الظهور فيزيائياً في الشارع، يكون من أجل الإمعان في خروجه ذليلاً بحثاً عن قوت أولاده وسعياً وراء دفء بيته الخاوي. الحياة خارج أوقات العمل -الذي لا يتوافق الإجهاد فيها مع المرتّب الشهري مهما علا شأن ذلك العمل- هو وقت لإذلال الكرامة والاقتتال في الحياة، الحشود المرمية في الشارع أمام نافذة المخبز، تنتظم أجسادها طولياً، وبعد وقت الانتظار الطويل، تأتي معجزة وصول المادة المُنتظرة، فيهتاج الجميع ركضاً وعراكاً، ذلك هو المسلسل اليوميّ في حياة السوريين، والنظام عندئذٍ يختار ترتيب الأفراد وكراماتهم كما يختار ترتيب أجسادهم وفقاً للمحسوبيات في  جموع الذل المحتشدة. هذه الفوضى جيدة لأسياد اللعبة، أمّا الأجساد المصطفة فتجد موقِّتاً جيداً لضبط عنفها وآلامها تحت سطوة هِراوات  حفظ النظام. 

 ما إن فقدت الليرة السورية مقوماتها، منذ سريان قانون قيصر وخسارة هذه الليرة أضعافاً مضاعفة من قيمتها أمام الدولار، حتى بدأت السلع ترتفع بطريقة مسعورة، إلى أن أغلق كثيرون متاجرهم، إذ دفع ذلك الارتفاع في الأسعار مؤسسات الدولة ومديرياتها إلى مهاجمة التجار. يحاول النظام الفتك بالتجار الذي يستوردون بالعملة الصعبة،  ويسعّرون منتجاتهم بها، إذ يحاول النظام طي الواقع المعاش بإجبار التجار على التنازل عن كل شيء من أجل مصلحة الشعب على حدّ وصفه، وبالمعنى الأكثر دقّة؛ حتى لا تتمرد الجموع على النظام، جعَلَ التُجار في الواجهة.

تغيرت ملامح الطرق، تلا الخلاء الذي صنعته جائحة “كورونا” في الطرق، خلو اختلقهُ الفقر، خجلت أقدام السكان من الشوارع، فبدا ذلك عنفاً معنوياً في وجه النظام. إنه تمرد سلبي ساكن، لكن النظام يقبله، لا بل يسوق له المُسوِّغات. خلو الأسواق والفقر وانفلات الأسعار وجنونها، فاقَمَها النظام بإرسال مراقبي هيئات الدولة التموينية والجمركية، لإجبار التجار على تخفيض الأسعار، فأغلقوا بدورهم متاجرهم. الدولة تؤخر رفع الأسعار لتصاعد هيمنتها الاجتماعية المفقودة وتحاول الاستقواء على التجار الذي دفعوا ثمن ذلك خسائر بالجملة. في هذا البلد لم يكن التجار، الطبقة الاقتصادية الأعلى شأناً، بل هم مجرّد تجار تجزئة  يشترون بسعر الدولار ويبيعون بسعره أيضاً، لتأمين ما يمسك رمق الحياة. أما الطبقة الاقتصادية المسيطرة، التي تُشاركها العائلة الحاكمة في كل شيء، فنهبت سوق الصرف، واستساغت ارتفاع سعر الدولار، وازدادت أرباحها من جراء ارتفاع سعر الصرف. في نهاية الأمر، كل شيء تُسيطر عليه العائلة الحاكمة. في معارك سوريا اليوم، 90 في المئة من السكان في صراع مع سلطة تملك كل شيء وتستفيد من كل فقر اقتصادي يعانيه الشعب. 

يُمكن تخيل أن سوق الخضار والفاكهة في المدينة رحلة. في كل المدن السورية كانت الرحلة مربحة، الاكتفاء الزراعي كان  يُساعد على ذلك.  لكن ليس بعد قيصر “”كورونا”؛ إذ باتت الرحلة إلى سوق الخضار مُحزنة، بعدما تحوّلت الأسواق السورية التي كانت تعجّ بالمنتجات الغذائية إلى متاجر شبه فارغة أو ربّما ممتلئة بمنتجات لا يقوى المواطن العادي على دفع ثمنها، ممّا جعلها خالية، خالية إلى الحد الذي يجعلها موحِشة. العربات وأصحاب المحلات يقفون في الشارع، يتأملون حركة السيارات الضعيفة، فيعرفون ما سيكونه اليوم وكيف ستسير الأسواق. “لا أحد في الشارع” جملة يقولها تاجر خضروات وفاكهة واصفاً لنا حال العمل، وهذه الجملة دلالتها أن لا عمل ولا قدرة شرائية لدى المواطنين ليرتادوا الأسواق. غياب القدرة الشرائية نتيجة حتمية، لنظام سياسي اقتصادي فاشل وقهري اختلقه قادة النظام، إذ إنّ مُرتّب الموظف السوري لا يتجاوز 15 دولاراً  كحدّ أدنى، و20 دولاراً  كحدّ أعلى شهرياً. نتائج قانون قيصر جعلت سوريا كتلة كبيرة من الأبنية المهدمة أو الأبنية القبيحة. لقد اختفى السكان كُلياً من شوارعها. هنا نمو لمجتمع هامشيّ جديد. مجتمع يصل فيه الأفراد إلى سوق الخضار، فيشاهدون مئات الكيلو غرامات من الفاكهة والخضار مرمية بقرب الحاويات، لأن تجارها لم يستطيعوا بيعها مهما خفّضوا أسعارها، العزوف عن منتجات الأرض لا يخضع لآلية الطلب والشراء فقط، بل لأدنى ما يُسعره الفلاح لكي يضمن معيشة كريمة. 

يتبادل السُكان المحليون حسداً هائلاً في نظراتهم. من يمشي آتياً من السوق يخضع لرقابة السكان، ثلاثة أكياس نايلون لا يتجاوز قطرها 15 سنتم، توازي نصف راتب موظف سوريّ، فيتبادلون نظراتٍ صامتة، من أين لمرتاد السوق هذا المال؟ كيف يمكن أن يأكل الناس أصلاً.   لم يعتد السوريون على مرحلة الغلاء الهستيرية ولن يعتادوا عليها أغلب الظن. 

إقرأوا أيضاً:

يزداد تقشف العائلات، حتى يفقد التقشف فعاليته، كيف تستطيع عائلة أن تنظم مصروفها الشهريّ؟ الغلاء بدا وحشياً، ما دفع الجميع إلى التسوّق سرّاً، لا نظام مقايضة يصلح لتسيير حياة السكان، ولا يوجد أي نظام اقتصاديّ بديل تقشفي يقدمه النظام لشعبه. يُرمى السوريون في حصارٍ اقتصادي جائر. وحتى قبل قانون قيصر، كان معدل من هم تحت خط الفقر في سوريا، قد وصل بحسب الأمم المتحدة إلى 80 في المئة من السكان في الداخل (تقرير الأمم المتحدة- 2019). فكيف سيعيش السوريون بعد قانون قيصر إذاً؟

 لخلو الأسواق أثر مؤلم على الجميع. إنهم يستكينون في بيوتهم إلى الصمت والخوف، إذ لا مكان للاحتجاج ولا منفذ اجتماعيّاً سياسيّاً للتعبير. لقد “تأدبت” الأجساد السورية جيداً في المعتقلات، وفي الشوارع التي تحولت مسارح للتعذيب والمشاهدة الجماعية لساديّة أطراف النظام. ينظر المحليون من السكان بعضهم إلى بعض  فقط، ويتصارعون في ما بينهم متجاوزين النظام وطبقاته الاجتماعية المسيطرة. تنمو الأحقاد الفردية داخل الجماعة لتجنب اتّهام النظام أو التمرّد عليه. في السوق تبادل النظرات يبدو هيستيرياً، الوجوه غاضبة وشاحبة وقلقة، وتنمو آليات تغذية غريبة للأطفال، آلاف العائلات تأكل الخبز مع القليل من دبس الفليفلة أو دبس البندورة على مدار وجبتين في اليوم. خليطٌ من مهروس الطماطم والفليفلة يُقسم على وجبتين في اليوم، أما الخضار والفاكهة لسكان أقدم أراضٍ زراعية في التاريخ، فأصبحت مستحيلة. في كل هذا الشحّ والإذلال، تظهر بثينة شعبان، الشخصيّة السياسية البارزة في البلاط السوري لتطلب من السوريين أن يتغنوا بفقرهم الشديد وعوزهم، لأنهم اكتسبوا كرامتهم، بمقاومتهم ومعارضتهم، برفقة إيران و”حزب الله” وروسيا، المشاريع الأمريكيّة. فما كان إلا أن تعرّضت بثينة تلك، إلى هجومٍ قاسٍ من موالي النظام ومعارضيه على حدٍّ سواء؛ فهذا التصعيد النفسي تحت مسمّى القيم والوطنيّة لا يتناسب مع حال شعبٍ لا يملك ثمن طعامه، ولا حتى آلية واضحة المعالم للخروج من عوزه. لدى موالي النظام شعور طبقي مستحدث، لم يظهر طول سني الثورة والحرب، وسؤال يظهر الآن في وجه بشار الأسد رأس النظام، لمَ تملك  العائلة الحاكمة وأعوانها المليارات حتّى الآن، وتتفاخر  بها؟

عدم وضع خطط تقشّف حكوميّ كان له أثرٌ اجتماعيّ سياسي أيضاً،   لا سيّما أنّ المجتمع السوري بات يتحول إلى مجتمع إجرامي يوماً بعد يوم، نتيجة الفقر المدقع. في زيارة لنا إلى أحد مراكز الشرطة، أكد لنا المعنيون تزايد نسبة السرقة بشكل لا تُعلن عنه الحكومة، ما خلق  خوفاً داخل القوى الأمنية من تزايد نسبة السرقات المترافقة مع جرائم القتل والتنكيل. حصلت آلاف السرقات في عموم سوريا، التي شملت أشياء عينية أو نقدية بسيطة. مدارات الفقر نقلت الطبقة الأكثر فقراً إلى مسار اللصوصية المُسوَّغة والمفهومة. وأكد لنا كثر من الأهالي الذين تعرضوا للسرقات (مولدات الماء، أجهزة البثّ التلفزيوني، قطع الكهرباء المنزليّة، وغيرها)، أنّ أجهزة الشرطة لم تستجب لنداءاتهم، حتّى أنّها لم تستلم الشكاوى. السرقة باتت أمراً عاماً، وفكرة الدولة المسيطرة تتلاشى لقلة مواردها وقدراتها؛ فإصلاحات عقود استجرار المياه وتأمين الكهرباء باتت أمراً عصياً، والمواطنون يدفعون من جيوبهم ثمن إصلاح خطوط الكهرباء الخاصّة بالدولة وأقنية المياه ومنشآتها، ويستغني  القطاع الخاص بدوره عن خدماتها.

في اليوميات السوريّة يبدو هذا قاسياً، لا مكان لأبسط مقومات الحياة. حتى المجتمع يبدو أقلّ قدرة على اكتشاف ثغرات يوميّاته البدهيّة. كيلو القهوة يساوي ربع مرتّب الموظف، نطاق التعبير العام للاحتجاج اليوميّ  يتغير، ينبثق الخوف منذ ظهور الشمس وظهور الحاجات اليوميّة، يقول الجميع جُملاً جديدة : “صرنا نخاف من فنجان القهوة إذ لم يعد يصلح لبداية اليوم من جراء غلائه”، “أبو زيد خالو الذي يأكل بيض ولبنة الصبح”، “خائفون من يوم لا نأكل فيه”، كل هذه الجمل وغيرها تتوالى في اليوميات السوريّة، تحذيراً وقلقاً من  خطر شديد يلاحق الأمن الغذائيّ والاجتماعيّ للشعب.

يُدفَع النظام نحو معركة لا مفرّ منها عبر وسائل التواصل، جيث يزداد نطاق التعبير الفرديّ والجماعيّ ضده، وضد معاييره السياسيّة والاجتماعيّة التي يُطلقها هنا وهناك، قيلقى نقداً لاذعاً يتصاعد من دون هوادة، لا سيّما في مناطق النظام الأكثر مسامحة وتأييداً له، أي تلك المناطق التي كان يشعر فيها بهيمنته الاجتماعيّة. مناطق العلويين تزداد احتجاجاً وسخطاً، ومع انتهاء الشقّ الواسع للحرب وعودة الجميع إلى هدوء المنازل، باتوا يشعرون بأنهم فقدوا أثمن مما يُمكن إدراكه ومن أجل لا شيء. السلوك الثري لأبناء العائلة وحاشيتها المقرّبة، جعل العلويين يشعرون بأنهم خُدِعوا، ندمٌ يتملّكهم بعد رؤيتهم الحرب التي سارت على أكتافهم وبصوتهم المؤيد للنظام، رغبةً منهم في تحصيل الامتيازات والمكاسب/ رغبةً منهم في الحفاظ على بقائه والوصول إليه. في تصاعد هذه الكراهية للنظام لا يبدو أنّ المجتمع سيثور مثلاً، بل سيتقاسم الفقر والخوف، ليتصاعد عنفه النفسيّ في صورة الجريمة والانحطاط ومحاولات  الارتزاق عبر التكتّل في ميليشيات الحرب الجديدة التي تقودها روسيا وإيران والنظام، وتقود هذه البلاد إليها. إنه البحث عن حرب أُخرى للموت فيها من أجل مرتّب بالدولار لتأمين حياة الأُسَر.

تصبح سوريا وشوارعها مخيفة، ليل المدينة يبدأ باكراً، الأهالي يشعرون بالخوف من بعضهم بعضاً، أما الصراخ في وجه النظام الذي بات متاحاً للسخرية والاستهزاء، فسيبدو صعباً لأنه ما زال يحمل ملامح العنف والتعذيب، على رغم أنّ النظام لم يُطلق حتى اليوم أدواته العنيفة المباشرة في وجه المحتجين عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو  في اليوميات العامة، إلّا أنّ الجميع ينتظر ثورة خياليّة! فقد بات موالو النظام أيضاً يقولون: “بدها ثورة”، لكن هذا لن يحدث فرقاً، كميّة الدم السوريّ الذي استنزف على مدار سنوات الحرب، كافية لينام السوري جائعاً ومُهاناً ومحاصراً، من دون أن يفكر في مواجهة أخرى مع النظام السوري.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
تامر موافي – صحافي وكاتب مصري
مواجهة العنف ضد النساء في مصر، بشكل جاد وعمليّ، أمر بالغ الصعوبة، وهو أيضاً محفوف بالمخاطر. وما يجعل هذه المواجهة معقدة في الواقع، هو حجم هذا العنف واتساع نطاقه واستمرار التعامل معه بسرية وخفاء.
Play Video
كيف يمكن مكافحة التمييز الجندري داخل المؤسسات الإعلامية العربية؟ خصوصاً مع تعرّض نساء من عاملات في هذا الحقل لمضايقات وابتزاز، كما حدث في أكثر من قضية وجدت طريقها للنقاش العلني بسبب جرأة بعض الإعلاميات اللواتي رفعن الصوت.

58:46

Play Video
أثبت فيروس كورونا أنَه من عوامل تسارُع حالات عدم المساواة تجاه النساء اللاتي يتحمّلن وطأة عواقبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فهنّ تأثّرن به على جميع المستويات؛ إذ توقّف تعليم الفتيات والمراهقات، وفقدَت العاملات وظائفهنّ في القطاعات غير الرسميّة

56:42

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني