fbpx

“هكذا دفعنا ثمن الأزمة”: اللبنانيون تحت وطأة التضخّم المفرط والفقر المدقع

تظهر الأرقام ارتفاعاً مخيفاً في القدر الذي يستنزفه استهلاك بعض المواد الحساسة كالملبوسات والمواد الغذائيّة من أجور اللبنانيين، لكن نسبة التضخّم الإجماليّة ستشهد حكماً نسبة ارتفاع أكبر خلال الأشهر المقبلة...

خلال عام 2019، وقبل أن تسجّل البلاد الزيادات الضخمة في الأسعار، قدرت وكالة “فيتش سولوشنز” أن مداخيل اللبنانيين تُستهلك بنسبة 81 في المئة في الإنفاق على الأساسيّات، أي المسكن والمواد الغذائيّة والنقل والصحة وغيرها، فيما لا يتبقى سوى 19 في المئة من هذه المداخيل للإنفاق على سائر متطلبات الحياة كشراء كومبيوتر وهاتف والثقافة والترفيه وغيرها. 

اليوم، وبعد معدلات الارتفاع القياسيّة في جميع أبواب الإنفاق، وخصوصاً تلك المتعلّقة بالمواد الأساسيّة، بات من الطبيعي أن تصبح مداخيل معظم الأسر غير قادرة على تلبية جزء كبير من أبسط الحاجات الأساسيّة، فيما باتت سائر السلع الكماليّة خارج إمكانات الأسر. مع العلم أن بعض السلع المصنّفة كسلع كماليّة، كالكومبيوتر ووسائل الاتصال مثلاً، باتت في أيامنا هذه من الحاجات التي يُفترض أن تتوفّر بدهيّاً في أي أسرة. وبذلك، يصبح من الواضح حجم الكلفة التي تدفعها الأسر اليوم نتيجة الأزمة الماليّة، وتحديداً من خلال تراجع المستوى المعيشي الذي كانت تتمتع به سابقاً.

الأرقام التي يقدّمها صندوق النقد تؤكّد كل ما سبق، فبعدما كانت حصة الفرد من الناتج المحلّي تبلغ حدود الـ7660 دولاراً أميركياً عام 2019، دفع انهيار سعر الصرف هذه الحصّة إلى حدود الـ2740 دولاراً، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز السنة، وهو ما يعني عودة المداخيل إلى المستوى الذي كانت عليه عام 1994، فخسرت الأسر بذلك 26 سنة من النمو في مداخيلها. أمّا الناتج المحلّي الإجمالي للبلاد، فتراجع بدوره من نحو 52.5 مليار دولار عام 2019 إلى نحو 18.7 مليار دولار عام 2020، في تراجع كبير سببه الأساسي تدنّي قيمة الليرة، فعاد الناتج المحلي إلى مستوياته ذاتها قبل 18 سنة.

اللبنانيون يدفعون كلفة الانهيار

في كل انهيار اقتصادي أو أزمة ماليّة، ثمّة خسائر تنتج عن عقود من التراكمات التي تنفجر في لحظة ما، وفي تلك اللحظة يُعاد توزيع الخسائر على الفئات الاجتماعيّة بحسب السياسات الرسميّة التي تُتبع لمعالجة الأزمة. في الحالة اللبنانيّة، دفع عموم اللبنانيين من محدودي الدخل كلفة هذا الانهيار، على شكل انهيار قاس في قدرتهم الشرائيّة وسعر صرف عملتهم المحليّة. وهي مسألة كان أحد أسبابها توسّع المصرف المركزي طوال فترة الأزمة في خلق النقد، لتسليف الدولة وتمكينها من سداد سنداتها بالليرة للمصارف، ولتمكين المصارف من دفع جزء من قيمة الودائع المدولرة بالليرة. 

ما يحصل اليوم لم يكن قدراً أو مصادفة، بل كان نتاج معالجات محددة الأهداف ومعروفة النتائج.

منذ بدء الأزمة الاقتصاديّة، مثّل انهيار سعر صرف الليرة الشرارة التي أطلقت عنان تضخّم الأسعار المفرط في السوق اللبناني، وخصوصاً مع اعتماد البلاد بشكل أساسي على السلع المستوردة التي تتأثّر أسعارها بشكل مباشر وسريع بأي تحوّل في سعر صرف العملة المحليّة. ومع اعتماد الغالبيّة الساحقة من اللبنانيين على الأجور المقوّمة بالعملة المحليّة، كانت النتيجة البدهيّة لكل هذه التطوّرات انهيار القدرة الشرائيّة للأسر المقيمة في لبنان، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من ارتفاع في معدلات الفقر والفقر المدقع. مع الإشارة إلى أنّ آخر تصحيح شامل للأجور في لبنان حصل عام 2012 على شكل زيادة غلاء معيشة، استفاد منها عمال القطاعين العام والخاص، ما يعني أن رواتب اللبنانيين لم تُصحح منذ 13 سنة في ضوء معدلات التضخّم المتراكمة. وعلى رغم أن التفاهم الذي أفضى إلى تصحيح الأجور في ذلك الوقت نص –بحسب اتفاق رضائي مع أرباب العمل- على إعادة النظر بالرواتب سنويّاً في ضوء مؤشّرات التضخّم. لم يحدث ذلك الأمر أبداً، لتُترك بذلك الأسر في لبنان في مواجهة غلاء المعيشة وآثار الأزمة الماليّة القاسية، ولتدفع من قيمة أجورها ثمن انهيار سعر الصرف.

في أي حال، لا يحتاج المرء إلى الكثير من الوقت ليقدّر أثر ارتفاع نسب التضخم على المؤشرات التي تعكس نسب الفقر في البلاد. نسبة القابعين تحت خط الفقر المدقع، أي الذين يعتاشون على أقل من 8.5 دولار في اليوم، ارتفعت وفقاً لأرقام منظمة الإسكوا من 8 في المئة خلال عام 2019 إلى نحو 23 في المئة خلال عام 2020، ما يعني أن هذه النسبة تضاعفت بنحو ثلاث مرّات خلال سنة واحدة فقط. 

أما نسبة المقيمين تحت خط الفقر الأعلى، أي الذين يعتاشون على أقل من 14 دولاراً في اليوم، فإتفعت لتصل إلى حدود الـ55 في المئة عام 2020، في مقابل نسبة لم تتخطَ 28.5 في المئة قبل سنة واحدة فقط. في المقابل، كانت نسبة المنتمين إلى الطبقة الوسطى تضمحل خلال الفترة نفسها، إذ انخفضت خلال 2020 من 45.6 في المئة من إجمالي المقيمين إلى 35.2 في المئة، ما يعني أن نحو 10.4 في المئة من اللبنانيين هبطوا خلال سنة واحدة من الطبقة الوسطى إلى الفئات المصنّفة تحت خط الفقر. 

مع العلم أن عوامل أخرى، غير التضخّم المفرط، دخلت على الخط لتؤدي إلى هذه التحوّلات في نسب الفقر، كارتفاع معدلات البطالة وإفلاس الشركات وإفقال المحال التجاريّة الصغيرة والمتوسطة الحجم، لكنّ ارتفاع الأسعار مقاربة بحجم مداخيل اللبنانيين مثّل العامل الأساسي الذي خفّض قيمة مداخيلهم ومستوى معيشتهم بشكل جماعي، وخلال فترة قصيرة جداً. باختصار، باتت أسعار المواد الأساسيّة ومستلزمات العيش الأخرى وحدها تستنزف مداخيل معظم المقيمين، من دون أن تترك لهم أي حيّز للإنفاق على ما سواها.

مؤشّر أسعار المستهلك

لمراقبة تحولات الأسعار بدقّة، ومعرفة القدر الذي استنزفته زيادة الأسعار من أجور اللبنانيين، تمكن العودة إلى مؤشّر أسعار المستهلك الذي تنشره الإدارة المركزيّة للإحصاء، والذي يعرض شهريّاً الزيادة في أسعار كل فئة من فئات السلع والخدمات التي يستهلكها اللبنانيون. كما يحتسب المؤشّر من خلال هذه الأرقام نسبة الزيادة الكليّة في أسعار السوق، والتي تعكس ما يُعرف بمعدّل التضخّم. 

اللافت في أرقام المؤشّر، هو تصدّر السلع الأكثر حساسيّة القائمة بتسجيلها أعلى نسب لزيادة الأسعار. أسعار المواد الغذائيّة والمشروبات غير الروحيّة مثلاً ارتفعت لغاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر بنسبة 423 في المئة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، ما يعني أن كلفة هذا النوع من السلع ارتفعت خلال سنة واحدة فقط بمعدّل 5.2 مرات. وعمليّاً، تطرح هذه الزيادة بالتحديد أسئلة كبيرة حول جدوى سياسة السلّة الغذائيّة المدعومة ونجاحها، إذ كان يفترض أن تدعم استيراد هذا النوع من السلع بالتحديد، كما تطرح هذه الأرقام أسئلة كبيرة حول مآل الأموال التي خصصت لهذه السلة من دولارات مصرف لبنان، وهويّة الفئات المستفيدة منها.

بعض السلع الحسّاسة الأخرى، كأسعار الملبوسات والأحذية مثلاً، ارتفعت بنسبة 462 في المئة، فيما كان الارتفاع الأكبر من حصّة أسعار الأثاث والتجهيزات والصيانة المنزليّة، التي ارتفعت بنسبة مخيفة قدرها 670 في المئة، ما يعني أن أسعار هذه السلع ارتفعت بنحو 7.7 مرات خلال سنة واحدة فقط. في المقابل، ارتفعت أسعار المشروبات الكحوليّة 405 في المئة، والمطاعم والفنادق بنسبة 593 في المئة، والنقل بنسبة 129 في المئة. 

في الخلاصة، سجّل مؤشّر التضخّم نسبة منخفضة قياساً بهذه النسب، إذ لم يتجاوز حدود الـ133 في المئة، وذلك يعود إلى كون بعض أبواب الاستهلاك لم يشهد نسباً مرتفعة من الزيادة، مثل الصحّة والمحروقات لأن عمليّة استيراد الدواء والمستلزامات الطبية والوقود ما زالت مدعومة من احتياطات مصرف لبنان، والاتصالات التي لم تشهد أسعارها لدى الشركات المملوكة من الدولة أي ارتفاع يُذكر، وغيرها من الخدمات والسلع الأخرى كالإيجارات والكهرباء والتعليم والغاز.

في الواقع، تظهر الأرقام ارتفاعاً مخيفاً في القدر الذي يستنزفه استهلاك بعض المواد الحساسة كالملبوسات والمواد الغذائيّة من أجور اللبنانيين، لكن نسبة التضخّم الإجماليّة ستشهد حكماً نسبة ارتفاع أكبر خلال الأشهر المقبلة، وتحديداً مع دخول البلاد في مرحلة تقليص الدعم تدريجاً في ما يتعلّق باستيراد المحروقات. فرفع الدعم عن استيراد المحروقات سيعني عمليّاً تضاعف كلفة الوقود والغاز والنقل واشتراكات الكهرباء وغيرها من أبواب الاستهلاك التي لم تشهد حتّى اللحظة نسب زيادة مرتفعة. أمّا النتيجة، فستكون المزيد من الارتفاع في نسبة القابعين تحت خط الفقر، والمعتمين على المساعدات الشهريّة لضمان أبسط مقومات العيش. 

مع العلم أن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة عبرت سابقاً عن تخوّفها من مستقبل الوضع المعيشي بعد رفع الدعم وارتفاع أسعار السلع الحيويّة المدعومة حالياً، إذ توقّعت ارتفاع أسعار المحروقات بعد رفع الدعم بنحو 4.5 مرّات. ولذلك، توقّعت المنظمة ارتفاع عدد الذين سيحتاجون إلى إعانات ومساعدات غذائيّة إلى نحو مليوني إنسان، أي ما يقارب ثلث سكان البلاد، وهو ما دفعها إلى تصنيف لبنان كدولة مهددة بالمجاعة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني