المشيشي للمحتجين التونسيين: أتفهّم غضبكم إنما لا مفر من العصا الغليظة!

من الوقاحة أن يكون المشيشي واعياً بأن التونسيين على دراية بما يحصل من تلاعب وسرقة وفساد في أعلى هرم السلطة طيلة السنوات التي تلت الثورة، ثم يرتدي على رغم ذلك ثوب الفضيلة أمام الرأي العام.
من الاحتجاجات الاخيرة

بعد أيام من الاحتجاجات العنيفة والصمت المريب الذي خيم على الرئاسات الثلاثة ومسؤولي الدولة، خرج رئيس الحكومة التونسي هشام المشيشي ليقول كلمة كان يُنتظر أن تكون محملة بما من شأنه أن يخفف من غضب الناس الذين سكنوا في الشارع ليلاً ونهاراً، معبرين عن غضبهم من طبقة سياسية عمقت على مدار عقد من الزمن بؤسهم. لكن المشيشي الذي جمع منذ فترة بين حقيبتي رئاسة الحكومة والداخلية، طرح خطاباً قديماً، ملّ التونسيون من سماعه، ولم ينسَ في خضم ذلك أن يتوعد المحتجين بالمزيد من الصرامة في مواجهة تحركاتهم.

بدا غريباً، أن يقف رجل دولة يواجه احتجاجات في كامل أنحاء البلاد، ويتحدث بكل هذه اللامبالاة وهذا التحدي وهو يعي جيداً أن هذه الأسلحة فقدت جدواها منذ سنوات. فهل من العقل أن يظهر رجل في منصبه بهذا الوجه المتغطرس وهو يدرك جيداً أنه يواجه شباباً قد تمكن اليأس منهم ولا يملكون ما يخسرونه؟

وإذ بان المشيشي حازماً عازماً على ضبط الاحتجاجات، إلا أن عصا البوليس وغازاته المسيلة للدموع وحملات الاعتقال العشوائية التي اصطادت المئات، لم تنجح في إخماد نار التظاهرات في شوارع البلاد.

التحركات الجارية بشقيها السلمي والعنيف لا يمكن التعاطي معها كحادثة عابرة وشيطنتها كما يذهب إلى ذلك كثر ممن لا يعرفون أي مسارات ومطبات وكوارث حلت بالتونسيين خلال هذه العشرية

الحقيقة أن القابعين في الحكم في تونس، لم ينتبهوا حتى الآن أن ما يحصل هو نتاج طبيعي ومتوقع لعشر سنوات عجاف، بالنسبة إلى عموم الشعب في هذا البلد، وقد اكتفوا بالصمت إزاء الاحتجاجات وما تضمنته من أعمال تخريب ونهب. بقوا صامتين وأرسلوا البوليس بدلاً منهم لمواجهة غضب الشارع، ما أدى إلى تأجيج الغضب أكثر وأكثر، لا سيما في صفوف الشباب والمراهقين، وتعزيز الفكرة الراسخة بأذهانهم سلفاً بشأن انتهازية حكامهم ولا مبالاتهم بمشاغلهم.

في المقابل، أصبح من المخجل والمعيب على أي سياسي استنكار إقدام مجموعات من الشباب على سرقة بعض المحلات التجارية ومحاولة فعل ذلك مع مصارف، والحال أن الطبقة السياسية الحاكمة ضالعة بشكل مباشر أو غير مباشر إما في سرقات كبيرة لمدخرات هذا الوطن أو التستر على رجال الأعمال الفاسدين والمهربين، مقابل خدمات مالية وسياسية. سيكون من العبث أن يأتي أحدهم ويقوم بدور الواعظ بشأن خطر السرقة والتخريب ويتوعد بالمحاسبة والصرامة، والحال أن قضايا متعلقة بفساد رجال نافذين في البلاد، تم طمسها وأحياناً القيام بصفقات في جنح الليل وتحت الطاولة، من أجل تقاسم الكعكة مقابل سقوط التهم. من الوقاحة أن يكون المشيشي واعياً بأن التونسيين على دراية بما يحصل من تلاعب وسرقة وفساد في أعلى هرم السلطة طيلة السنوات التي تلت الثورة، ثم يرتدي على رغم ذلك ثوب الفضيلة أمام الرأي العام. ولهذا تحديداً، ستكون نتائج الانتصار للخيار الأمني كارثية، وسيكون الساسة في مواجهة شعب سرقوه من أجل مصالح خاصة وضيقة. فكيف تحاسب شاباً سرق محلاً تجارياً فيما تقوم بتغطية سارقي المليارات؟

يدرك الجالسون على كراسي الحكم في بلادنا، أن الحل يكمن بمصارحة الشعب بالفشل والتعهد جدياً بإصلاح ما أفسدوه عبر ترك الصراعات الايديولوجية والفكرية والمصلحية والانتصار للبلاد فقط. ولكن لا أحد يملك الجرأة لفعل ذلك فـ”حركة النهضة” الحزب الأكثر حضوراً على سدة الحكم والأكثر ثقلاً، بقيادة رئيسها راشد الغنوشي لن تقدم على هذه الخطوة وهي التي تتوسل البقاء في الحكم بكل السبل، حتى إنها نسيت خلال ذلك أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي صمام البقاء الحقيقي. والمشيشي الذي قبل الانقلاب على قيس سعيد الذي اصطفاه ليكون في منصبه الحالي ويتحالف مع خصومه من أجل الكرسي، لن يفهم أو يستوعب أن المكان لم يعد يتسع له وسيواصل العزف على الوتر ذاته، حتى يجد نفسه يغادر القصر من الباب الصغير. حينها سيدرك أن الحزام الآمن هو حزام الشعب.

أما رئيس الجمهورية قيس سعيد فعلى رغم أنه السياسي الوحيد القادر اليوم على النزول إلى الشارع من دون أن يطرَد أو يساء إليه، إلا أنه يفتقد إلى الجرأة الكافية لمصارحة الشعب بحقيقة ما يحصل ويفتقد القدرة على التحرك كرئيس جامع لكل التونسيين، وضاغط على مختلف الأطراف والأحزاب السياسية، لتحمل مسؤوليتهم في هذا التوقيت الحرج، ودفعهم إلى الحوار كما نجح في ذلك الراحل الباجي قائد السبسي إلى حد كبير. 

عندما نجد أن المخربين قصدوا محلات تجارية وسرقوا مواد غذائية وغيرها هي في الحقيقة من الضروريات الحياتية، نفهم أن هؤلاء قد جاعوا ويعانون الفقر.

إن التحركات الجارية في تونس بشقيها السلمي والعنيف لا يمكن التعاطي معها كحادثة عابرة وشيطنتها كما يذهب إلى ذلك كثر ممن لا يعرفون أي مسارات ومطبات وكوارث حلت بالتونسيين خلال هذه العشرية. يكفي أن ندرك أن مليون طفل ومراهق تركوا مقاعد الدراسة خلال عشر سنوات وتلقف الشارع بمختلف مساوئه (الجريمة،المخدرات، الهجرة غير النظامية…) معظمهم، من دون أن تشعر الحكومات المتلاحقة بخطورة ذلك. وبذلك يمكن فهم لماذا كان المراهقون الشريحة الأكبر التي احتجت بعنف. هؤلاء الذين غادروا مقاعد الدراسة باكراً من دون أن تلتفت إليهم السلطات المعنية وتحاول انقاذهم من مصير سوداوي، لا يشعرون بالانتماء لهذا الوطن ويرون أنه سلبهم كل سبل العيش الكريم، ويعتقدون أن حقوقهم لا بد أن تؤخذ بالقوة، ولهذا تكون تحركاتهم عنيفة يصبون فيها غضبهم بكل ما السبل. 

وهي حقوق بدهية ومن صميم مسؤولية الحكومات وواجبها تجاه شعوبها ولكن لا يحدث هذا بالنسبة إلى حكام يتعاملون مع شعوبهم كخزان انتخابي، يُنسى بمجرد الجلوس على الكراسي. فعندما نجد أن المخربين قصدوا محلات تجارية وسرقوا مواد غذائية وغيرها هي في الحقيقة من الضروريات الحياتية، نفهم أن هؤلاء قد جاعوا ويعانون الفقر. ماذا بوسع الجائع أن يفعل وأي فوضى تحل ببلد يجوع شعبه؟

لست أبرر مشاهد التخريب والسرقة، إنما على الصورة أن تُرى من زواياها المختلفة حتى تظهر الحقيقة. لكن لا يبدو أن المشيشي وكل الطبقة الحاكمة في تونس الخائفة من أن تركل خارجاً، قادرون على مواجهة أنفسهم والاعتراف بأن هذا حصاد ما زرعوه منذ عام 2011. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني