fbpx

تطور الفايروس في لبنان: الهلع بات له داع

التلقيح هو جزء من الحل للخروج من عتمة الوباء، ولعله الجزء الأهم من الحل في هذه المرحلة.

أرقام تستدعي القلق ومستشفيات تعج بالمصابين، هذه هي حال لبنان مع “كوفيد- 19″، مع إنذار جديد حول تغير فايروسي طارئ، فعلى ما يبدو الفايروس الذي نقف في مواجهته يتطور، وقد حان الوقت لنتطور نحن أيضاً لنكون قادرين على التغلب عليه والانتصار في هذه المعركة بأقل خسائر ممكنة.

متحورة جديدة للفايروس

الهدف الرئيس لأي فايروس عند دخوله جسم الإنسان، هو صنع نسخ جديدة من نفسه بأكثر قدر ممكن لضمان استمراره. ومع كل نسخة جديدة، هناك احتمال للخطأ، خطأ في التركيبة الجينية للفايروس في مكان واحد أو أكثر. هذه الأخطاء تسمى علمياً طفرات، ونسخ الفايروس التي تحوي هذه الطفرات نطلق عليها اسم “متحورات” أو ما يعرف بـvariants بالإنكليزية. ظهور متحورات جديدة لـ”كوفيد- 19″ ليس مستغرباً إذاً، بل عملية متوقعة، وما المتحورات الجديدة التي تم اكتشافها في دول كبريطانيا وجنوب أفريقيا وبلدان أخرى إلا إضافة جديدة، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. ما هو مختلف في المتحورات الجديدة هذه المرة هو تطور الفايروس ليصبح أكثر فعالية في الانتشار، مقارنةً بمتحورات سابقة. بحسب المعطيات الأخيرة تم تقدير أن المتحورة البريطانية الجديدةB.1.1.7 ، أكثر فعالية في الانتشار بنحو 50 في المئة من المتحورات الأخرى المعروفة لـ”كوفيد- 19″، ما ترجم بازدياد متسارع في أعداد الإصابات في البلدان حيث تم رصدها. 

وعلى ما يبدو وبحسب الدكتور فادي عبد الساتر، الباحث في الجامعة اللبنانية، وفريقه في وحدة “كوفيد- 19” المسؤولة عن إجراء فحوص   PCR  للوافدين إلى لبنان عبر ممراته، برية كانت أم بحرية أو عبر المطار، فإن نتائج الفحوص في الآونة الأخيرة في لبنان، تشير إلى احتمال وجود متحورة جديدة من “كوفيد- 19″، لم تتم ملاحظتها سابقاً في الفحوص. ملاحظة الازدياد في عداد الإصابات بالمتحورة الجديدة المحتملة من مجمل الإصابات، دفعت عبد الساتر إلى الإسراع في إخطار وزارة الصحة المعنية مباشرة، وتنبيه الرأي العام من منطلق الواجب العلمي وحس المسؤولية المطلوب عند أي مستجد علمي شبيه. معطيات عبد الساتر وفريقه مقنعة من وجهة نظر علمية، لكنها لم تلقَ حتى الآن تجاوباً جدياً من الجهات المعنية للتحقق من المعطيات وأخذ الإجراءت اللازمة وإخطار منظمة الصحة العالمية بطبيعة الحال.

المعطيات الأولية مقلقة، إذ تنبه إلى تفشٍ سريع لهذه المتحورة بين اللبنانين. فهل تسيطر متحورة جديدة من “كوفيد- 19” على الإصابات في لبنان؟ هل ما نراه من تزايد سريع لأعداد الإصابات مرتبط بانتشار هذه المتحورة؟ وهل هذه المتحورة هي نفسها المتحورة البريطانية من الفايروس وقد وصلت إلى لبنان؟ أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابات بأسرع وقت ممكن وبانتظار تحرك السلطات المعنية، ربما على علماء لبنان أخذ الأمور على عاتقهم الخاص للإسراع في تدارك المخاطر.

إقرأوا أيضاً:

تحليل الخارطة الجينية للفايروس ضرورة: من يتحمل المسؤولية؟

لا يمكننا أن نواجه عدواً بنجاح إذا لم نتعرف إليه عن كثب، فكيف إذا كنا أمام “كوفيد- 19” مع احتمال وجود نسخة مطورة منه تتسلل بيننا بصمت.

المؤكد هنا أننا أمام ملاحظات مخبرية تستدعي الاهتمام، كما القلق. تدهور القطاع الصحي في لبنان وإعلان مستشفيات وصولها إلى قدرتها الاستعابية القصوى في الأقسام الخاصة بـ”كورونا”، مع صرخات من هنا وهناك حول نقص في معدات توفير الأوكسيجين للحالات المتوسطة والخطرة المتزايدة يوماً بعد يوم، كل ذلك يبشر بالأسوأ الآتي في ظل ارتفاع مستمر في أعداد الإصابات اليومية. الطواقم الطبية باتت مرهقة، وخبر كهذا عن احتمال تفشي متحورات جديدة من فايروس “كوفيد- 19” بيننا، يجب أن يمر مرور الكرام. ليس فقط أن من شأنه أن يهدد حياة كثيرين في لبنان، إذ إن ظهور متحورات جديدة سريعة الانتشار حتى وإن كانت لا تزيد خطورة عن سابقتها ستؤثر في تزايد أعداد الإصابات، ما يعني بالضرورة ارتفاع أعداد الإصابات المتوسطة والخطرة التي ستحتاج عناية استشفائية، ما يشكل ثقلاً إضافياً على القطاع الاستشفائي الصامد بفعل معجزة حتى الآن. أضف إلى ذلك كون ظهور أي متحورات جديدة للفايروس موضع اهتمام عالمي إذ تستهدف تأثيراته العالم بأجمعه، بخاصة في حال ثبوت اكتسابه ميزات إضافية يمكن أن تؤثر في مجرى انتشار الوباء. 

أرقام تستدعي القلق ومستشفيات تعج بالمصابين، هذه هي حال لبنان مع “كوفيد- 19”.

سؤال ما إذا كانت المتحورة الجديدة من “كوفيد- 19” التي على ما يبدو بدأت تتفشى في لبنان هي نفسها البريطانية، أو الجنوب أفريقية، سريعتا الانتشار، أو غيرهما، لا نملك إجابة بعد. فلربما نحن أمام متحورة “لبنانية” جديدة ومختلفة من الفايروس، من يدري؟   

في لبنان، تحليل عينات حالتين فقط من الإصابات الآتية من بريطانيا عبر المطار أكدت إصابتهما بالمتحورة البريطانية، ولكن تتبع الدولة للحالات الوافدة توقف عند هذا الحد. لتأكيد ما إذا كانت المتحورة الجديدة في الداخل اللبناني التي لاحظها عبد الساتر وزملاؤه هي نفسها البريطانية، نحن بحاجة إلى قراءة التركيبة الجينية لهذه العيناتsequencing ، للإثبات أو النفي. هذه التقنية غير متوفرة في لبنان إلا بأماكن محددة، ربما غير قادرة في الوقت الحالي على تحليل العينات المطلوبة، وبالتالي الخيار الثاني هو إرسال العينات لتحليلها في الخارج، الأمر الذي يعتبر مكلفاً في دولة كلبنان. من يتحمل المسؤولية إذاً؟ هذا موضوع بالغ الأهمية ويجب أن يكون من أولويات وزارة الصحة المعنية مباشرةً خاصةً مع تبعات إحتمال وجود متحورة من فيروس الكوفيد 19 سريعة الإنتشار في لبنان. بإنتظار تلك النتائج التعامل مع المستجدات ضرورة وواجب إنساني قبل أي شيء أخر. 

هل نلقي اللوم على الفايروس وحده؟

على الفايروس ضغوط طبيعية مستمرة  للتغير والتطور لكي يتكيف بشكل أفضل مع حاضنه الجديد، أي الإنسان في حالة وباء “كوفيد- 19”. وكلما زاد تفشي الفايروس وتداوره في المجتمع، زادت فرصه بالتحور. أيضاً كلما زادت مدة الإصابة، كان لدى الفايروس وقت أطول للتغير. ما هو مهم هو أن الفايروس بحد ذاته مشكلة فعلية، فكيف بمتحورات جديدة يبدو أنها أسرع انتشاراً؟ ولكن ماذا إذا كان هنالك دور لظهور متحورة جديدة من الفايروس في هذا الارتفاع السريع في أعداد الإصابات في لبنان؟ لا شيء مؤكد بعد بانتظار تحليل التركيبة الجينية للعينات موضع الشك وتحديد دور الطفرات الموجودة. في جميع الأحوال، من المغري إلقاء اللوم كاملاً على ظهور متحورة جديدة من الفايروس، ولكن التراخي في تطبيق إجراءات أخرى وقائية، فتح البلد على مصراعيه، والاستهتار المجتمعي الرسمي والشعبي في فترة الأعياد الأخيرة هو مساهم أساسي في إعطاء الفرصة للفايروس ليأخذ راحته في الوصول لأكبر عدد ممكن، حتى وصلنا إلى مرحلة باتت فيها  السيطرة على الوشع من دون خطط جدية، أمراً شبه مستحيل. إجراءات بسيطة كالتباعد الاجتماعي وارتداء كمامة، لها دور أساسي وفعال عند تطبيقها بشكل متجانس وصحيح، في إيقاف انتشار الفايروس وأي من متحوراته المحتملة. 

كلما زاد تفشي الفايروس وتداوره في المجتمع، زادت فرصه بالتحور.

أين اللقاح؟ 

أكثر من 40 مليون إنسان تلقوا لقاح “كوفيد- 19” بالفعل حول العالم حتى كتابة هذا النص، دول العالم تتسارع لتأمين أكبر عدد من اللقاحات لمواطنيها، أما لبنان فحتى اللحظة لم يأتِ بجرعة واحدة من أي لقاح تم ترخيصه للاستعمال الطارئ حول العالم. بالأمس تم “تبشيرنا” بتوقع وصول الجرعات الأولى للقاح فايزر/ بيونتيك إلى لبنان في شهر شباط/ فبراير 2012. على أن عدد الجرعات الأولى سيكون مقتصراً على آلاف معدودة لبلد عدد قاطنيه بات يفوق الستة ملايين. كل تأخير في تأمين لقاحات فعالة تغطي العدد الأكبر من المواطنين بأسرع وقت ممكن، يعني استمرار الأزمة لوقت أطول، ما سينعكس بالضرورة سلباً على المواطن اقتصادياً وصحياً، كما أعداد الخسائر البشرية، بخاصة أن الأعداد اليومية تبدو آيلة للازدياد المتواصل. 

النفق سيكون طريقاً طويلة لكي نصل إلى الضوء في آخره. ولكن أحد السبل المهمة لنصل بشكل أسرع، بات موجوداً، وهو اللقاح كضرورة وأولوية. التلقيح هو جزء من الحل للخروج من عتمة الوباء، ولعله الجزء الأهم من الحل في هذه المرحلة. ولكن اللقاحات لوحدها ليست كافية في الوقت الحاضر لإيقاف انتشار الفايروس. تلقيح مليارات البشر حول العالم مسألة تتطلب وقتاً ومجهوداً دولياً، كما أن تحقيق حماية مجتمعية سيتطلب تلقيحاً سريعاً لأعلى نسبة من المجتمع، وهذا ليس وارداً في لبنان في أي وقت قريب. إذاً تلقيح أعداد قليلة لن يحل الأزمة ولن يوقف انتشار الوباء، الإجراءت الوقائية تبقى الإجراء الأهم لحمايتنا من أي متحورة طارئة أو جديدة وهي مهمة كل فرد فينا. هذا لا يعفي الدولة من دورها ومسؤوليتها ليس لناحية تأمين لقاحات لجميع الموجودين على الأراضي اللبنانية وحسب، ولكن أيضاً لجهة وضع خطط مدروسة لمحاربة الوباء لناحية تطبيق الإجراءات الوقائية، وإجراء أعداد كافية من الفحوص وتتبعها. من جهة إيجابية، كلما أسرعنا في وصول اللقاح وسعينا إلى تلقيح المجتمع في أسرع وقت ممكن، سنخرج شيئاً فشيئاً إلى النور. من المتوقع أن تنخفض أعداد الإصابة تدريجاً، كما أعداد الحالات الخطرة والوفيات، كلما ازدادات أعداد الأشخاص الملقحين، فهل ستسعى دولتنا إلى تحقيق ذلك سريعاً؟ حتى الآن المؤشرات لا توحي بحصول بذلك في أي وقت قريب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني