fbpx

“الجبهة الشعبية” في مواجهة “كورونا”… وجه البوتينيّة الأكثر ودّاً

تُعَدّ مكانة "الجبهة" البارزة، الآخذة في التزايُد، تطوّراً مثيراً للاهتمام لأسباب عدة. فليست "الجبهة" حزباً سياسيّاً أو هيئةَ صنع قرار رسميّةً، لكنّها -كما يبدو- نصَّبت نفسها وسيطاً بين حزب "روسيا الموحَّدة" والناخبين الروس...

في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر، عقد الرئيس الروسيّ اجتماعاً افتراضيّاً مهمّاً مع مجلس الدوما لمناقشة أزمة “كورونا” المستمرّة. لم يكن اجتماعه مع مجلس النواب الروسيّ اجتماعاً استثنائيّاً، فقد ركّز خلاله على كيفيّة تعامُل جميع أقاليم البلاد واتحاداتها مع الجائحة، وقد منح كلَّ إقليم استقلاليّة كبيرة في تحديد الكيفيّة التي يراها مناسبة لمكافحة الفايروس. إنما كان هناك أمرٌ مميَّز في هذا الاجتماع، هو ذلك الحضور البارز لمنظّمة تُدعَى “الجبهة الشعبيّة لعموم روسيا”، التي أدّت دوراً محوريّاً في إدارة روسيا لأزمة “كورونا” خلال الشهور القليلة الماضية.

والأهمّ من ذلك هو أنّ هذا الاجتماع جعل من الواضح تماماً أنّ “الجبهة” ترسّخ مكانتها بوصفها حلقة الوصل بين حزب “روسيا الموحَّدة” الحاكم والشعب، وهي علاقة قد تثبت فائدتها لبوتين قبل الانتخابات البرلمانيّة هذا العام، وقد تؤثّر أيضاً في بنية الهيكل العامّ للحزب الحاكم في الأعوام المقبلة.

أُسِّست الجبهة، التي غالباً ما يتم تجاهلها، عام 2011، قبل إحدى حملات بوتين الرئاسيّة مباشرة. وقد تشكّلت الهيئة، التي يرأسها بوتين رسميّاً، لتشبه إلى حدٍّ ما خليّة الفكر التي تعمل بالتوازي مع حزب “روسيا الموحَّدة”، من خلال طرح أفكار سياسيّة جديدة وتوفير أرضيّة خصبة محتملة للكثيرٍ من صنّاع السياسات الصاعدين الشباب في روسيا. وعلى رغم تراجع نفوذ “الجبهة” ورؤيتها السياسيّة بعد ضمّ روسيا شبهَ جزيرة القرم عام 2014، مع أنّها افتتحت مكاتب إقليميّة لها هناك لترسيخ الهيمنة الروسيّة التقليديّة على المنطقة، يبدو أنّ “الجبهة” استعادت نشاطَها من جديد على مدار الـ18 شهراً الماضية.

فبدايةً، وبشكلٍ واضح، كوفئ الأفراد الذين كان أداؤهم جيّداً في المنظّمة ومَن قدّموا المساعدة خلال حملات بوتين الرئاسيّة في عامي 2012 و2018، من خلال تعيينهم في مناصب عليا في “الجبهة”، مثل إيلينا شميلوفا التي تشغل حاليّاً منصب الرئيس المُشارِك لقيادة “الجبهة” المركزيّة. فعام 2018، أدارت إيلينا المقرّ الرئيسيّ لحملة بوتين الرئاسيّة، لتتمّ ترقيتها بعد ذلك إلى منصبها الحالي. وعلى رغم وجود أفراد أكثر خبرة ضمن مجلس المنظّمة، يشغل مناصبَ “الجبهة” الأكثر اتّصالاً بالجمهور أعضاءٌ شباب تقلّ أعمارهم عن 40 سنة.

ويُعَدّ ميخائيل كوزنيتسوف، رئيس اللجنة التنفيذيّة في “الجبهة”، أحدَ الأمثلة البارزة الأخرى على ذلك النهج. فقد عُيِّن كوزنيتسوف في منصبه هذا في أيلول/ سبتمبر 2019، وهو أيضاً عضوٌ في حزب “روسيا الموحَّدة” ذاته، وقد عمل في موسكو والإدارات الإقليميّة الأخرى طيلةَ سنوات، الأمر الذي منحه فهماً عميقاً للسياسات وأكسبه سمعة طيّبة بوصفه مديراً جيّداً وبارعاً.

خلال اجتماع مجلس الدوما، الذي حضره أعضاء بارزون في الحكومة، قدّم كوزنيتسوف عرضاً توضيحيّاً يُسلّط الضوء على القضايا الأساسيّة التي تواجهها مختلف المناطق خلال تعاملها مع الفايروس، والتي تتمثّل على وجه التحديد في نقص الأدوية في الصيدليات المحلّيّة، وصعوبة التواصل مع طبيب أو استدعاء سيّارة إسعاف، وانتظار المرضى فتراتٍ طويلة في المستشفيات.

على رغم لهجة العرض الحياديّة، الخالية من أي انتقادات قد تكون موجَّهة إلى فرد بعَينه، كان واضحاً بجلاء أنّ “الجبهة” كُلِّفت بتقديم تقارير إلى الحكومة الاتّحاديّة حول مدى قدرة حكّام الأقاليم على التصدّي لقضايا الصحّة العامّة التي تعاني منها مناطقهم الإداريّة.

تُعَدّ مكانة “الجبهة” البارزة، الآخذة في التزايُد، تطوّراً مثيراً للاهتمام لأسباب عدة. فليست “الجبهة” حزباً سياسيّاً أو هيئةَ صنع قرار رسميّةً، لكنّها -كما يبدو- نصَّبت نفسها وسيطاً بين حزب “روسيا الموحَّدة” والناخبين الروس من خلال أنشطتها العامّة وإشراكها الجمهور في تلك الأنشطة.

وتُجرِي “الجبهة” استطلاعات شعبيّة لقياس ردود فعل الناس على أداء الحكومة في ما يتعلّق بمكافحة الفايروس، وهو ما يوفّر أيضاً معطيات قيِّمة للغاية ستشكّل أهمّيّة بالغة لانتخابات مجلس النوّاب التي ستُجرى هذا العام. فهذه المعلومات ستمكّن الحكومة من فهم المزاج العامّ بصورة أفضل، وبالتالي ستمكّنها من وضع سياسات متوافقة معه. واقترحت “الجبهة” أيضاً توصيات عمليّة للحدّ من بعض الصعوبات التي أشار إليها المصابون بـ”كورونا”، من قبيل توفير سيّارات لإيصالهم إلى الأطبّاء المحلّيّين. وإذا طُبِّقت هذه التوصيات، فستلقى على الأرجح ترحيباً من العامّة، وسيَرون فيها إشارةً إلى الإجراءات التصحيحيّة التي تتّخذها الدولة.

لا تقتصر أنشطة المنظّمة على مراقبة الأداء خلال جائحة “كورونا”. فعلى مدى الأشهر الأخيرة، كان لممثّليها مواقف من التغيرات المناخيّة والقضايا البيئيّة. ويأتي هذا في وقتٍ يبدو فيه نهجُ الحكومة الاتّحاديّة تجاه التغيرات المناخيّة والقضايا البيئيّة مجزّأً ومتناقِضاً، وتهيمن عليه شركات الهيدروكربونات التي تمارس ضغوطاً لزيادة إنتاج النفط والغاز. وقد تعاوَنت “الجبهة” أيضاً مع المجتمعات المحلّيّة لتحسين إمكان الحصول على مياه الشرب النقيّة وحماية المواقع المحلّيّة ذات الأهمّيّة التاريخيّة، كالبحيرات، وغير ذلك من القضايا المحلّيّة التي غالباً ما يتغاضى عنها حزب “روسيا الموحَّدة” مفضّلاً عليها الأفكار التي تخدم الصورة الأشمل للحزب، وهو ما يعطينا إيحاءً بأنّ “الجبهة” تريد أنْ تقدِّم نفسها بوصفها منظّمة أكثر اتّصالاً وتلبيةً لاحتياجات الناس.

من غير المحتمَل أنّ هذا الدور انبثقَ عن إحساسٍ بالنشاط الشعبيّ، فمن الواضح أن الأوامر تأتي من القمّة. منذ تمّوز/ يوليو 2020، أصدر بوتين تعليماته إلى “الجبهة” لزيادة سيطرتها على تنفيذ مشاريعه الوطنيّة، وهي مهمّة كبيرة تسلّط الضوء على مدى قُرب “الجبهة” من الرئيس وحجم ما يُوليها من أهمّيّة وتقدير.

مشاريع بوتين الوطنيّة تتمثل في سلسلة من 13 حزمة من السياسات العامة المخصّصة للتطوير، أعلنها في حملة إعادة انتخابه عام 2018. وهي مشاريع الرئيس المفضَّلة، إذ صمِّمت لتكون ركيزة النجاح الاقتصادي الروسيّ في الأعوام المقبلة، ويُنظر إليها على أنّها مسألة ذات أهمّيّة استراتيجيّة قوميّة؛ ورصدت الميزانيّة الفيدراليّة عام 2019 مبلغاً قدره 1.75 تريليون روبل (24 مليار دولار أميركيّ) لتنفيذها. ومن الناحية النظريّة ستتلقّى تمويلاً إضافيّاً ومزيداً من العناية من الحكومة عند الحاجة. لكنّ تلك المشاريع لا تسير على ما يُرام، وقد تعرّضت لانتقاداتٍ من بعض الوزارات والإدارات الإقليميّة باعتبارها واسعة النطاق للغاية، ويصعب تنفيذها، وتفتقر إلى مؤشّرات للأداء يمكنها إثبات نجاح تلك المشاريع.

إقرأوا أيضاً:

في البداية أُسنِدت إدارة تنفيذ تلك المشاريع إلى حكّام الأقاليم الروسيّة، ولكن في خطابٍ جادّ وحازم أمام البرلمان الروسيّ، في كانون الثاني/ يناير 2020، انتقد بوتين هؤلاء الحكّام لفشلهم في تحسين المعايير التعليميّة في مناطقهم، ولعجزهم عن توفير الخدمات الطبّيّة في المناطق النائية.

منذ ذلك الحين عهد بوتين إلى “الجبهة” بالمسؤوليّة عن جوانب المشاريع التي تركّز على الصحّة العامّة والبيئة، وخصوصاً سبل تحسين مستوى المعيشة للروس بعد انتهاء أزمة وباء كورونا. قد تثير هذه الخطوة غضبَ بعض حكّام الأقاليم، الذين ربّما يشعرون بشيءٍ من الارتياح لكون “الجبهة” لم تُكلَّف بمعالجة قضايا كبرى ذات أهمّيّة وطنيّة كالدفاع أو المجالات الرئيسيّة في الاقتصاد. ولكن مع إيفاد ممثّلي “الجبهة” إلى أدوار أكبر في مواجهة الجماهير، ربّما يصبح الأمر مسألة وقت. كلّ هذه الأمور تشير إلى أنّ حزب “روسيا الموحَّدة” يدرك افتقاره إلى اللمسة الشعبيّة وإلى التواصل مع الجماهير.

يعي حزب “روسيا الموحَّدة” أنّ هناك مشكلة في صورته الجماهيريّة وأنّ أداءه في الانتخابات لم يكن جيّداً على مدار العامَين الماضيَين. فقد كشفت الانتخابات الإقليميّة في أيلول/ سبتمبر الماضي افتقاده الشعبيّة، مع فوز المعارضة بمقاعد في المجالس البلديّة لمناطق غير متوقّعة، مثل مدن تومسك ونوفوسيبيرسك في سيبيريا، وتعدّ نوفوسيبيرسك ثالث أكبر مدينة في روسيا من حيث عدد السكّان. وفاز مرشّحون من “حزب المجتمع” و”الحزب الديموقراطيّ الليبراليّ” بالكثير من المقاعد في مواجهة مرشّحي حزب “روسيا الموحَّدة” خلال انتخابات أيلول 2018. ومع أنّ تلك الأحزاب لا تعتبر معارضة حقيقيّة، لكونها تصوّت عادةً بما يتماشى مع جميع مشاريع القوانين التي تطرحها الحكومة تقريباً، تشير مكاسبها إلى مدى الاستياء الشعبيّ من حزب “روسيا الموحَّدة”.

يمتلك الحزب حاليّاً أغلبيّة ساحقة في مجلس الدوما، إذ يسيطر على 343 مقعداً من أصل 450، بما يتيح له تمرير القوانين غير مُثقَلٍ بمراعاة الضوابط والتوازنات.

تراجعت تصنيفات الثقة في حزب “روسيا الموحَّدة”، بل حتّى في بوتين نفسه، هذا العام، نتيجةَ تعثّر الاقتصاد ونتيجة خطوات لا تحظى بشعبيّة نحو رفع سنّ التقاعُد في 2018، ونتيجة الوباء الحاليّ. وما لم يكن حزب “روسيا الموحَّدة” قادراً على تغيير صورته، فسيواجه مشكلة حقيقيّة في انتخابات مجلس الدوما هذا العام.

يمتلك الحزب حاليّاً أغلبيّة ساحقة في مجلس الدوما، إذ يسيطر على 343 مقعداً من أصل 450، بما يتيح له تمرير القوانين غير مُثقَلٍ بمراعاة الضوابط والتوازنات. ولكن بالنظر إلى مجموعة التشريعات المذهلة التي تقدّم بها الحزب في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، للحدّ من الاحتجاجات ولزيادة سيطرة الدولة على المحتوى الرقميّ، لا يبدو حزب “روسيا الموحَّدة” واثقاً من احتفاظه بسيطرته على مجلس الدوما من دون شيءٍ من التدخّلات الكبيرة.

هنا قد يكون بإمكان “الجبهة” المساعدة. فمع تركيز حزب “روسيا الموحَّدة” على إجراءات التقييد، ربّما تضع “الجبهة” نفسها باعتبارها الوجه الودود للحزب. ويبدو أنّ هذا تمّ تأكيده في تصريحات أدلى بها كوزنتسوف في 3 كانون الأوّل الماضي، في أحد اجتماعات المائدة المستديرة مع معهد الخبر للأبحاث الاجتماعيّة، وهو هيئة مقرّبة من دائرة بوتين. ودعا كوزنتسوف مباشرةً مجلسَ الدوما إلى اختيار المرشّحين من أوساط الجبهة، قُبيل الانتخابات، وهو طلبٌ بَدَا أنّ مسؤولين سياسيّين كباراً آخرين يؤيّدونه، مشيرين إلى أنّ من المرجّح أنْ يكون لدى “الجبهة” فهم أفضل لمشكلات الشعب الروسيّ على أرض الواقع.

باختصار، تمثّل “الجبهة” منظّمةً علينا مراقبة أدائها في الأشهر المقبلة. ومن المحتمل أنْ يتمّ اختيار الأفراد الذين يؤدّون أعمالهم جيّداً ويدعمون الحزب لتتمّ ترقيتهم، وهذا سيكون مؤشّراً مهمّاً على نوع النظام السياسيّ الذي يبنيه

بوتين للمستقبل.هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
“إحنا هنفتتح أكبر مجمع سجون… جايبين نسخة أمريكية كاملة”. بابتسامات ساخرة، تلقى كثيرون تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تأكيد نيته تطوير السجون المصرية. الاستراتيجية هي تطوير السجون وليس تخفيف أحكام السجن العشوائي
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني