لبنان: التصفيق للقمع … “تحسسوا رقابكم”

مع كل مشهد تضييق جديد، ومع كل استعراض للقوة وتهديد للحريات والصحافة والنشطاء، يطلّ علينا محبو "الرينجر" من جديد، ويعيدون على مسامعنا خطاب الـ"اضرب بإيد من حديد"، و"ادعسوهم" و"ربّوهم"...

هو خطاب موجه إلى الأجهزة الأمنية وعناصرها، ويهدف إلى تكميم أفواه من يزعجهم أو يسيء إلى أحد رجال هذه الدولة الفاشلة. وللتكميم هنا وسائل لا تقلّ شناعة عن ديكتاتوريات المنطقة ودول أخرى، التي نشمئز منها، مؤكّدين أننا لسنا هكذا، وأننا شعب حر ويحب الحياة بما يضمن لكل منا حقوقه وحرياته.

في الأمس، حضرنا من بيوتنا، حيث نختبئ من “كورونا”، مخابرات الجيش تطوّق مؤسسة إعلامية هي قناة “الجديد”، بحثاً عن أحد صحافييها. وسرعان ما خرج كثيرون ليتغزّلوا بالمشهد ويعتبروه “نصراً” جديداً للقبضة الأمنية وللنظام العسكري الذي يسكن في أماني هؤلاء وأحلامهم.

هو حنين لا ينضب إلى أيام الوصاية السورية وأجهزتها والنهج البعثي في التعامل مع الصحافة والمواطنين. هو حنين إلى دواليب التعذيب والكراسي المكهربة و”الفلق الصباحي”.

هذه الصورة المرعبة لرجل الأمن حظيت بمشجعين وأشخاص راق لهم أن يتعرّض مواطنون للتعذيب والإسكات والمحاسبة على طريقة النظام الأمني مع  اقتباسات من أنظمة استبدادية أمنية في محيطنا.

وهي مشاهد لم تختفِ من نظارات النظام اللبناني حتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان وانتهاء زمن الوصاية، فقد تحمّل كثيرون تبعات هذا الحنين إلى الدم، حتى أن عدداً من المتظاهرين في احتجاجات 17 تشرين 2019، فقدوا أعينهم ونظرهم بسبب القنابل مسيلة الدموع والرصاص الحي والمطاطي، فيما أدى التعذيب الذي تحمّله كثيرون في غرف الاستنطاق، إلى مشكلات صحية وكسور وأعطاب دائمة في أجساد هؤلاء. وقد خرج هؤلاء ورووا الويلات عما تحمّلوه من ضرب وعنف نفسي وجسدي، إلا أن هناك من كان يقول في سرّه وعلناً: “خرجكن” و”رينجر الأمن فوق رؤوسكم”. وعلى بشاعة المشهد وغيره من مشاهد الدولة البوليسية التي استفحلت في الفترة الأخيرة مع اعتقال مدونين ومغردين، إلا أن هذه الصورة المرعبة لرجل الأمن حظيت بمشجعين وأشخاص راق لهم أن يتعرّض مواطنون للتعذيب والإسكات والمحاسبة على طريقة النظام الأمني مع  اقتباسات من أنظمة استبدادية أمنية في محيطنا. يفكّر هؤلاء بأن لا طريقة ممكنة للتعامل مع الآخر سوى إلغائه وتمزيق جسده وترهيبه ومحوه من الوجود، وهم لا يخجلون من التعبير عن هذا الرأي الدموي بلا هوادة، وبينهم صحافيون زملاء لسوء الحظ.

من نكد الدهر أن مسألة الحريات ليست أمراً بدهياً في هذه البلاد التي كانت منارة الشرق والديموقراطية ذات يوم، من نكد الدهر أننا ما زلنا نتناقش حول إذا ما كان مشهد تطويق مؤسسة إعلامية للقبض على صحافي، مقبولاً ومبرراً أو مرفوضاً ومشيناً. 

هناك من انصرف إلى محاكمة الصحافي رضوان مرتضى، الذي أقام عناصر المخابرات حاجزين حول القناة التي يعمل فيها، من أجل القبض عليه. وتلك المحاكمة تذهب إلى الشخصي وتنصرف عن فظاعة المشهد العام. نعم، هناك نقاش لابد من خوضه عن تقاطعات بين عاملين في الصحافة وبين أجهزة أمنية والأثر السلبي الذي سببته في معنى وقيمة العمل الصحافي أخلاقياً ومهنياً. لكن في حالة محاصرة قناة “الجديد” تُركت هذه الحلقة المشينة من الترهيب، أي محاصرة القناة، وفُتح نقاش حول عمل مرتضى ونزاهته ومهنيته، لتبرير تطويق القناة، في مشهد يوجّه رسالة مفادها أن “تحسّسوا رقابكم”، على رأي ابراهيم الأمين.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني