استعادة مسلسل “الفصول الأربعة”… العائلة إذ تخدعنا

"حضنان دافئان"، تحكّما بمصائر السوريين لسنوات طويلة، والحنين لأحدهما حالياً، ليس بريئاً من الحنين إلى الثاني، على رغم اندلاع احتجاجات عارمة وتقديم تضحيات.

بعد رحيل المخرج السوري، حاتم علي، تحولت استعادة مسلسل “الفصول الأربعة”، الذي أخرج جزءيه، بين 1999 و2002، إلى تقليد شبه يومي، إما عبر المقالات أو “البوستات” أو الفيديوات المقتطعة من حلقاته. والاستعادة المديحية تقوم على عنصر الحنين، لصورة تم تصنيعها بوعي ثقافي فوقي، جعلت الطبقة الوسطى الدمشقية مختبراً لعلاقات منزهة عن السلطة، وعن تحكمها بالمجتمع وتدخلها بتشكيله، وهو مختبر يلغي الذات ويستعيض عنها بما يتجاوزها من قضايا، ضمن إطار عائلي محكم.

فأبطال، المسلسل الذي تدور تفاصيله حول حياة عائلة دمشقية مكونة من أب وأم وبناتهما وأصهارهما، لهم أمزجة وميول واتجاهات مختلفة، لكنهم يتصرفون ضمن مسار مكتظ بالمشكلات الاجتماعية، من دون أن تعترضهم أي مشكلة تتعلق بمجالات الحياة في سوريا وتحكم السلطة بها، فالمحامي لا يعاني من انعدام العدل، والتاجر لا يعاني من تغيير معايير الربح وتداخلها مع الفساد، والموظف لا يعاني من الانسحاق الوظيفي، والشاعر لا يعاني من فساد الوسط الثقافي.

ثمة فصل بين الاجتماعي والسياسي، بحيث يخلو الأول من الثاني، ويغدو نظيفاً تدور تفاصيله بشكل طبيعي. غيرة وحب وطموح واشتياق وسفر وعلاقات فاشلة، مشاعر وأحداث ووقائع لا يعكر صفوها أو يعترضها أي شيء يتعلق بالسلطة وطغيانها وتمددها الأخطبوطي.

والاجتماعي، الذي تعتمده الكاتبتان، ريم حنا ودلع الرحبي، أساساً للمسلسل ومادة تصنع حلقاته، يقوم كذلك على نزعة عائلية مضادة للفردية، ممزوجة بنزعة مثالية مضادة للخطأ والحق في ارتكابه، فالأبطال يتلاحمون ضمن عصبية صلة الرحم، ليدافعوا ويحموا بعضهم بعضاً. بمعنى أن الاجتماعي يستبطن تسلطاً، عنوانه قيم الأسرة وإيجابيتها، ما يسحق الفرد ويحيله إلى تابع، تجربته مرهونة بأقاربه، وما يقدمونه من نصح وإرشادات وتدخلات، ضمن غلاف من الرعاية والحب والاهتمام. وهذا ما يفسر خلو الشخصيات من نوازع الشر أو الخطأ، ذاك أن الاستبداد العائلي غير المباشر، يتحكم بسلوكهم ويجعله “صائباً” طوال الوقت. الشر يأتي من خارج العائلة، مثلا من “عريس العمة” الذي يتضح أنه لص يوقع بالمتقدمات بالسن، فيما العائلة، ملاذ آمن ودافئ، تصوغ تجارب الأشخاص وتروضها.

“أنا من الناس اللي لازم حدا يحكي عنهن لأني دون صوت”

صحيح أن الشخصيات مرسومة درامياً، بتمايز يحفظ لكل واحدة خصوصيتها، لكن هذه الخصوصية، لا تتطور إلى ذوات حرة وسلوكيات متضادة وصراعية، فهي مصاغة بوعي ثقافي فوقي، يرمي إلى جعلها تمثيلاً لقيم وأفكار وحالات، أكثر من جعل أصحابها أفراداً يتصارعون مع المجتمع وصعوباته التي لا تظهر في العمل بفعل إنكار دور السلطة. الثقافة تعمل هنا، ليس كتحليل لواقع ولفهم علاقاته وتفكيك تشابكها، عبر شخصيات تسعى إلى امتلاك مصائرها، بل تعمل على إنتاج نماذج تمثل قضايا وحالات. حين يشكو أحد الأصهار نجيب فهمي (بسام كوسا) من التهميش، مردداً جملته الشهيرة التي ستصبح متداولة بشكل واسع على “الفايسبوك السوري”، “أنا من الناس اللي لازم حدا يحكي عنهن لأني دون صوت”، فإن الاعتراف بقيمة الرجل يأتي من كونه أنقذ مقاتلاً مغربياً شارك في حرب تشرين، وليس لكونه نجيباً. وكذلك الصهر الثري مالك الجوربار، يكتسب قيمة حين يكتشف أولاده وزوجته رعايته لشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة. الفردية مرهونة إذاً بقضية أو حالة إنسانية، هي إحالة دائمة لما هو “مثالي” ويتجاوز الذات، ليعرّفها ويكسبها قيمة داخل إطار عائلي محكم، يتسلط بقفازات حريرية.

وعليه، السلطة العائلية، التي تحضر بقوة في “الفصول الأربعة”، ماحية الفرديات ومحيلة إياها لما يتعداها، تتبدى تفسيراً منطقياً لغياب السياسي حيث لا يبقى الاجتماعي، بريئاً من السلطة وانتشارها، وإنما يصبح بنية تحتية لها، يثبت أركانها، ويدعمها. فالعائلة المتماسكة التي تعيش من دون سياسة ولا تعاني من استبداد السلطة، تعادل النظام المتماسك،  “القومي” “العروبي” “البعثي”، الذي لا يعاني من نقص الديموقراطية، وعدوه أي “الشر” يأتي من الخارج  “المتآمر” على غرار “عريس العمّة”. وكما أن العائلة تخشى على أولادها من “الخطأ” وتصوب دائماً سلوكهم عبر تسلط ناعم مغلّف بالنصح والرعاية والحنان، كذلك النظام، يخشى على تابعيه من “الخطأ” ويصوب سلوكهم عبر تسلط خشن، بالسجن والاعتقال والتعذيب.

“حضنان دافئان”، تحكّما بمصائر السوريين لسنوات طويلة، والحنين لأحدهما حالياً، ليس بريئاً من الحنين إلى الثاني، على رغم اندلاع احتجاجات عارمة وتقديم تضحيات.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني