fbpx

فائزة رفسنجاني والثمن الفادح لدعم إيران بشار الأسد

تتعمد فائزة في كل مقابلاتها الحديث عن والدها، وبالأحرى عن جهود والدها الديبلوماسية سعياً إلى إيجاد شراكة لإيران في المنطقة، بينما يبحث النظام عن دور، لذلك أقصى رفسنجاني وأطلق يد سليماني.

كلما ظهرت السياسية الإيرانية فائزة رفسنجاني، في وسيلة إعلامية، أثارت زوبعة من الجدل، داخل إيران وخارجها، بسبب آرائها الجريئة ونقدها اللاذع لسياسات النظام وقياداته.

ففي إطلالتها الأخيرة عبر موقع “إنصاف نيوز” على تطبيق “إنستاغرام”، تزامناً مع الذكرى الأولى لاغتيال قائد فيلق القدس في تنظيم الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، والذكرى الرابعة لرحيل والدها علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أكدت فائزة مرة جديدة أن والدها “كان معارضا للتدخل الإيراني في سوريا”، وكشفت هذه المرة أن والدها كان قد حذر سليماني من تبعات هذا الأمر، ونصحه بـ”عدم التورط بالحرب السورية”. وقالت إن “تصرفات سليماني وسياسة المقاومة التي يعتمدها النظام، لم تحقق لإيران شيئاً على صعيد الاقتصاد والحريات والعلاقات الخارجية، ولم تترك للإيرانيين ما يفتخرون به، بل على العكس، أدت إلى خسارتنا أصدقاءنا”.   

وعن التسجيل الصوتي المنسوب لوالدها، الذي دان فيه، قصف بشار الأسد الشعب السوري بالسلاح الكيمياوي، قالت: “بغض النظر عن صحة التسجيل من عدمه، المبدأ صحيح، فقد كانت نتيجة مساعدتنا بشار الأسد مقتل 500 ألف مواطن سوري”.

وعلى صعيد الداخل، قالت: “روحاني لم يتمكن من تغيير السياسات الاقتصادية في البلاد، ربما لم يكن بمقدوره، كذلك استمر في عهده تدمير العلاقات الخارجية لإيران، وهنا أتحدث عن السعودية، فلقد توقع كثيرون، أن روحاني في دورته الرئاسية الأولى، سيتمكن في ظل وجود والدي وخبراته الديبلوماسية في هذا المجال، من إحياء العلاقات مع السعودية، لكن روحاني أحرق كل الفرص، بسبب خضوعه للضغوط التي مارسها عليه شركاؤه في الحكم”.

فائزة رفنسنجاني

كالعادة شكلت تصريحات فائزة صدمة على المستويين العربي والدولي، أما في إيران، فأقل ما يقال عنها إنها متوقعة وعادية، فالصحافية والناشطة النسوية والنائبة السابقة، لطالما اشتهرت بفضح سياسات النظام، متجاوزة كل الخطوط الحمر والحواجز والمحظورات، وإن كان ثمن ذلك إحراج والدها.

فقبل أربع سنوات، تعمدت فائزة لقاء أشخاص من الديانة البهائية المحظورة في إيران، من بينهم الناشطة الحقوقية فريبا كمال آبادي، ما أثار غضب المتشددين الذين هاجموا والدها، فاضطر إلى توبيخها في الإعلام، أما هي فردت على الانتقادات، قائلة: “لم أرتكب خطأ ولست نادمة”. وأضافت: “زرت فريبا، التي عشت معها 6 أشهر فى زنزانة واحدة في سجن اوين، لمناسبة خروجها الموقت من السجن، فهل أصبح لقاء الأصدقاء جرماً؟”.

قد يكون رحيل سليماني ورفسنجاني في الشهر نفسه مع فارق ثلاث سنوات (الأول في 3 يناير/ كانون الثاني والثاني في 7 منه) مصادفة زمنية، لكن استخدام فائزة ذكرى رحيل والدها المتزامنة مع ذكرى رحيل سليماني، ليس عبثاً، فالماكينة الإعلامية والأيديولوجية للنظام، تعمل على تحويل سليماني شيئاً فشيئاً إلى قديس. وفائزة تمثل تياراً ثقافياً عريضاً في إيران، يرفض أيقنة الشخصيات، ففي إحدى مقابلاتها، على سبيل المثال، رفضت إطلاق لقب “الإمام القائد” على المرشد الأعلى، مكتفية بتسميته السيد خامنئي، لأن الألقاب برأيها “ستضفي على الشخص هالة من القداسة، ما يصعب انتقاده ومساءلته، وهنا يكمن أصل الفساد”.

فائزة هي ابنة علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد أهم وجوه الثورة والدولة والسياسة والدين في إيران، الذي شغل منذ انتصار الثوة حتى وفاته، مناصب رسمية بارزة، من بينها رئاسة الجمهورية لفترتين متتاليين، رئاسة مجلس الشورى ومجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس خبراء القيادة، من مواليد عام 1962، وهي واسطة العقد بين إخوتها الأربعة (محسن، فاطمة، مهدي وياسر)، وأكثرهم شبهاً بأبيها. رفسنجاني كان أحد أركان النظام وهي جزء منه، كان في السلطة والمعارضة معاً، وهي ركيزة في قلب المعارضة متمركزة في قلب السلطة، عاش مدافعاً عن نهج الإمام الخميني، مقتنعاً بكل قرارته، ولكنه أقنعه بتوقيع قرار إنهاء الحرب مع العراق، وهي تقدم نفسها موالية لنهج الإمام، ولكنها تعتبر حصر السلطات بيد المرشد خطأ يؤدي إلى صناعة الديكتاتورية، كما تنتقد فرضه الحجاب الإسلامي، وتراه قمعاً وتمييزاً ضد النساء، ولا يختلف عن قرار حظر الحجاب الذي فرضه الشاه محمد رضا بهلوي، قبل الثورة.  

شكلت تصريحات فائزة صدمة على المستويين العربي والدولي.

ولدت فائزة في قم المقدسة، وقد حازت المدينة هذا اللقب، باعتبارها المركز العلمي الديني الثاني بعد النجف لدى الشيعة الاثني عشرية، ولاحتوائها مدارس ومزارات دينية كثيرة، مثل: حوزة الفيضية وحوزة الحجتية، ضريح السيدة فاطمة المعصومة شقيقة الإمام علي بن موسى الرضا، ثامن أئمة الشيعة الاثني عشرية، الذي هاجر إلى خراسان ودفن فيها ومسجد جمكران، الذي يعتقد الشيعة أن له صلة بالإمام المهدي المنتظر. على رغم هذه الأجواء الدينية التي أحاطت بها، منذ نشأتها، وانتمائها لعائلة دينية، وعلى رغم أن والدها كان أحد أوائل الثوريين ومؤسسي الجمهورية الإسلامية، لم يمنعها ذلك من انتقاد تجربة الحكم الإسلامي في إيران. وعن هذه التجربة تقول: “كنا نعتقد أن الجمهورية الإسلامية سوف تنجح، لكنها لم تفشل فحسب، بل دمرت الإسلام أيضاً”. وفي إحدى مقابلاتها، تحدثت عن نقمة الإيرانيات على الحجاب، وتراجع التزام المجتمع بالصلاة والصيام والعقائد الدينية، وتزايد نسبة شاربي الكحول.

تزوجت فائزة في 16 من عمرها بالطبيب النفسي حميد لاهوتي نجل آية الله حسن لاهوتي، ولديها منه مونا وحسن. ربما زواجها المبكر كان سبباً في اهتمامها بشؤون النساء وشجونهن، ودفعها إلى أن تكون إحدى أشرس النسويات في إيران. ففي بدايات عشرينياتها أسست أول صحيفة نسائية في تاريخ إيران، وأسمتها “زن” أي امرأة، وفرت فيها فرصة عمل لحوالى 60 امرأة. كما تبنت قضايا الدفاع عن حقوق النساء في ممارسة كل أنواع الرياضة والمشاركة في المناسبات الرياضية العالمية، وأسست في سبيل ذلك، نادياً رياضياً نسائياً أدارته بنفسها. انتمت إلى مجالس إدارات رياضية غير حكومية، ورأست مؤسسة الرياضات النسوية واللجنة الأولمبية للرياضات النسوية في إيران، وهي تناضل حتى اليوم، من أجل انتزاع حق النساء في الدخول إلى الملاعب الرياضية.

نجحت فائزة في تأسيس رياضة نسوية إيرانية، على رغم ما اعترضها من فتاوى تحريم دينية، ولكنها أخفقت في المحافظة على صحيفة “زن”، فقد دفعها جموحها يوماً، إلى نشر رسالة لملكة إيران فرح بهلوي، ما أدى إلى توقيفها واستجوابها وإغلاق الصحيفة إلى الأبد.

على رغم اهتمامها بعائلتها ونشاطها السياسي والرياضي والثقافي، لم تهمل فائزة تحصيلها العلمي، فدرست في جامعتي آزاد التي أسسها والدها وفي جامعة برمينغهام في المملكة المتحدة، وحصلت على درجة الماجستير ثم الدكتوراه في حقوق الإنسان، ولديها أيضاً شهادة ماجستير في القانون الدولي وبكالوريوس في الإدارة والعلوم السياسية، وأصبحت أستاذة محاضرة في جامعة آزاد، ولكنها طردت منها بسبب آرائها السياسية المعارضة. 

خاضت فائزة معترك السياسة باكراً، ففي عمر الـ34، فازت بعضوية مجلس الشورى (الخامس) كنائبة عن طهران، حاصدة ثاني أعلى نسبة أصوات، وخسرت في الدورة التالية، أي بعد أربع سنوات، ولم تكرر ترشحها، قناعة منها بعدم نزاهة الانتخابات، وتدخل تنظيمي “الحرس” و”البسيج” بالنتائج. وعملاً بهذه القناعة، وقفت إلى جانب “الحركة الخضراء”، التي انطلقت اعتراضاً على تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية صيف 2009 لمصلحة محمود أحمدي نجاد، وشاركت في الاحتجاجات والتظاهرات التي شهدتها طهران، وتم توقيفها وتوقيف أشقائها الأربعة. ثم عادت واعتُقلت مرة ثانية، للسبب عينه، ثم أمضت فترة اعتقال ثالثة في سجن أوين، لم تتجاوز 6 أشهر، عام 2012، ومنعت 5 سنوات من مغادرة البلاد، بتهمة التطاول على مقام رئاسة الجمهورية (أحمدي نجاد) وبعد وصفها قيادات النظام بالجهلة والغوغائيين، لتزويرهم الانتخابات وقمع المعارضين واحتجاز زعماء “الحركة الخضراء” مير حسين موسوي وزوجته ومهدي كروبي وزهرا رهنورد.

“كنا نعتقد أن الجمهورية الإسلامية سوف تنجح، لكنها لم تفشل فحسب، بل دمرت الإسلام أيضاً”.

تصر فائزة على ضرورة إجراء استفتاء شعبي، لحسم الجدل حول علاقات إيران مع جيرانها ومع الغرب وبخصوص الحجاب الإجباري. وفي الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية، قالت إن “الشعب الإيراني متعب من سياسات النظام، ولذلك لم تعد تهمه خسارة أي شيء مقابل حريته”، وذك بعد تفاقم نتائج العقوبات الأميركية والدولية على إيران، التي أدت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية بشكل غير مسبوق، وانهيار قيمة العملة الوطنية، وبرأيها أن الإصلاحيين خيبوا آمال الشعب الإيراني، ولكي يعيش شعبها بسلام وأمان “يجب التخلص من التيارت الأصولية والإصلاحية”.

لذلك تدعم فائزة كل التحركات الشعبية المنددة بالسياسات الحكومية وتشارك فيها، خصوصاً الانتفاضتين الأخيرتين، ضد الغلاء (2017- 2018) وضد ارتفاع أسعار الوقود (2019).

تتعمد فائزة في كل مقابلاتها الحديث عن والدها، وبالأحرى عن جهود والدها الديبلوماسية سعياً إلى إيجاد شراكة لإيران في المنطقة، بينما يبحث النظام عن دور، لذلك أقصى رفسنجاني وأطلق يد سليماني. وفي هذه النقطة، تتهم المرشد الأعلى وإن بطريقة غير مباشرة، بتسليط الحرس على مقدارت إيران الاقتصادية، ومصادرته سياساتها الخارجية، وكذلك، تنظيم حملات القمع والاعتقال والإعدام ضد المعارضين. وقد وصلت بها الجرأة في إحدى مقابلاتها إلى دعوة خامنئي إلى التنحي، كونه يحتفظ بمنصبه وسلطاته منذ عام 1989، واعتبرت أن “التغيير السياسي في إيران، لن يتم إلا بإتاحة انتقال سلس للسلطة”، لذلك كل التحركات الشعبية لن تثمر، ما دام نظام الحكم على حاله، وفي الوقت نفسه، ترى أن نظام كهذا سوف يتفكك من داخله، سوف يكون هو نفسه ضحية قمعه واستبداده. 

تعيش فائزة حالياً في طهران، بينما انتقلت والدتها عفت مرعشي وشقيقتها فاطمة إلى لندن، ويخضع شقيقها مهدي لحكم سجن لمدة عشر سنوات، وهي تتابع ملف التحقيقات في وفاة والدها، فباعتقادها أن والدها لم يمت بالسكتة القلبية، إنما تمت تصفيته في المستشفى. وتؤكد أن الأطباء أخبروها بوجود مواد مشعة في جسده، بعدما كشفوا على جثته، وهي منشغلة هذه الأيام، بمناصرة النساء المعترضات على الحجاب الإجباري، ودعم السجينات السياسيات وعائلاتهن معنوياً ومادياً، ولديها لائحة لا تنتهي، من المطالب المتعلقة بالحريات… 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد الهادي الحيدري – صحفي تونسي
في الفترة الأخيرة خرج الصراع بين العسكر والمدنيين للعلن وسط اتهامات متبادلة بالفساد والصراع على الكراسي، بينما كان الوضع في الشارع السوداني أشبه بنار تحت الرماد مع غليان شعبي بسبب تدهور الوضع المعيشي وشح في السيولة والوقود والخبز.
Play Video

3:47

Play Video

7:06

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني