سجون مصر: جنة للفاسدين والموالين وجهنم المعارضين

"كلنا عارفين المميزات الكبيرة اللي بتتوفر للأغنياء والوزراء ورموز النظام السابق في السجون"... تمارس إدارة السجون في مصر سياسة تعذيب وإهمال طبي ممنهجة بحق السجناء السياسيين وسجناء الرأي والحقوقيين.

“محمد وزملاؤه تعرضوا لحفلة ضرب واعتداءات استمرت 5 ساعات من الحادية عشرة صباحاً حتى الثالثة عصراً، بدأت بتجريدهم من ملابسهم وتعليقهم في (فلكة) وضربهم بشوم ومواسير مياه. أُغرقت الزنزانة بالمياه وتم إخراج الفرش منها، ومُنع إدخال أي طعام إليهم من خارج السجن. 14 سجيناً ضُربوا وجُردوا من ملابسهم، ينامون على بلاط غارق بالمياه”، بتلك الكلمات وصف هيثم صلاح شقيق الصحافي محمد صلاح المحتجز داخل قسم دار السلام في محافظة القاهرة، الاعتداءات التي تعرض لها شقيقه و13 سجيناً داخل القسم. 

يقول هيثم: “أخويا والمحبوسين معه في زنزانة (6 قديم) بيموتوا حرفياً من غير ما حد يسمع عنهم أي حاجة، الضرب والاعتداءات ممكن تكون مستمرة لحد دلوقت، محمد صلاح وغيره حياتهم في خطر، كل ما نطلبه أن يعرضوا على النيابة لسماع أقوالهم في القضايا المتهمين بها، وعرضهم على الطب الشرعي”. 

محمد صلاح

حملة تعذيب وتكدير عقاباً لأسر المحبوسين 

محمد صلاح صحافي قبض عليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 من مقهى في منطقة الدقي، برفقة الصحافية سولافة مجدي وحسام الصياد، ووجهت له تهم “الانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها، ونشر أخبار وبيانات كاذبة باستخدام حساب على مواقع التواصل الاجتماعي”، ثم أمرت النيابة بإخلاء سبيله بتدابير احترازية قبل أن يعاد تدويره (اتهامه في قضية أخرى للاستمرار في حبسه) ويواجه الاتهامات ذاتها في قضية جديدة حملت الرقم 855 لسنة 2020، كما اتهمت في القضية ذاتها الصحافية سولافة مجدي وإسراء عبدالفتاح والمحاميين ماهينور المصري وعمرو إمام.

أضاف هيثم، أن الأسرة لم ترَ محمد منذ تعليق الزيارات تنفيذاً للإجراءت الاحترازية لمكافحة فايروس “كورونا”، في آذار/ مارس الماضي، ووصل صلاح إلى قسم شرطة دار السلام في تموز/ يوليو الماضي، لتنفيذ قرار إخلاء سبيله بتدابير احترازية ولم يتم تنفيذه، إذ تم تدويره في القضية 855 لسنة 2020، في آب/ أغسطس.

طيلة ذلك الوقت لم يستطع أفراد الأسرة إدخال سوى بعض المستلزمات البسيطة لمحمد، مرتين أسبوعياً من دون السماح لهم بمقابلته، لذلك تقدمت الأسرة بشكاوى وبلاغات للنائب العام والمجلس القومي لحقوق الإنسان ومجلس الوزراء، فسمح أخيراً بزيارة استثنائية لدقائق، 18 كانون الأول/ ديسمبر الماضي. 

نجاح مساعي الأسرة في رؤية صلاح، دفع عائلات المساجين الآخرين إلى اتباع الأسلوب ذاته، بإرسال شكاوى وبلاغات للتمكن من رؤية ذويهم، الأمر الذي اعتبره قسم الشرطة حملة تستدعي التكدير وسوء المعاملة التي تصاعدت ووصلت إلى الاعتداء البدني، وفقاً لهيثم. 

هاني مهنى في حديثه الاذاعي عن سجنه

سجن فندقي لـ”علية القوم”

تزامناً مع هذه المعاناة الكبيرة التي يلاقيها الصحافي محمد صلاح وأقرانه داخل زنزانة “6 قديم” في قسم شرطة دار السلام، كشف الموسيقار المعروف هاني مهنى خلال لقاء إذاعي في برنامج “حروف الجر” الذي يقدمه الإعلامي وعضو البرلمان الذي انتهت دورته يوسف الحسيني، ظروف السجن التي عاشها بصحبة ابني الرئيس الأسبق حسني مبارك ووزير داخلية مبارك اللواء حبيب العادلي ورجلي الأعمال أحمد عز (أمين التنظيم بالحزب الوطني الحاكم إبان عهد مبارك ومتهم بقضايا تربح وفساد) وهشام طلعت مصطفى الذي كان يمضي فترة عقوبة على ذمة اتهامه بقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، وعدد آخر من ضباط الشرطة السابقين.

قال مهنى: “دخلت طرة لقيت حبيب العادلي وجمال وعلاء مبارك ومجموعة ضباط سابقين، كان مجموعنا 16 شخصاً، كنا قاعدين في مبنيين سعتهما 3000 سجين، لكننا كنا 16 شخصاً فقط، كل الإمكانيات كانت متاحة لينا، هشام طلعت مصطفى كان عامل مسجد عبارة عن صرح مزود بأفخر أنواع الموكيت والمفروشات، رجل الأعمال أحمد عز أسس GYM  وSPA كان فيهم أحدث أنواع الأجهزة، وكان في ترابيزات تنس وبلياردو ووسائل ترفيه تانية”، يتابع مهنى وصف السجن الفندقي الذي عاشه “علية القوم”: “أول ما دخلت السجن، علاء مبارك أحضر لي تلفزيون عبارة عن شاشة، وجمال جابلي ثلاجة، الحاجات دي كانت عندهم بس كانت مهمة بالنسبة ليهم، كنا بنعمل فريقين ونلعب كورة، وكان حبيب العادلي بيحكملنا”.  

إقرأوا أيضاً:

ظروف حجز غير آدمية لسجناء الرأي والسياسيين 

تصريحات مهنى قوبلت بموجة غضب شديدة على السوشيال ميديا، فقد أثارت ذوي سجناء الرأي والسياسيين والمعارضين للنظام الذين يعانون من ظروف الحبس أو الاحتجاز السيئة جداً والتي تزداد سوءاً وتنكيلاً يوماً بعد يوم. سخرية القدر أبت أن تتزامن تصريحات مهنى مع حملة التعذيب والتنكيل التي يلاقيها السجناء السياسيون في قسم دار السلام، ومثلهم الآلاف في مختلف السجون والأقسام بشتى ربوع مصر. 

المحامي الحقوقي ياسر سعد، قال إن السجون وعنابر أقسام الشرطة تعاني من الازدحام الشديد بسبب الكثافة العالية داخل أقسام الشرطة والسجون، ويواجه المسجونون معاناة كبيرة في الجلوس والنوم والحركة، وباتوا يطبقون قاعدة “الشبر والقبضة” وهي المساحة المخصصة لجلوس كل سجين داخل مقر احتجازه، وعند النوم يلجأ المسجونون إلى قاعدة “التستيف” ويقصد بها النوم بشكل معاكس (قدم سجين بجوار وجه آخر) توفيراً للمكان، ويلجأ السجناء في بعض مقار الاحتجاز الضيقة أو التي ترتفع فيها كثافتهم إلى ترتيب ورديات للنوم، حتى لا ينام الجميع في وقت واحد لأن المكان ضيق جداً ولا يسع الجميع.

وأضاف سعد لـ”درج”، أن قضاء الحاجة بمثابة أزمة لكثر من المساجين والمحتجزين بسبب الكثافة العالية، فيضطر السجين إلى حجز دور كي يقضي حاجته وينتظر فترة طويلة حتى يحين دوره، ويلجأ كثيرون إلى استخدام “زجاجة البول” لقضاء حوائجهم داخل “ثلاجة القسم”، أما الاستحمام فهو رفاهية لا يمكن الوصول إليها داخل بعض مقار الاحتجاز.  

“بتحايل على ضابط علشان أدخّل شراب” 

هبة أنيس، زوجة طبيب الأسنان وليد شوقي، المحتجز بتهمة “مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها”، قالت إنها شعرت بغصة كبيرة بعدما سمعت تصريحات هاني المهنى حول أوضع سجن علية القوم، ولم تستكمل سماعها وغرقت في موجة بكاء بعدما تذكرت نفسها وهي تمضي الكثير من الوقت تستعطف أحد الضباط ليسمح بإدخال ربع كيلو رومي إضافي يسد رمق جوع زوجها أو شراب ثقيل يحمي قدميه من برد أرضية السجن.

تضيف هبة لـ”درج”: “كلنا عارفين المميزات الكبيرة اللي بتتوفر للأغنياء والوزراء ورموز النظام السابق في السجون، لكننا مكناش متخيلين إنها بالفجاجة والتمييز الكبير ده، ناس بتقضي فترة حبسها في الجنة وناس بتقضيه في جهنم”.

إقرأوا أيضاً:

إهمال طبي ممنهج بحق سجناء الرأي والحقوقيين والسياسيين 

علاوة على ما سبق، تمارس إدارة السجون في مصر سياسة تعذيب وإهمال طبي ممنهجة بحق السجناء السياسيين وسجناء الرأي والحقوقيين، وتوسعت في حرمانهم من الأدوية وتلقي الرعاية الطبية اللازمة، ووصف تقرير لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” عام 2016، الأوضاع السيئة التي يعيشها السجناء داخل سجن العقرب شديد الحراسة بأنها “حياة القبور”، جاء فيه أن “سلطات سجن العقرب لا تسمح للنزلاء بحيازة الضروريات اللازمة للراحة والنظافة الشخصية، وتشمل الصابون والشامبو والأمشاط ومعجون الأسنان وفرش الأسنان وأدوات الحلاقة والأطباق وأواني تناول الطعام أو حتى أغراض أخرى، مثل الساعات والكتب وأبسطة الصلاة أو الأوراق وأدوات الكتابة. وتحظر الصحف والكتب باستثناء الكتب المدرسية في بعض الحالات”.

وأكدت المنظمة أن الحرمان من الضروريات الأساسية اللازمة للنظافة الشخصية يؤدي إلى بعض الأمراض، مثل الطفح الجلدي وأشكال العدوى الجلدية الأخرى، مع عدم قدرة النزلاء على الاعتناء بنظافتهم الشخصية ومظهرهم المعتاد. كما أن زنازين سجن العقرب لا توجد فيها أسرّة، وينام النزلاء على مصاطب خرسانية منخفضة. وقال ذوو بعض السجناء للمنظمة، إن أقاربهم داخل السجن لم يناموا مطلقاً على أفرشة، ويعتمدون على بطانيتين أو 3 بطانيات توفرها سلطات السجن، أو يستخدمون صناديق كرتونية مطوية.

958 وفاة بسبب الإهمال الطبي داخل السجون 

رصدت منظمة “كومينتي فور جيستس” في تقرير لها 958 حالة وفاة داخل السجون بين تموز 2013 ونهاية تشرين الثاني 2019. وجاءت هذه الوفيات نتيجة الإهمال الطبي في المرتبة الأولى، بـ677 حالة وفاة، أي بنسبة 70.67 في المئة من العدد الإجماليّ. وجاءت الوفاة نتيجة التعذيب في المرتبة الثانية بعدد 136 ضحية، بنسبة 14.2 في المئة. والوفاة نتيجة الادعاءات بوجود حالات الانتحار في المرتبة الثالثة بعدد 65 حالة، بنسبة 6.78 في المئة. والوفاة نتيجة الاكتظاظ وسوء أوضاع الاحتجاز حلّت في المرتبة الرابعة بـ55 ضحية أي 5.74 في المئة. وفي المرتبة الأخيرة بلغ عدد الوفيات نتيجة لأسباب أخرى 25 حالة بنسبة 2.61 في المئة. وبلغ عدد الضحايا من القصر 9 بنسبة 0.94 في المئة. وبلغ عدد الضحايا من الشباب (بين 18 و35 سنة) 220 ضحية بنسبة 23 في المئة. وبلغ عدد الضحايا في الفئة العمرية بين 36 و55 سنة، 300 بنسبة 31 في المئة. وبلغ عدد الضحايا ما فوق الـ56 سنة، 14.41 في المئة بواقع 138 ضحية.

958

حالة وفاة داخل السجون بين تموز 2013 ونهاية تشرين الثاني 2019.

وكان “درج” نشر تحقيقاً في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عنوانه، “شنقاً أو مرضاً.. الموت مصير حتمي لمعارضي النظام المصري” كشف النقاب عن الممارسات غير القانونية التي تمارسها مصلحة السجون بحق سجناء الرأي والسياسيين المعارضين للحكومة، واستعرض الانتهاكات والممارسات غير القانونية المتنوعة، كالإهمال الطبي المتعمد بحق السجناء الذي تسبب في وفاة المئات، والحالة السيئة التي وصلت إليها السجون في مصر، واعتراف رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، محمد فايق، بأنهم “ممنوعون من زيارة بعض السجون ولا يعلمون شيئاً عما يدور داخلها”.

وكشف التحقيق أيضاً أن مسؤولي السجون محصنون من العقاب ولا تتحرك وزارة الداخلية للتحقيق معهم عند وقوع أي حالات وفاة، ويلجأون غالباً إلى تسجيل حالات الوفاة داخل مقار الاحتجاز على أنها ناتجة عن “هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف عضلة القلب”.

بلاغ للنائب العام لنقل الصحافي محمد صلاح من قسم دار السلام 

تحركت أسرة الصحافي محمد صلاح من أجل إنقاذه من حملة التعذيب والتنكيل التي يتعرض لها، وتقدم محامو مؤسسة حرية الفكر والتعبير ببلاغ للنائب العام رقمه 1195 لسنة 2021، نيابة عن صلاح ضد مأمور قسم شرطة دار السلام، مطالبين بنقله من القسم حرصاً على حياته، تضمن الانتهاكات الممنهجة التي تمارس بحقه والتي شملت منع الزيارة عنه، ومنع إدخال الملابس والطعام وأدوات المعيشة، وأيضاً واقعة التعدي عليه داخل القسم، وهي الوقائع التي طالب البلاغ بفتح تحقيق بخصوصها. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني