fbpx

اللبنانيون أمام خيارين : ما تبقى من ودائع أو رفع الدعم

الإشكاليّة الأكبر اليوم تكمن في غياب أي خطة حكوميّة متكاملة وشفافة تهدف إلى توزيع خسائر الانهيار وطريقة التعامل مع كل نواحيه...

منذ أشهر، بدأ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يمهّد لمسألة رفع الدعم عن السلع الأساسيّة، عبر الإعلام وفي المحادثات التي كان يجريها مع فرق العمل الحكوميّة، متذرّعاً باستنفاد السيولة بالعملات الأجنبيّة المتبقية لديه والقابلة للاستخدام، فيما يمثّل ما تبقى من هذه السيولة الاحتياطات الإلزاميّة التي أودعتها المصارف لدى مصرف لبنان، والتي لا يمكن المساس بها. وبذلك، كان الحاكم يحاول وقف الدعم عبر فرض لعبة الابتزاز الموصوف أمام اللبنانيين، مخيّراً إياهم ما بين وقف الدعم وما سينتج عنه من كوارث معيشيّة قاسية، والاستمرار بالدعم على حساب تطيير آخر ما تبقى من دولارات المودعين، والتي تمثّل الاحتياطات الإلزاميّة المودعة في المصرف المركزي. وفي مقابلته الأخيرة مع قناة فرانس 24، أكّد الحاكم هذا الاتجاه، حين تحدّث عن الاتجاه نحو سعر صرف عائم، ما يعني أن مصرف لبنان سيسير قدماً نحو إلغاء آخر أسعار الصرف المدعومة والثابتة، أي أسعار الصرف المعتمدة لدعم استيراد المواد الأساسيّة (القمح والمحروقات والدواء والمواد الغذائيّة المشمولة بالسلة الغذائيّة المدعومة). 

الإشكاليّة الأكبر اليوم تكمن في غياب أي خطة حكوميّة متكاملة وشفافة تهدف إلى توزيع خسائر الانهيار وطريقة التعامل مع كل نواحيه، وهو ما يمكن أن يقود وحده خلال الفترة المقبلة إلى إعادة الانتظام في عمل القطاع المالي واستعادة ودائع اللبنانيين. أما غياب هذه الخطّة اليوم، فيترك الحاكم والمصارف يتعاملون مع عناصر الأزمة بما يتفق مع أولوياتهم

لكن قبل التسليم بمعادلة رفع الدعم أو تطيير ما تبقى من دولارات، ثمّة سؤال أساسي ينبغي التوقّف عنده: كيف طارت دولارات مصرف لبنان منذ حصول الانهيار المالي الكبير في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019؟ فمشروع قانون الكابيتال كونترول، كان بإمكانه وحده ضبط حركة المصارف ومصرف لبنان ومنعها من التحايل للسطو على آخر دولارات المودعين وتهريبها لمصلحة النافذين في القطاع المالي. لكن الإطاحة بمشروع القانون في شهر نيسان/ أبريل 2020، توازت مع انخفاض غير منطقي في مستويات السيولة الموجودة لدى مصرف لبنان، وهو انخفاض لا ينسجم مطلقاً مع حجم السيولة المطلوب لدعم الاستيراد. لذلك، قد يكون من المناسب قبل ابتلاع حديث الحاكم عن وقف الدعم لحماية دولارات المودعين، البحث أولاً عن مصير الدولارات التي تم تبديدها طوال الأشهر الماضية. 

إقرأوا أيضاً:

وفي الوقت نفسه، وقبل التسليم بمعادلة الدعم أو دولارات المودعين أيضاً، ينبغي أن نطرح أسئلة جديّة حول بعض عناصر هذه المعادلة، كمسألة الاحتياطات الإلزاميّة التي “لا يمكن المساس بها”، على خلاف سائر أموال المودعين التي تم تبديدها طوال الفترة الماضية. فالعودة إلى قانون النقد والتسليف، وإلى أصول عمل المصارف المركزيّة وطريقة تصرّفها بإحتياطاتها، تناقض مزاعم الحاكم التي طرحها عبر وسائل الإعلام كبدهيّات لا تمكن مناقشتها، من قبيل عدم قدرته على المساس ببعض عناصر السيولة الموجودة لديه، وتحديداً الأموال المودعة لدى مصرف لبنان كاحتياطات إلزاميّة.

تؤكّد المعطيات الموجودة أن حجم الاحتياطات المتبقية الآن لا يتجاوز حدود الـ17.5 مليار دولار.

11.52 مليار دولار طارت في سنة

وفقاً لأرقام مصرف لبنان، بلغت قيمة الاحتياطات الموجودة بحوزة مصرف لبنان قبيل الانهيار المالي في تشرين الأوّل من عام 2019 نحو 30.98 مليار دولار أميركي، تتوزّع مصادرها بين الاحتياطات الإلزاميّة التي يُفترض أن تودعها المصارف مقابل ودائع عملائها بالعملة الصعبة، والتوظيفات التي قامت بها المصارف طوعاً في مصرف لبنان للاستفادة من فوائد هندساته وشهادات الإيداع. بعد سنة، انخفضت قيمة هذه الاحتياطات إلى نحو 19.46 مليار دولار في تشرين الأول من عام 2020، ما يعني أن مصرف لبنان بدد نحو 11.52 مليار دولار خلال سنة واحدة فقط. مع العلم أن الاستنزاف استمرّ بعد تشرين الأوّل من العام الماضي، إذ تؤكّد المعطيات الموجودة أن حجم الاحتياطات المتبقية الآن لا يتجاوز حدود الـ17.5 مليار دولار.

عمليّاً ثمّة أسئلة كبيرة عن مآل هذه المليارات التي طارت من احتياطات مصرف لبنان. فأرقام الجمارك اللبنانيّة تؤكّد أن مجمل ما تم استيراده من محروقات وقمح وأدوية خلال النصف الأوّل من العام الماضي لم يتجاوز حدود الـ2.12 مليار دولار، أي أن دعم استيراد هذه السلع لا يفترض أن يستنزف أكثر من 4.24 مليار دولار على أساس سنوي. كما تؤكّد أرقام مصرف لبنان أن قيمة الدولارات التي ذهبت لتغطية استيراد السلع الغذائيّة المشمولة بالسلة الغذائيّة لم تتخطَ 420 مليون دولار، منذ بدء مصرف لبنان دعم استيراد هذه السلع. بمعنى آخر، ومن أصل الـ11.52 مليار دولار التي اختفت من الاحتياطات، لم تتجاوز قيمة الدولارات التي ذهبت لدعم الاستيراد أكثر من 4.66 مليار دولار، وهو ما يترك 6.86 مليار دولار من الدولارات التي تم إنفاقها، مجهولة المصير.

حجّة الاحتياطات الإلزاميّة

من أصل الـ17.5 مليار دولار المتبقية في احتياطات المصرف المركزي، يعتبر الحاكم أن هناك نحو الملياري دولار من السيولة التي يمكن استعمالها في المرحلة المقبلة لمتابعة دعم الاستيراد، فيما لا يمكن المساس بما يتبقى من هذه السيولة، لكونها تمثّل الاحتياطات الإلزاميّة التي فُرض على المصارف إيداعها كضمانة مقابل الودائع الموجودة لديها. هذه الحجّة، تفتح ملف حقيقة هذه الاحتياطات الإلزاميّة، ومدى صحّة مزاعم الحاكم حول عدم إمكان المساس بهذه السيولة. مع العلم أن سلامة يوم أصرّ على سداد سندات اليوروبوند في شهر آذار/ مارس الماضي، لوّح بوجود الاحتياطات الماليّة لدى مصرف لبنان وكفايتها، من دون أن يذكر أي شيء بخصوص هذه الاحتياطات التي لا يمكن المس بها.

عمليّاً، لا ينص قانون النقد والتسليف على أي نسبة محددة من الودائع ينبغي إيداعها لدى مصرف لبنان كاحتياطات إلزاميّة في جميع الظروف، بل يترك النص صلاحيّة تحديد هذه النسبة لمصرف لبنان، لا بل يعطيه النص أيضاً صلاحية اعتبار بعض توظيفات المصارف في سندات الخزينة جزءاً من هذه الاحتياطات. وفي الحالات العاديّة، تستخدم المصارف المركزيّة هذا النوع من الصلاحيّات للتحكم بالكتلة النقدية المتوفّرة بحوزة المصارف، فتخفّض نسبة الاحتياطي الإلزامي المفروض على النظام المصرفي أو ترفعها وفقاً للحاجة، ووفقاً لمعدلات السيولة المطلوب ضخّها في الأسواق. بمعنى آخر، وكما يفرض اليوم حاكم مصرف لبنان، على المصارف أن تودع لديه 15 في المئة من الودائع الموجودة لديها بالعملات الأجنبيّة، فبإمكانه تخفيض هذه النسبة أو حتى إلغاؤها كليّاً طالما أن المصلحة العامة تقتضي ذلك. 

يشير الحاكم إلى أن الاحتياطات الإلزاميّة تمثّل اليوم حقوق المودعين التي لا يمكن المس بها. لكن من الناحية العمليّة، تعود جميع الدولارات الموجودة بحوزة مصرف لبنان للمصارف، التي يدين بها للمودعين. وإذا كان المس بالاحتياطي الإلزامي ممنوعاً، لأنّه يعود إلى أصحاب الودائع، فالقاعدة نفسها كان يفترض أن تنطبق على سائر الأموال الموجودة لدى مصرف لبنان، والتي استخدمها طوال الفترة الماضية لتمويل الاستيراد. مع العلم أن قانون النقد والتسليف نفسه لم يفرض على المصرف المركزي أي تمييز بين طريقة استخدام السيولة المتأتية من الاحتياطات الإلزاميّة، والسيولة التي وظّفتها المصارف طوعاً لدى مصرف لبنان. 

باختصار، وإذا أخذنا في الإعتبار هذه الحقائق كلها، يبدو من الواضح أن لجوء الحاكم إلى حجّة الاحتياطي الإلزامي اليوم بالذات، ليس سوى محاولة لفرض حاجز تتوقّف عنده عمليّة تمويل الاستيراد، للتخلّص من هذا العبء من دون أن يتحمّل أي تبعات كبيرة على المستوى الشعبي، خصوصاً أن الحاكم وضع مسألة إيقاف الدعم في مقابل مسألة حقوق المودعين الحسّاسة أيضاً على المستوى الشعبي. مع العلم أن تجربة اللبنانيين مع الحاكم نفسه خلال الأشهر الماضية، وتحديداً في ما يتعلّق بطريقة تبديد الاحتياطات كما ذكرنا، تتناقض مع الحرص الذي يحاول إبداؤه اليوم بما يتعلّق بدولارات المودعين المتبقية لديه. 

إقرأوا أيضاً:

الحاكم يقود المرحلة

أمام هذه الأسئلة المتربطة بملف الاحتياطات الموجودة لدى مصرف لبنان، ومستقبل الدعم الذي يقدمه المصرف للاستيراد، يبدو من الواضح أن مشكلة اللبنانيين الكبرى اليوم هي أن ملف التعامل مع الأزمة بات متروكاً للحاكم بشكل كامل، بغياب أي قرار سياسي أو سلطة تنفيذيّة قادرة على قيادة المرحلة ووضع الحاكم أمام مسؤولياته. فملف تبديد احتياطات مصرف لبنان طوال الفترة الماضية سيبقى أسير الأدراج، طالما أن التدقيق الجنائي مدفون تحت أكوام من المناورات والمكائد السياسيّة، والألاعيب التي تمكّنت من الإطاحة به بشكل متكرر.  أما ملف مستقبل الدعم، وعلى رغم ورش العمل والجلسات الحكوميّة المطولة، فما زلنا نجهل مستقبله، فيما علم اللبنانيين من الحاكم نفسه أن الأمور متجهة إلى تعويم كامل لسعر الصرف وفق برنامج سيتم العمل عليه مع صندوق النقد.

في كل الحالات، يبقى أكيداً أن الإشكاليّة الأكبر اليوم تكمن في غياب أي خطة حكوميّة متكاملة وشفافة تهدف إلى توزيع خسائر الانهيار وطريقة التعامل مع كل نواحيه، وهو ما يمكن أن يقود وحده خلال الفترة المقبلة إلى إعادة الانتظام في عمل القطاع المالي واستعادة ودائع اللبنانيين. أما غياب هذه الخطّة اليوم، فيترك الحاكم والمصارف يتعاملون مع عناصر الأزمة بما يتفق مع أولوياتهم، بمعزل عن تبعات هذه القرارات على المستوى المعيشي والاجتماعي، وبمعزل عن قدرة هذه المعالجات على إعادة الودائع للبنانيين. وبغياب حكومة تمكن مساءلتها بما يتعلّق بكل هذه الأمور، لا يمكن لنا سوى أن ننتظر تصريح الحاكم المقبل، لمعرفة مصير ودائعنا ومستقبل الدعم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سنار حسن – صحافية عراقية
“حاول أحد الزبائن أن يتحرش بي وعندما رفضت وطردته كان صاحب العمل يلومني على خسارة الزبائن، حتى إنه بدأ بتخفيض المرتب إلى أن حاول التحرش بي بشكل مباشر وعندما رفضت، طردني”.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني