fbpx

تحرير كردستان من صدام حسين والثقة معدومة بين الكرد والشيعة

"طالما أنتم تؤكدون أنكم تمثلون الشعب في جنوب العراق ووسطه فماذا يمكنكم أن تفعلوا كي تشمل العمليات العراق كله؟"... ردهم كان غامضاً وكل ما قالوه هو إن شاء الله نتخلص من صدام أولاً، ونحن وإياكم إخوان يمكننا أن نعيش معاً.

الفكرة السائدة أن الانتفاضة الكردية كما الشيعية في الجنوب نشبت بصورة عفوية ولم يكن لـ”لجبهة الكردستانية”، التي كانت تضم سبعة أحزاب كردية في مقدمها الحزبان الرئيسان “الديموقراطي الكردستاني” و”الوطني الكردستاني” والحركة الأشورية الديموقراطية، أي دور فيها. لكن الواقع أن القيادة الكردية بدأت التخطيط لانتفاضة محتملة منذ غزو العراق للكويت. هذه الجبهة تأسست عام 1988 بعدما اتفق زعيما الحزبين الرئيسيين على انهاء الخلافات بينهما والتنسيق مع خمسة أحزاب كردية أخرى للتعاون والكفاح المشترك وتوحيد الهدف واتفقت قياداتها على أن يكون بارزاني وطالباني رئيسين مشتركين للجبهة. لاحقاً أصبح بارزاني مسؤولاً عن العمل العسكري لـ”البيشمركة” وطالباني مسؤولاً عن العلاقات الخارجية. استمرت الجبهة حتى إجراء أول انتخابات كردية خارج سلطة بغداد، عام 1992 وتأسيس برلمان وحكومة ليعلن البرلمان المنتخب المنطقة الكردية إقليماً فيدرالياً في إطار العراق.

“أكَرَكان” (الاحتمالات)

في شباط/ فبراير 1990 طالب صدام حسين الولايات المتحدة الأميركية بسحب سفنها الحربية من الخليج، ودعا إلى تحرير القدس وأتبع ذلك بإعدام مراسل صحيفة “أوبزيرفر” البريطانية في بغداد فرزاد بازوفت بتهمة التجسس، الأمر الذي صعّد من التوتر في المنطقة وسط مخاوف من زعزعة الاستقرار فيها. في ظل هذه التطورات قررت قيادتا حزبي بارزاني وطالباني تقييم الوضع، فشكلتا لهذا الغرض فريقاً ثنائياً من عضو القيادة في “الوطني الكردستاني” فريدون عبد القادر وعضو القيادة في “الديموقراطي الكردستاني” فلك الدين كاكه يي (فرانسوا حريري – صلاح الدين في 26/7/1991). وخشية من أي تسريب أبقت قيادتا الحزبين الأمر طي الكتمان حتى عن شركائهما في الجبهة الكردستانية. كانت مهمة الفريق الثنائي دراسة الاحتمالات وما يجب أن تفعله القيادة الكردية وإمكان أن تكون التطورات لمصلحة الكرد. الفريق درس سيناريوات محتملة والموقف من كل واحد من هذه السيناريوات في إطار ورقة أطلقا عليها تسمية “إذا”، وتداولتها قيادتا الحزبين باسم “أكَرَكان” (أكًر بالكردي تعني إذا وأكًركان جمعها). في النهاية ركز الفريق الثنائي على ثلاثة أسئلة هي وفقاً لحريري: “ماذا سيحدث إذا وقع انقلاب عسكري في بغداد؟ وماذا سيحدث إذا وقع تمرد في الجيش” و”ماذا سيحدث إذا اغتيل صدام حسين”، وبالتالي “ماذا يجب أن يفعل الكرد حيال كل من هذه السيناريوات المحتملة؟”. يضيف فريدون عبد القادر أنه بعدما غزا صدام الكويت واستطاعت الولايات المتحدة حشد قوات للتحالف الدولي بقيادتها وتهديدها بشن حرب على العراق في حال رفض الانسحاب، ركّز الثنائي على سيناريوين: ماذا سيحدث إذا بقي صدام في الكويت ونشبت حرب تتيح الفرصة لبدء انتفاضة؟ وثانياً، ماذا سيحدث إذا انسحب صدام من الكويت وبقي في السلطة، إذ قد يقدم كما أملت القيادة الكردية على إجراء تغييرات أساسها اعتماد التعددية وإجراء انتخابات حرة إلخ؟ لكن الفريق استثنى السيناريو الثاني وركز على الأول (فريدون عبد القادر – أربيل في تموز/ يوليو 1991). القيادي في “الديموقراطي الكردستاني” عبد المهيمن سليمان بارزاني أضاف ان النقاش تناول نحو 100 احتمال قبل أن يستقر على الاحتمالين الأخيرين (عبد المهيمن بارزاني – أربيل 15/7/1993).

التحضير للانتفاضة دخل مرحلة حاسمة بعد غزو الكويت وبدء الحملة الدولية ضد الغزو وتشكيل التحالف الدولي وحشد قوات التحالف في المنطقة لمواجهة الاحتلال العراقي للكويت. المشكلة التي واجهتها القيادة الكردية تمثلت في الضغط الإيراني لحملها على تشكيل “تحالف تاريخي” مع “التيار الاسلامي”. يُشار إلى أن دمشق وطهران دعمتا اتجاهاً لتصنيف الجماعات العراقية المعارضة إلى أربعة “تيارات”: الكردي والقومي والإسلامي (المجلس الأعلى للثورة الاسلامية وحزب الدعوة) والديموقراطي. علماً أن الجماعات العربية الإسلامية كانت ضعيفة وشبه غائبة عن مسرح المعارضة. وبعد اجتماعات طويلة توصلت هذه التيارات إلى تشكيل “لجنة العمل الشعبي”، التي عقدت مؤتمرها الأول في بيروت في آذار/ مارس 1990، وقد حضرته لتغطية وقائعه مندوباً عن جريدة “الحياة”. وبحسب كاكه يي الذي كان يقود فريق “الديوقراطي الكردستاني” في المفاوضات بين الجماعات المعارضة استغرقت النقاشات ثلاثة شهور قبل التوقيع على بيان التشكيل. كان النقاش الرئيسي السفسطائي خلالها يدور حول “هل نبدأ البيان بالبسمله أو بدونها”! والعقدة الأخرى التي أخّرت الاتفاق النهائي تلخصت في إصرار الجماعات العلمانية في مقدمها الطرف الكردي على مبدأ الديموقراطية في العراق، وفي النهاية وافق ممثلو المجلس الأعلى و”حزب الدعوة” مكرهين على أن يضم بيان التأسيس هذا المبدأ. 

الثقة المفقودة بين الكرد والشيعة 

كان الإيرانيون والسوريون يمارسون نفوذهم على حركة المعارضة العراقية التي كان قادتها وأنصارها لاجئين في سوريا، فيما إيران التي كانت تأوي قوات البيشمركة والمقاتلين الإسلاميين التابعين لحزب الدعوة والمجلس الأعلى الذي كان جناحه العسكري “فيلق بدر”، أسسه ودربه الحرس الثوري الايراني من اللاجئين العراقيين الشيعة وعسكريين عراقيين أسرتهم إيران خلال الحرب مع العراق. “فيلق بدر” كان مرتبطاً بالمجلس الإسلامي شكلياً، لكن الواقع أنه كان يتلقى أوامره من الحرس الثوري وكان قادته العراقيون أو كبارهم ضباطاً في الحرس الثوري.

طهران بدأت تضغط على الكرد من أجل تنسيق أي خطط للانتفاضة ضد صدام مع “التيار الإسلامي” والقوات التابعة له. وتحقيقاً لهذا الغرض كانت طهران تستضيف اجتماعات للطرفين لوضع خطط مشتركة للانتفاضة عندما يحين وقتها. لكن الكرد لم يثقوا بالإسلاميين لقناعتهم بأن هؤلاء لم يكونوا قادرين على اتخاذ أي قرار مستقل عن طهران.

عبد المهيمن بارزاني كان عضواً في لجنة مشتركة بين الحزبين الرئيسيين للاتصال بالأحزاب العربية المعارضة لمعرفة استعدادها للقيام بانتفاضة في جنوب العراق، وفي إطار ذلك كان يجري اتصالات مع المجلس الإسلامي في طهران. “في أحد اللقاءات قلنا لهم إنه إذا نشبت الحرب فإن الكرد جاهزون لشن انتفاضة تنتهي بسيطرتنا على المحافظات الكردية الأربع (بما فيها كركوك). وطالما أنتم تؤكدون أنكم تمثلون الشعب في جنوب العراق ووسطه فماذا يمكنكم أن تفعلوا كي تشمل العمليات (ضد النظام) العراق كله؟ وعلى صعيد المستقبل أوضحنا لهم أن هدفنا إقامة نظام ديموقراطي تعددي في العراق فهل توافقون؟ شخصياً قلت إننا لا نريد أن نتخلص من ديكتاتور ارتوى بدماء شعبنا كي يأتي مكانه ديكتاتور ما زال متعطشاً للدم. لكن ردهم كان غامضاً وكل ما قالوه هو إن شاء الله نتخلص من صدام أولاً، ونحن وإياكم إخوان يمكننا أن نعيش معاً. عموماً الحكيم لم يتعاون لا معنا ولا مع الأحزاب العربية العلمانية وكانوا (الإسلاميون) يعتقدون أنهم سيستنسخون الثورة الإسلامية الايرانية في العراق”. (عبد المهيمن بارزاني – أربيل في 15/7/1993). 

بارزاني والحكيم

مسعود بارزاني شارك في اجتماعين بين الوفد المشترك للحزبين الكرديين الرئيسيين ووفد المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة باقر الحكيم. أترك الكلام له: “حضرت اجتماعين مع الحكيم، الأول في طهران في أواخر آب/ أغسطس 1990 والثاني في كرمانشاه في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر – مطلع كانون الأول/ ديسمبر وكان معي نوشيروان (مصطفى). اتفقنا على برنامج تضمن مبادئ عامة. كان يفترض أن نشترك في الجماعات العربية القومية كي تكون حركة تضم ممثلي الشعب العراقي كافة ضد نظام صدام. بدا لي أن الحكيم كان جدياً، لكن لم يحدث أي شيء على أرض الواقع وأعتقد أن إيران كانت السبب، وأتذكر أن الحكيم قال مرة في حضور الإيرانيين إنهم كانوا منشغلين بطارق عزيز وسعدون حمادي (رئيس الوزراء العراقي وقتها). في النهاية عندما نشبت الانتفاضة مضى كل منا في طريقه الخاص مركزا على منطقته. أما الاتصالات اللاحقة مع المجلس الأعلى فمثّلنا فيها فريدون عبد القادر وعبد المهيمن بارزاني” (مسعود بارزاني – صلاح الدين في 17/7/1993). 

ويتفق نيتشيرفان بارزاني مع زعيم حزبه على أن إيران كانت تفرض رأيها على الحكيم الذي “لم ينتهك أي اتفاق معنا منذ بداية العلاقات بين الزعماء الكرد والحكيم في 1986”. ويضيف: “خلال الانتفاضة كنت مسؤولاً عسكرياً في السليمانية فأرسلت نحو 20 برقية إلى الحكيم مستفسراً عما كان يحصل في الجنوب لكنني لم أتلق أي رد منه، لأن الإيرانيين حجبوا وصول رسائلي إليه. وفي انتفاضة الشيعة في الجنوب أزاح الإيرانيون الحكيم جانباً، وأخذوا القرارات بأنفسهم. وعلى رغم أن “فيلق بدر” يفترض أن يكون تابعاً للمجلس الأعلى، لكنه يتلقى أوامره من الحرس الثوري”. (نيتشيرفان بارزاني – صلاح الدين 22/5/1993). أما جلال طالباني فأوضح أن المجلس الإسلامي الأعلى نكث بالاتفاق مع الطرف الكردي: “اتفاقنا مع الحكيم كان يقضي بتحرير العراق بأسره، نحن من كردستان وهم من الجنوب. كان يفترض أن تنطلق قواتهم من منطقة مندلي (شرق محافظة ديالى على الحدود مع إيران وتبعد نحو 100 كيلومتر من بغداد) نحو العاصمة، لكنها بدلاً من ذلك توجهت نحو الجنوب. إلى ذلك اتفقنا على عدم رفع شعارات إسلامية ودولة إسلامية. “في رأيي، الشيعة اعتقدوا أن صدام انتهى لذلك رفعوا شعاراتهم الإسلامية”. (جلال طالباني – أربيل في 21 /7/1993). وزاد نوشيروان مصطفى أن “فيلق بدر ارتكب خطأين كبيرين: تسليم قيادته للايرانيين وارتكابه عمليات القتل الانتقامية وتعيين حاكم عسكري وتشكيل محاكم عرفية وتنفيذ أحكام إعدام فورية، الأمر الذي أثار مخاوف الغرب والسعودية وتركيا والاردن وطبعاً السنة”. (نوشيروان مصطفى – لندن 2/9/1993). وبحسب مصطفى فإن الاتصالات مع المجلس الإسلامي استمرت على أساس أن الحزبين الكرديين الرئيسيين والمجلس الإسلامي “سنتحرك معاً لكن عشية بدء الانتفاضة أبلغونا انهم سيتحركون وحدهم، واعتقد أن إيران طلبت منهم ذلك”.

إقرأوا أيضاً:

بدء الانتفاضة الكردية

يُشار إلى أن انتفاضة الجنوب بدأت بعد يوم واحد من انتهاء حرب الخليج الأولى، فيما كانت فلول الجيش العراقي تنسحب من الكويت إلى البصرة. وما زالت روايات عدة يتداولها العراقيون عن بدايتها وأين وكيف ومن أعلنها. الرواية الأولى التي سمعتها عندما كنت أغطي وقائع مؤتمر المعارضة في بيروت في آذار/ مارس 1991 ونشرتها “الحياة”، كانت نقلاً عن رجل الدين الشيعي المعارض الراحل محمد بحر العلوم. باختصار روى لي بحر العلوم أن ما وصل إليه من جنوب العراق أفاد بأن وحدة عسكرية عراقية بقيادة ضابط شاب بدا على أفرادها الإحباط وانهيار المعنويات توقفت أمام جدارية كبيرة لصدام حسين، وفجأة وجه الضابط بندقيته الآلية نحو الجدارية وأطلق عليها سيلاً من الرصاص فتبعه أفراد الوحدة، الأمر الذي أثار حماسة الغاضبين فانتفضوا ضد السلطات في البصرة ومنها انطلقت الاحتجاجات إلى بقية محافظات الجنوب. عندما وصلت أخبار التحرك الشعبي إلى قوات الجماعات الإسلامية المرابضة على الحدود فوجئت بالأمر فعبرت الحدود فوراً مدعومة من ضباط إيرانيين من دون تخطيط واضح بحسب الزعماء الكرد. 

لكن الخطة الكردية كانت دقيقة وتفصيلية. وإثر بدء العمليات العسكرية أمرت القيادة الكردية مجموعات محددة من كادراتها وعناصر مختارة من “البيشمركة” إلى التسلل إلى كردستان مزودين بأوامر صارمة لقواعد السلوك. القيادة الكردية كانت حساسة تجاه العلاقات مع الجماعات الكردية المسلحة المتعاونة مع النظام الذي كان منح عناصرها وقيادييها صفة “مستشار”، فيما كان الكرد يسمون المتعاونين مع الحكومات العراقية “الجحوش”. لكن القيادة الكردية قررت أن تطوي صفحة الماضي وتسعى إلى مصالحة مع هذه الجماعات، فبدأ قياديون كرد على أعلى مستوى يوجهون عبر أطراف ثلاثة رسائل إلى رؤساء العشائر الكردية و”المستشارين” المتعاونين مع بغداد لفتح صفحة جديدة لتجاوز الماضي والتعاون معاً من أجل القضية الكردية بدلاً من خدمة النظام البعثي. “حتى إذا لم تتعاونوا معنا نطلب منكم عدم مهاجمتنا ولن نهاجمكم لاننا لا نريد ان يقاتل الكرد بعضهم بعضأ (نوشيروان مصطفى – لندن في 2/9/1993). مصطفى يؤكد ايضا انه بحلول شباط 1991 تلقت القيادات الكردية “ردودا ايجابية من نحو 95 في المئة من الذين أمكن إيصال الرسائل اليهم”. إلى ذلك أطلعني حريري على مجموعة من الوثائق المتعلقة بالتخطيط للانتفاضة وتوجيهات القيادة لكادراتها. إحدى هذه الوثائق توجه الكادرات بتشكيل لجان لحفظ القانون والنظام: “لجان حفظ القانون والنظام مسؤولة عن حماية الامن ويمنع منعا باتا إيذاء أي مواطن لأي سبب كان وكل من يخالف هذا الأمر سيعاقب بشدة. يمنع الانتقام واثارة عداوات الماضي وسيعاقب بشدة كل من ينتهك هذا الأمر. من المهم العمل على تحييد الشرطة والجيش وكسبهم إلى جانب الثوار”. (فرانسوا حريري – صلاح الدين في 26/7/1993).

وفقاً لنوشيروان مصطفى وفرانسوا حريري، فإن الكرد قسموا منطقة كردستان إلى 10 قطاعات. وكان حريري يحتفظ بوثيقة تفصيلية في هذا الشأن، أطلعني عليها في مكتبه، لكنه لم يسمح لي بأخذ نسخة منها. كان المخططون أجروا اتصالات مسبقة مع سكان بلدات وقرى في الداخل، أسفرت عن تشكيل عشرات اللجان المحلية لكي تقوم بدور حفظ النظام والأمن مع تحديد اسماء اعضاء اللجان ومسؤوليها وواجباتها. القيادة الكردية حددت العاشر من آذار لانطلاق الانتفاضة انتظارا لتحسن الطقس الربيعي، الذي يجلب معه ذوبان الثلوج وسيولاً تعرقل التحرك في المناطق الجبلية. وعلى رغم أن الشيعة كانوا قرروا المضي منفردين في الجنوب، من دون تنسيق مع الكرد، فإن الشيخ محمد تقي المولى ممثل باقر الحكيم وصل فجأة في 4/3/1991 إلى قرية قاسمَرَش على الحدود الإيرانية، حيث مقر نوشيروان مصطفى الذي كان ينوب عن جلال طالباني الموجود خارج كردستان، ليحث الكرد على التحرك فوراً. كانت جماعة الحكيم تشعر بالقلق لأن القوات العراقية كانت بدأت تتحرك في اتجاه الجنوب، وتعاونت مع بعض فصائل الإسلاميين. لكن الكرد أوضحوا له أنهم يخططون للتحرك بعد أسبوع، بانتظار بتحسن الطقس. 

اضطرابات في مجمعات البعث

في 4/3/1993 نشبت اضطرابات في المجمعات السكنية التي كان النظام البعثي أنشأها منذ السبعينات في أطراف المدن الكردية لإسكان الكرد المرحلين من مناطقهم ووضعهم تحت الرقابة. في اليوم التالي تظاهر سكان مدينة رانية، الواقعة شمال شرقي كردستان والتابعة لمحافظة السليمانية، أمام مقر الأمن العام وهجم عليها مقاتلون تابعون للتشكيلات الكردية المسلحة التي كانت متعاونة حتى ذلك الوقت مع القوات العراقية وتبع ذلك هجوم آخر على مقرات حزب البعث واستخبارات الفرقة 24 للجيش العراقي وانتهت تلك الهجمات باستسلام القوات العراقية وسقوط المدينة بأكملها في أيدي المنتفضين قبل أن تصل قوات البيشمركة (نوشيروان مصطفى – لندن في 2/9/1993). في ضوء هذا التطور تلقت قوات البيشمركة وكوادر الحزبين الرئيسيين الذين كانوا تسللوا إلى كردستان الأوامر بالتحرك من دون تاخير. هكذا اتسع نطاق الانتفاضات الشعبية في جميع المحافظات، تارة قبل وصول البيشمركة وطوراً بمشاركتها أو تحت قيادتها المباشرة. ما حدث بعد ذلك أن مناطق كردستان بأكملها أصبحت في أيدي الكرد، ومن دون أن تبدي القوات العراقية أي مقاومة تذكر مفضلة الاستسلام لـ”البيشمركة”. وبحسب مسعود بارزاني فان نحو 120 ألف عنصر من القوات العراقية استسلموا للبيشمركة. في السليمانية قاد الانتفاضة نوشيروان مصطفى لكن البيشمركة والخلايا المسلحة النائمة واجهوا مقاومة عنيدة في البناية الحصينة للأمن العام لكن المواجهات اسفرت في النهاية عن مقتل المتحصنين البعثيين وأعوانهم. أما أربيل فحررتها قوات البيشمركة إثر هجوم كبير. عموماً، شاركت قوات البيشركة التابعة للأحزاب التي كانت تشكل الجبهة الكردستانية، خصوصاً بيشمركة الحزبين الرئيسيين، في تحرير المحافظات الكردية. وكانت هناك قيادات مشتركة في المعارك وقيادتها والسيطرة على الأمن والنظام فيها. وعلى رغم أن مدناً وبلدات تحررت على أيدي السكان والتشكيلات المسلحة التي كانت تخضع للحكومة العراقية، إلا أن تلك التشكيلات لم تكن قادرة على السيطرة على الأوضاع لافتقادها القدرة على التنظيم وعدم وجود أي تخطيط مسبق لها، على عكس قيادات الجبهة الكردستانية التي كانت تتحرك وفقاً لخطط مسبقة مستفيدة من خبراتها على مدى عقود في التنظيم والإدارة. 

نجح الكرد في السيطرة على المناطق التي يعتبرون أنها تشكل كردستان العراق من دون مقاومة تذكر. لكن الذروة كانت في كركوك التي تعين على قوات البيشمركة التقدم نحوها من جهات عدة، وخوض معارك وسقوط قتلى وجرحى قبل تحريرها ووقوعها تحت سيطرة الكرد للمرة الأولى منذ انطلاق الثورات الكردية. من الجهة الجنوبية، واجهت قوات البيشمركة المتقدمة مقاومة ضارية، لكن المفارقة أنها لم تكن من قبل القوات العراقية بل من قبل مقاتلي التنظيم الإيراني المعارض المتحالف مع بغداد “مجاهدي خلق”، كما يؤكد قياديون وقادة عسكريون للبيشمركة. إلى ذلك دفعت السيطرة الكردية على كركوك رؤساء عشائر عربية سنية على طول نهر دجلة بما فيها محيط بغداد وكركوك وديالى إلى الاتصال بالقيادة الكردية، عارضين عليها التعاون ضد النظام البعثي لكن بشروط. في الأثناء، شهدت جنيف اتصالات بين قيادات كردية وبرزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام حسين الذي كان يشغل منصب الممثل الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة هناك، لعرض إجراء مفاوضات مع بغداد. وهي قصة غريبة عن دور محتمل أبدى برزان استعداده للقيام به من أجل تحقيق مطالب الكرد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني