fbpx

“إذا صار في حرب، منترك البلد؟”

تركنا البلد منذ ما يقارب الثلاثة أشهر، التحقنا بجزء من أصحابنا السوريين الذين جمعتنا بهم بيروت. محظوظون بأن "الموت ضلّ الطريق إلينا"، ومحظوظون بأننا استطعنا الإيفاء بوعدنا لابننا.

بدأ ابني يطرح هذا السؤال عام 2013، أي عندما دخل إلى حياتنا وقلوبنا ويومياتنا سوريون وسوريات تركوا بلدهم وسكنوا في بيروت قبل أن يغادروها لصعوبة البقاء فيها. عرف وقتها أنهم أُجبروا على مغادرة بيوتهم وحيواتهم في سوريا بسبب حرب النظام عليهم.  

صار يتكرّر هذا السؤال بين فترة وأخرى.

 في نهاية كل حديث بيننا عن طفولتنا، والده وأنا، وذكرياتنا مع الحرب الأهلية، يسأله.

كان يريد أن يعرف إذا كنا نخاف وقت القصف والاشتباكات، إذا كنا نبكي، إذا رأينا أحداً جريحاً أو ميتاً أمامنا. يسألنا عن أصوات الحرب وما إذا كان البيت يهتزّ بنا.

“ما بدّي عيش الحرب.

-ما حدا بالعالم لازم يعيش الحرب.

-إذا رجع صار في حرب، منترك البلد؟

-انشالله ما بصير.

-بس إذا صار، منترك البلد؟

– إيه”. 

بعد كل خضّة سياسية أو أمنية تحصل في البلد ويرى تأثيرها فينا، أو بعد انتهاء جولات إطلاق النار التي كانت تسبق خطابات حسن نصرالله وتلحقها أو التي كانت ترافق نتائج البروفيه أو أحداثاً متفرقة أخرى، يكرر ذاك السؤال مجدداً.

7 أيار/ مايو   

الحرب حاضرة عنده وعندنا، لأنها فعلياً لم تنته يوماً. 

 كنت في أشهر حبلي الأولى خلال أحداث 7 أيار 2008، في أشهر التكوين، عندما نزل مسلحون من “حزب الله” وحلفائه إلى شوارع بيروت وبعض مناطق الجبل؛ روّعوا السكّان، أطلقوا النار، أحرقوا مباني وقتلوا ما يقارب الـسبعين شخصاً.  

كنت وقتها أزور نيويورك للمرة الأولى، أمشي في الـTimes square الشهير المُبهر، وعلى إحدى شاشات الشارع العملاقة الملوّنة أقرأ الأخبار الآتية من شوارع بيروت، وفيها أعداد القتلى والجرحى. 

مشهد من فيلم رعب. أخبار الموت أتت ملوّنه ومشعّة، على إيقاع شارع صاخب، سريعة حركته كلحظة خطف الموت لمن نحبّ. عندما اتّصلت بأهلي للاطمئنان عليهم، صوت الرصاص في الخلفية طغى على صوتهم.

بيروت – 7 أيار/ مايو 2008

عدت إلى بيروت بعد انتهاء الحرب الصغيرة بعدّة أيام، أفكّر في فكرة الإنجاب وتربية أولاد في بلد كهذا. 

الناس والأصحاب وقتذاك كانوا يلملمون أجزاءهم ويستعيدون أنفاسهم. كثر تركوا بيوتهم ونزحوا إلى مناطق أخرى في بيروت.

عادت الحياة بعد فترة قصيرة إلى “طبيعتها”، تناسينا ما حصل كما جرت العادة. من مات، راحت عليه، ومن فقد شخصاً عزيزاً، سيعيش مع الفقدان ما تبقى له من أيام. 

4 أب/ أغسطس

كنت أنا وابني وشاندرا في المنزل. 

شاندرا هي عاملة منزلية نعرفها منذ أكثر من 17 سنة. اسمها الحقيقي أسوكا، لكن أصحاب العمل الذين سكنت عندهم عند وصولها إلى لبنان قرّروا تغيير اسمها كي لا يتغيّر شيء على أولادهم، إذ إن العاملة الأولى التي كانت تعمل عندهم كان اسمها شاندرا. 

بقي معها هذا الاسم، صارت أسوكا المعروفة بشاندرا. 

شاندرا كانت في منزلنا يوم اغتيال رفيق الحريري، ويوم اغتيال سمير قصير، وكانت أيضاً وقت تفجير مرفأ بيروت. 

يومها، كنت أتكلّم مع صديقتي على التلفون، من صالون بيتنا المطلّ رأيت دخاناً يتصاعد، قلت لها إن هناك حريقاً على ما يبدو، وبعدها بلحظات، قامت القيامة. 

بعدما هدأت الزوبعة، قلت لابني وأنا أحضنه: “هيدا يللي ما كان بدي تعيشو بحياتك”. أجابني: “رح نترك البلد”. 

أخذ القرار عنّا. ما كنا نقوله له نظرياً عن أن روايتنا مع الحرب لن تتكرّر معه وأننا سنترك البلد في حال عادت الحرب ولو بأشكال أخرى، أصبح واقعاً.

شنّ النظام حرباً على شعبه. ومن جديد، من مات، راحت عليه، ومن فقد شخصاً عزيزاً، سيعيش مع الفقدان ما تبقى له من أيام. “فينا نقول عنهم قضاء وقدر” صرّح أحدهم، إلاّ أن جائزة سنوية ستخصّص لذكراهم، صرّحت إحداهن.

تركنا البلد منذ ما يقارب الثلاثة أشهر، التحقنا بجزء من أصحابنا السوريين الذين جمعتنا بهم بيروت. 

محظوظون بأن “الموت ضلّ الطريق إلينا”، ومحظوظون بأننا استطعنا الإيفاء بوعدنا لابننا. 

هذه أطول مدّة أمضيها بعيداً من بيروت وبحرها، الذي، حتى ولو لوّثوه وحتى ولو مُنعنا من الاستمتاع به، يبقى لنا مداه وتدرّج ازرقاقه وأمواجه، وهي أطول مدّة أمضيها بعيداً من أهلي وأصدقائي ومساحات الفرح والأمل والأمان والدفء التي تكوّنت في هذه المدينة، على رغم كل شيء وكنت أملك الدنيا عندما كنت فيها.

أستعيد أحاديث دارت مع أصدقاء سبقونا إلى الانتقال: كلهم دون استثناء يُجيبون على سؤال: “كيفكن؟”، بـ”الولاد مناح”.

يسأل ابني معلّمته في مدرسته الجديدة التي تتبع نظاماً تعليمياً بديلاً، إذا كان بإمكانه الدخول إلى الحمام. تُجيبه بأن من حقّه دخول الحمّام لحظة شعوره بالحاجة من دون الاستئذان لأن لا أحد يمكنه أن يمنعه من ذلك أو أن يحدّد عنه متى الوقت المناسب.

في المدرسة أيضاً، يتشارك التلامذة تحضير وجبات الأكل وينتظرون بعضهم ليأكلوا ومن ثم يقومون بتنظيف الطاولة وجلي الصحون قبل أن يعودوا إلى الدرس. 

هكذا تكون الحرية والمواطنة والمساواة، ممارسة يومية وليست تنظيراً وكتباً بالية وعلكاً وتفاهة كما مواد المنهج اللبناني الذي يشبه بتهالكه وتآكله مؤسسات الدولة.

وهكذا أنضم الى لائحة الأصدقاء عندما أُسأل: “كيفك؟”، يكون الجواب: “إبني منيح” وأنا Parallel، مستعيدة تعبيراً لعايدة صبرا، جارتي في بيروت التي أصبحت في كندا، استعملته في مسرحية لها وأصبح محطّ كلام عندنا. 

Parallel لأنني ممتنّة ومحظوظة وابني “منيح”، وفي الوقت ذاته، في القلب، مع الأمل الذي يسكُنني دائماً، حسرة وحزن و”شوق لا يُسكن باللقاء”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
علم “درج” من أكثر من مصدر أن المسار القضائي لا يقتصر على سويسرا وأن قضايا مماثلة بدأت في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
Play Video
كم امرأة سقطت بجريمة قتل عنف أسري؟ كم امرأة باقية بالغصب لأنو القوانين كلها ضدها؟ كم امرأة محرومة من ولادها؟ كم فتاة تم تزويجها وهيي بعدها قاصر؟ قديش بعد بدنا نعد ضحايا ومظالم حتى نقتنع انو #صار_بدا_قانون_موحد_للأحوال_الشخصية بيساوي بين الجميع

2:59

Play Video
يستقبل اليمنيون الموجة الثانية من “كوفيد- 19” في ظل ضعف البنية التحتية للمنشآت الصحية وقصور كبير في توفير الطواقم والأجهزة الطبية اللازمة لمواجهة الفايروس.

02:01

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني