fbpx

إيران تستعيض عن الانتقام لقاسم سليماني بمجسمات له …

النظام، لم يخصص عبثا، ميزانية مالية ضخمة، لاستحضار سليماني من غيابه واستعادة حضوره بهذه الكثافة، فالرجل ترك فراغا هائلا خلفه، خصوصا في مشاريعه العابرة للحدود...

مرّ عام على استهداف قائد فيلق القدس في تنظيم الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، بغارة صاروخية أميركية، بالقرب من مطار بغداد، وما زال النظام الإيراني حتى الآن، عاجزا عن تحديد زمان ومكان لتنفيذ “الانتقام الشديد”، الذي وعد به، مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي، بعد ساعات من الحادثة. كما لم تتضح أيضا، الأدوات والأساليب المحتمل استخدامها لترجمة التهديدات التهويلية، التي تلوكها ألسن المسؤولين الإيرانيين.

مما لا شك فيه أنه في هذا العام، انتكست البنية الأمنية للنظام الإيراني، وتضرر نفوذه العسكري والسياسي في المنطقة، كما واجه حضوره في العراق وسوريا تحديدا، تحديات مصيرية خطرة، من جملتها، فلتان الغارات الإسرائيلية على مواقع الحرس في سوريا وانتخاب مصطفى الكاظمي رئيسا للحكومة العراقية.

كيف تعامل النظام الإيراني مع هذه الانتكاسة الاستراتيجية، منذ لحظة وقوعها حتى حلول ذكراها السنوية الأولى؟ كيف انتقم وأين وممن؟ ما التهديدات التي نفذها؟ وما تلك التي ما زالت تنتظر ساعة الصفر؟

من صور سليماني في العراق

في الساعات الأولى لوقوع الحادثة، ازدحمت وسائل الإعلام الإيرانية ببيانات التعزية، الموجهة تراتبياً، بحسب التقليد المذهبي في إيران، إلى صاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر أولا، فمرشد الجمهورية فالشعب الإيراني والأمة الإسلامية، ثم من يليهم رتبة وأهمية، وانهالت عبارات التهديد والوعيد، على الولايات المتحدة الأميركية حصراً، وترواحت ما بين النبرة العالية والمتواضعة، بحسب موقع المعزّي وحجمه.

تبعا للبرتوكول المعتمد، كان من الطبيعي أن يفتتح المرشد بازار التهديد، مطلقا عبارة “الانتقام الشديد”، من دون أن يسمّي الجهة التي ستكون هدفا للانتقام، وتلقف المسؤولون الإيرانيون، هذه العبارة، وجعلوها محطة كلامية، في كل ما أطلقوه من وعود انتقامية، مضيفين إليها تهديدات صريحة ومباشرة للولايات المتحدة. 

لنبدأ من عند رئيس الجمهورية حسن روحاني، الذي قال في بيان: “لا شك أن الشعب الإيراني العظيم والشعوب الحرة في المنطقة، ستنتقم من الولايات المتحدة، التي ارتكبت هذه الجريمة المروعة”، في حين وصف القائد العام للحرس الثوري الجنرال حسين سلامي “ما أقدمت عليه أميركا خطأ كبير للغاية”، وزير الخارجية محمد جواد ظريف، غرد على موقع “تويتر” قائلا: “على الولايات المتحدة الأميركية، أن تتحمل كل تبعات مغامرتها المارقة”.

صور سليماني في غزة

وزير الدفاع أمير حاتمي بدوره قال: “مرة أخرى يلطخ المجرم الأميركي المتعطش للدماء يديه، بدماء رجل عظيم من رجال الله، بهجوم وحشي إرهابي”، وأعلن رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أنه “على الولايات المتحدة المجرمة أن تعلم، أن انتقام الشعب الإيراني سيكون مزلزلا”، فيما أكد رئيس المجلس السابق علي لاريجاني: “لتعلم الإدارة الأميركية الشريرة، أن الشعب الإيراني لا ينسى دماء شهدائه الأبطال”، وأشار مستشار المرشد للعلاقات الدولية علي أكبر ولايتي إلى أن: “الأميركيين ومرتزقتهم سيدفعون أثمانا باهظة، جراء هذه الجريمة الإرهابية”، وأعلن سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني في كلمة ألقاها، بالتزامن مع تشييع جنازة سليماني، أن طهران “أعدت 13 سيناريو للانتقام من قاتليه، وأضعف سيناريو منها، سيكون كابوسا تاريخيا للولايات المتحدة”.

ليس بمقدور النظام الإيراني تنفيذ أي خطة انتقام، فلا يمكن القضاء على الوجود الأميركي في المنطقة ولا إزالة إسرائيل من الوجود، بغزوات انتقامية استعراضية، هذا الأمر يحتاج إلى حرب شاملة، وهذا النظام أجبن من أن يشن حربا على أحد، أو أن يغتال شخصية معادية بحجم سليماني، لكنه وحلفاءه في المنطقة سيكونون على أهبة الاستعداد لقتل وأذية وإذلال كل من يسيء لذكرى سليماني بكلمة،

في اليوم التالي، استهدفت الصواريخ الإيرانية، قاعدة عين الأسد العسكرية الأميركية في محافظة الأنبار العراقية، فيما أكد البنتاغون استهداف قاعدتين عسكريتين في العراق بالصواريخ الإيرانية، القاعدة الثانية المستهدفة، تقع بالقرب من مطار أربيل في أراضي كردستان.

الرد العسكري حقق أول هدف في خطة الانتقام، إلا أن النظام يسعى إلى “الانتقام الشديد”، الذي لن يتحقق إلا بإخراج الأميركيين من المنطقة، كما أكدت تصريحات المسؤولين الإيرانيين، التي عادت واندلعت، على وقع الصواريخ، ويختصر ظريف هذا التوجه، بقوله: “ردت جمهورية إيران الإسلامية بشكل مناسب، لكن الهدف الرئيسي هو انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة”.

إقرأوا أيضاً:

بعد هذه الجرعة الزائدة من مشاعر البطولة والشجاعة، هدأت التصريحات واختفت التهديدات، وبدأ التوظيف السياسي لخطة الانتقام الشديد، فانضمت مظاهر وعناوين سياسية إلى لائحة الخطة، مثل: إحياء ذكرى انتصار الثورة في 11 شباط/فبراير، المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة في حزيران/يونيو، مراسم التشييع المليوني الذي شهدته جنازة سليماني في العراق وإيران، إقامة سلسلة بشرية في مدينة مشهد تحية لسليماني، المواظبة على صلاة الجمعة، سجن المعارضين، إعدام الصحافيين والمعتقلين السياسيين، اعتقال المواطنين مزدوجي الجنسية، إضافة إلى استخدام كل منصات الإعلام والإعلان والفنون بكل أشكالها.

فشلت كل محاولات تلميع صورة القائد الجديد لفيلق القدس الجنرال اسماعيل قاآني، إذ إنه يفتقد أدنى المقومات الكارزماتية، التي كان يتمتع بها المغدور، هكذا شخصيات لا تتكرر مرتين في التاريخ، ستالين لا يتكرر، هتلر لا يتكرر، شارون لا يتكرر، موسوليني لا يتكرر ومثلهم سليماني، لذلك قرر النظام تطويبه ورفعه إلى منزلة القداسة

شخصيات محافظة أطلقت على كلام المرشد عبارة “الوعد الصادق”، فيما أكد آخرون أن إيران ستحارب حتى خروج آخر جندي أميركي من المنطقة، وسيتم إخراجهم بشكل أفقي بالطبع، لكن كيف سيطرد المرشد “أميركا” من المنطقة؟ الخطة ولدت، وطلائعها بدأت بالظهور في الجمهورية والعواصم العربية الأربعة التي تسيطر، برغم أنها شديدة السرية، فقضاء الحوائج لا يتم إلا بالكتمان.

أبرز هذه الطلائع، التصعيد الإعلاناتي الذي تشهده شوارع المدن الإيرانية، التي امتلأت بصور عملاقة لسليماني، وبملصقات ولافتات تستعيد أقوال “رجل الميدان”، وتم رفع الستار عن جدارية ضخمة له، في ميدان ولي عصر وسط طهران، كما ظهرت في الأسواق تسجيلات ومقاطع فيديو عن أهم المعارك، التي قادها في سوريا والعراق وفي لبنان، إضافة إلى ألعاب فيديو ومجلات للأطفال تحوي صورا وألغازا عنه، كذلك، تم نصب تماثيل “مثيرة للإشمئزاز” له، على حد وصف مساعد الشؤون الفنية في وزارة الثقافة الإيرانية سيد مجتبى حسيني، في عدد كبير من المدن الإيرانية، وكلها تشي بافتقار مصمميها إلى الموهبة، وقد أثارت موجة من السخرية والانتقاد على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعا نشطاء إيرانيون، دولتهم إلى الاهتمام بمعاهد الفنون وبجودة التعليم ورعاية المواهب الحقيقية، بدل تسليح المليشيات، قبل فوات الأوان، لإن البلاد مقبلة على كارثة إنسانية، في مجالات الثقافة والفنون والموسيقى والتعليم، إذا ظلت مغلقة على أيديولوجية النظام.

عربيا، احتلت صور سليماني مع رفيقه أبو مهدي المهندس، الفضاءات العامة في ضاحية بيروت الجنوبية (ساحل المتن الجنوبي سابقا) ومناطق الجنوب والبقاع وبعض أحياء بيروت، كذلك الأمر في العاصمة العراقية بغداد ومدن كربلاء والنجف والبصرة وغيرها، إضافة إلى قطاع غزة والعاصمة اليمنية صنعاء، وأحياء في دمشق ومدن سورية أخرى، وحظيت منطقة الغبيري في الضاحية، بتمثال “مثير للعصبيات” له، كاد أن يتسبب بإشعال وقود الحرب المناطقية، وقد أثار بدوره موجة مماثلة من التهكم والاستنكار، على مواقع التواصل الاجتماعي.

برأيي صديقي الإيراني الذي يمدني دوما بتفاصيل الأحداث والوقائع في بلاده، أن النظام، لم يخصص عبثا، ميزانية مالية ضخمة، لاستحضار سليماني من غيابه واستعادة حضوره بهذه الكثافة، فالرجل ترك فراغا هائلا خلفه، خصوصا في مشاريعه العابرة للحدود، ولا يمكن لأي شخصية ديبلوماسية ولا أمنية ولا عسكرية أن تعوضه، وقد فشلت كل محاولات تلميع صورة القائد الجديد لفيلق القدس الجنرال اسماعيل قاآني، إذ إنه يفتقد أدنى المقومات الكارزماتية، التي كان يتمتع بها المغدور، هكذا شخصيات لا تتكرر مرتين في التاريخ، ستالين لا يتكرر، هتلر لا يتكرر، شارون لا يتكرر، موسوليني لا يتكرر ومثلهم سليماني، لذلك قرر النظام تطويبه ورفعه إلى منزلة القداسة وتحويله إلى أيقونة جهادية ودينية وسياسية، تستحوذ على كل صفات القائد الملهم والشجاع والمحنك، الذي روع الأعداء وسطر الانتصارات، وتتضمن في الوقت ذاته كل معاني التضحية والإيثار والفداء وصولا إلى الشهادة، وهذه الأخيرة، تخاطب مباشرة عاطفة الإنسان الشيعي وتذكره بتراثه الحسيني الثوري وتحرضه على تأبيد الثأر عبر الأجيال والقرون.

وبرأيه أيضا، أنه ليس بمقدور النظام الإيراني تنفيذ أي خطة انتقام، فلا يمكن القضاء على الوجود الأميركي في المنطقة ولا إزالة إسرائيل من الوجود، بغزوات انتقامية استعراضية، هذا الأمر يحتاج إلى حرب شاملة، وهذا النظام أجبن من أن يشن حربا على أحد، أو أن يغتال شخصية معادية بحجم سليماني، لكنه وحلفاءه في المنطقة سيكونون على أهبة الاستعداد لقتل وأذية وإذلال كل من يسيء لذكرى سليماني بكلمة، أنظري ماذا فعل مرتزقته بصورة صفاء السراي في ساحة التحرير في بغداد!

إلى هنا، واستأذن صديقي الإيراني مستعجلا، ليلتحق بصف بيع البيض المدعوم، فالحكومة تؤمن كرتونة البيض بخمسين ألف تومان، تخيلي، قال لي، خمسين ألف تومان، كي لا يضطر إلى شرائها من السوق السوداء، بمبلغ يفوق سعرها أضعافا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
إنها اللحظة التي لطالما كابدها الفلسطينيون طوال مسار مأساتهم مع الاحتلال، ومع موظفي قضيتهم على طاولات مفاوضات لا تمت لمصالحهم ولظلامتهم مع المستوطنين بصلة.
Play Video
مشهدية هجوم مستوطنين على منازل فلسطينيين والاعتداء عليهم في مخطط لإجلائهم وتغيير وجه القدس الديمغرافي، جعلت شخصيات عامة داخل إسرائيل وخارجها تنتقد إسرائيل علناً…

1:36

Play Video
مع تأخر موسم الشتاء وتراجع كمية المتساقطات، هل دخل لبنان نفق التصحر؟ كيف تتأثر القطاعات الزراعية والسياحية بذلك؟ وما هي الحلول؟

6:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني