العراقيون أكثر الشعوب حزناً: “خطّار عنا الفرح…”

الحزن ليس طارئاً على العراق، بل رافق العراقيين على مدى التاريخ.

يستيقظ محمد صالح صباح كل يوم منذ الرابعة فجراً متحمّلاً البرد القارس ليبدأ يوم عمله الطويل، وهو سائق عربة أو الـ”ستوتة”، التي تستخدم لنقل البضائع من المحال التجارية أو لنقل الأشخاص من مكان إلى آخر داخل الأحياء السكنية التي يصعب على السيارة التنقل فيها. يضع على وجهه لثاماً سميكاً يقيه الهواء البارد ورداءً كبيراً يلتحف به ساعة اشتداد البرد.

يقول محمد إنه يعمل من الفجر وحتى الرابعة عصراً، وقد يبقى في العمل أكثر من ذلك حتى يوفر دخل عائلته اليومي الذي لا يتجاوز معدّله 18 دولاراً أميركياً، وهو مبلغ بالكاد يكفيهم لتأمين الطعام والشراب والخدمات. يعيش محمد حزناً وقلقاً شديدين بسبب حالة والدته الصحية التي ترقد في الفراش منذ فترة، بسبب عجز في الكليتين وهي بحاجة دائمة إلى علاج ومتابعة من قبل الأطباء، الأمر الذي يكلفه شهرياً ما لا يقل عن 400 ألف دينار (290 دولاراً أميركياً)،  فضلاً عن إعالته لثلاث شقيقات ما زلن في المدرسة، من دون احتساب بدل إيجار المنزل الشهري البالغ 275 ألف دينار (200 دولار)، ما أدخل محمد في دوامة من التفكير الدائم الذي غالباً ما يمنعه من النوم.

محمد واحد من آلاف العاطلين من العمل في العراق من حملة الشهادات الجامعية التي لا يستفيدون منها، إذ أجبرتهم الظروف على العمل في تخصصات ومهن بعيدة من دراستهم الأكاديمية، والمحظوظون منهم ينالون مساعدة شهرية من دائرة الرعاية الاجتماعية بقيمة 100 الف دينار (70 دولاراً) .

42%

من السكان في العراق هم من الفئات الهشّة

يبلغ عدد سكان العراق بحسب تقدير للجهاز المركزي للإحصاء العراقي قرابة الـ40 مليون نسمة. وكشفت بعثة الأمم المتحدة في العراق أخيراً عن تقييم أصدرته وزارة التخطيط العراقية بتنظيم ودعم من اليونسيف والبنك الدولي ومبادرة اكسفورد للفقر والتنمية البشرية، أن “42 في المئة من السكان في العراق هم من الفئات الهشّة التي تواجه مخاطر الحرمان ونقص التعليم والرعاية والصحة فضلاً عن انعدام الأمن المالي”. ويشير التقييم الأممي أيضاً إلى أن طفلاً واحداً من بين كل طفلين معرض للحرمان وخطر فقد التعليم ونقص مصادر المياه الصالحة للشرب.

وتصدّر العراق بلدان العالم كأكثر بلد لا يشعر مواطنوه بالرضا عن واقعهم المعاش، بحسب نتائج استطلاع أجرته مؤسسة “غالوب” (‏Gallup‏) الأميركية خاص بقياس مستوى الشعور بالرضا، ويتضمن 5 مؤشرات هي التوتر والغضب والحزن والقلق والضغط النفسي، وشمل الاستطلاع  145 دولة ‏شارك فيه أكثر من 175 ألف شخص من البالغين أثبت أن أكثر من 10 شعوب في العالم يشعرون بالتوتر والحزن.

والحزن ليس طارئاً على العراق، بل رافق العراقيين على مدى التاريخ، وشهد العراق مآسي وحروباً وصراعات منذ ما قبل الإسلام إلى يومنا هذا، ويحضر الحزن كطقس ديني لدى فئات من العراقيين، وهو ما انسحب إلى الشعر وخصوصاً ما يسمى “الابوذية” وهو لون من ألوان الشعر الحزين، وعادة ما يشدو به المغنون والمنشدون في مطلع الغناء.

لكن الحزن العراقي الحالي ليس نغماً وحسب. بل هو متأت من واقع مرير يعيشه العراقيون في السنوات الأخيرة على مستويات عدة، وكان عام 2020 أكثر الأعوام جلداً للعراقيين بسوط الحزن. 

عضوة مجلس مفوضية حقوق الإنسان في العراق فاتن الحلفي تؤكد أن ملف العنف الأسري من الملفات المهمة التي أثّرت هذا العام في صحة العراقيين النفسية، وتحديداً خلال فترة جائحة “كورونا” والحجر، إذ انعكست ظروف الوباء بشكل سلبي على الواقع الأسري في العراق ووقع الثقل الأكبر من الأزمة على كاهل النساء اللواتي تعرضت كثيرات منهن للتعنيف الأسري من أزواجهن أو آبائهن أو أشقائهن.

وسجلت مديرية حماية الأسرة والطفل في وزارة الداخلية 15 ألف حالة عنف أسري منها 9 آلاف حالة اعتداء من الزوج على زوجته بحسب تصريح صحافي لمسؤول المديرية العميد علي محمد سالم، فيما سجل مجلس القضاء الأعلى بحسب إحصائيته الأخيرة بلوغ حالات الطلاق في شهر تشرين الثاني/ نوفمر 2020، 8245 حالة منها 5965 حالة تصديق لطلاق تم خارج المحكمة فيما كان هناك 2280 حالة طلاق بأمر قضائي.

في ظلّ ظروف نفسية متوترة، وضغط اقتصادي وقمع سياسي وتمييز جندري، ارتفعت معدلات القتل الجنائي بشكل لافت عام 2020 بحسب مفتش عام وزارة الداخلية السابق جمال الأسدي، الذي نشر أرقاماً عبر صفحته على “فايسبوك”، تشير إلى تسجيل 4700 حالة قتل جنائي عام 2020 بعدما كان الرقم 4180 عام 2019، أي بزيادة تصل إلى 520 جريمة قتل إضافية في العام المنصرم.

المتخصص في الطب النفسي الدكتور ابراهيم صفاء الصائغ لا يستبعد وجود أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية لتصدّر العراق استطلاع “غالوب”، فالمواطن يشعر بالتوتر والحزن والقلق إذا تعرض للتهجير أو النزوح من سكنه بسبب الحروب أو النزاعات المسلحة أو مشكلات اخرى تعرّضه لحالة من الاكتئاب لا القلق فقط. ويرى الصائغ أن عدم استقرار أسعار البضائع الاستهلاكية وتذبذب المداخيل الشهرية كان لهما دور كبير في رفع نسب القلق والتوتر وهذا ما يقود الإنسان إلى أمراض نفسية وجسدية”.

فالعراق يمر الآن بوضع هش نتيجة هبوط أسعار النفط وتفشي جائحة “كورونا”. وهو ما فرض، بحسب تقرير للبنك الدولي، ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة على العراق، إضافة إلى الوضع السياسي الهش وضعف نظام الرعاية الصحية وشبكات الأمن الاجتماعي غير الفعالة والفساد المستشري فيه. وتوقع البنك الدولي أن ينكمش مستوى النمو الاقتصادي في العراق للعام الحالي بنسبة 9.5 في المئة، واصفاً إياه بالأسوأ منذ عام 2003.

هذه الظروف السياسية والاقتصادية السيئة دفعت بالشباب العراقي للخروج في تظاهرات مطلبية انطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ولا تزال مستمرة، وسقط فيها مئات القتلى والجرحى. 

مجيد الموسوي شاب يحمل شهادة الدكتوراه في الجغرافيا الطبيعية يعمل في حدادة السيارات لعدم حصوله على فرصة عمل في المؤسسات الرسمية في مجال اختصاصه، على رغم أنه يلقي محاضرات في جامعة ذي قار بصفة محاضر منذ 7 سنوات، لكن ما يجنيه من المحاضرات لا يؤمن له حياة كريمة، فيضطر إلى العمل في حدادة السيارات.

وزير العمل والشؤون الاجتماعية العراقي عادل الركابي أكد في مؤتمر صحافي أن هناك 10 آلاف عاطل من العمل من حملة الشهادات العليا، بينهم 8 آلاف من حملة الماجستير وألفان من حملة الدكتوراه مسجلون في قاعدة بيانات الوزارة كعاطلين من العمل واصفاً هذا الامر بالـ”لمأساة”.

وتوقع البنك الدولي أن يكون تحسن الواقع الاقتصادي العراقي مرهوناً بتحسن أسواق النفط العالمية وقد يبدأ معدل النمو الاقتصادي بالارتفاع تدريجاً ليبلغ  ما بين 2 إلى 7.3 في المئة بين عامي 2021 و2022 مع توقُّع تعافي الاقتصاد غير النفطي ليبلغ  في المتوسط 4 في المئة.

وبحسب مراقبين فإن الواقع على الأرض يختلف عن توقعات البنك الدولي، لا سيما أن العراق مثقل بالديون الخارجية التي بلغت 120 مليار دولار موزعة ما بين قروض نادي باريس واقتراض من صندوق النقد الدولي فضلاً عن الاقتراض الداخلي والذي يلزم العراق بدفع ما يقدر بـ5 تريليونات دينار لسداد الديون الداخلية و6.4 مليار دولار واجبة الدفع للديون الخارجية، وعلى هذا المنوال لا يمكن أن يشهد الاقتصاد العراقي أي انتعاش قريب إلا في حال عودة أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع إلى ما نحو 70 دولاراً للبرميل الواحد وهو مستبعد وفق محمد الحدود المتخصص في الشأن الاقتصادي.

إلى ذلك الحين، يبدو أن مؤشر الحزن سيواصل الارتفاع، فيما يدندن العراقيون مع إلهام المدفعي من كلمات الشاعر “الحزين” عزيز السماوي: “خطار عنا الفرح…”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني