حاتم علي عائداً إلى دمشق: النظام ينفيه والسوريون يحتضنونه

حاتم علي، السوري المنبوذ، يعود محملاً على الأكتاف، وعلى رغم المأساة واليأس حضر في جنازته فرحٌ شفيف، فرح العودة والانتماء خارج سلطة النظام ومباركة الحضور الرسمي.

انتظرتُ ككثيرين نقل تشييع المخرج السوري حاتم علي (1962-2020) على إحدى القنوات الرسمية السوريّة. إلا أن ساعات مضت ولم تبث ولو قناةٌ واحدة مراسم التشييع. اكتفيتُ كما كلّ السوريين بمتابعة بعض اللقطات المصورة على هاتفي المحمول لمحبين وأصدقاء حضروا التشييع، ونشروا المقاطع لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي، هذا كلّ ما ملكناه من الرحيل الأخير لحاتم علي.

النظام السوريّ يتجاهل موته

بعد وفاته في مصر يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر 2020، نُقل جثمان المخرج السوريّ إلى دمشق، تلبية لوصيته، ليتم تشييع جثمانه من جامع الحسن في حي أبو رمانة يوم 1 كانون الثاني/ يناير 2021 ليُنَقل إلى مثواه الأخير في مقبرة الباب الصغير. شارك في التشييع عددٌ من الممثلين والمعجبين والمحبين الذين دعوا عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى مرافقة حاتم في رحلته الأخيرة، في حين التزمت الجهات الرسمية السوريّة الصمت، واكتفتْ نقابة الفنانين في سوريا بنشر خبر عن وفاته على حسابها على “فايسبوك”، من دون أن تنعيه حتى! فيما نقلت القنوات الرسمية الخبر ضمن شريط الأخبار لا أكثر، ما أثار سخط السوريين، سائلين عن سبب تجاهل المؤسسات الرسمية رحيل شخصية سورية كبيرة!

بالعودة إلى الخلف، ليس مستغرباً سلوك نقابة الفنانين، التي فصلت حاتم علي من عضويتها عام 2015 بحجة عدم سداده اشتراكات النقابة، في محاولة منها للتضييق على الفنانين بسبب آرائهم السياسية، لم تكن معارضة حاتم للنظام السوريّ خافية، فكان يكفي ألّا “يشبّح” للنظام، حتى يصنّف معارضاً وتتم محاربته. فُصل حينذاك عدد من الفنانين، بينهم رامي حنا وباسل خياط. النظام الذي نادى بالحوار والديموقراطية حاول التخلص من معارضيه بالفصل من نقاباته ومؤسساته وليس انتهاء باعتقالهم وتعذيبهم. لكن وفاة حاتم أوقعت نقابة الفنانين في حيرة من أمرها، فلا يمكنها تجاهل شخصية سوريّة مؤثرة مثله، ولا تستطيع في الوقت ذاته التراجع عن نبذه، ووسط حيرتها وخوفها من مجرد نعيه، اكتفت بنشر خبر مقتضب عن وفاته!

لم تكن معارضة حاتم للنظام السوريّ خافية، فكان يكفي ألّا “يشبّح” للنظام، حتى يصنّف معارضاً وتتم محاربته.

وإن كانت رغبة حاتم في أن يدفن في دمشق تعكس تعلّقه بمدينته إلّا أنها تستحضر أيضاً تمسّك السوري بحقّ العودة إلى وطنه حتى وإن في تابوت، ذكّرت وفاته السوريين بواحدة من أكبر معضلات الشتات السوري وهي حق عود اللاجئين السوريين في العالم، بوجود حوالى 6.6 مليون لاجئ سوري حول العالم بحسب تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يتركز 83 في المئة منهم تقريباً في دول الجوار السوري والمنطقة العربية كلبنان والأردن وتركيا. في ظل محاولات هشّة للنظام لإطلاق دعوات لعودة اللاجئين كان آخرها “مؤتمر عودة اللاجئين” الذي أقيم في دمشق وحظي بدعم روسي ومقاطعة الكثير من الدول كالولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، لكن كيف يعود السوريون وآلاف المعتقلين ما زالوا في سجون الأسد ولا ضمانات معيشية أو أمنية للراغبين بالعودة، فالخوف الأول للاجئين هو الاعتبارات الأمنية يليها الوضع الاقتصادي المنهار ودمار البنية التحتية في سوريا. كيف إذاً يعود اللاجئون إلى بلد غير صالحة للعيش؟ 

محبة حاتم تجمع السوريين

لم يكن خبر وفاة المخرج السوري ليمرّ بين أبناء شعبه كخبر عادي، فالذاكرة الحيّة للسوريين في الداخل والخارج ما زالت تحتفظ بشريط سينمائي طويل زرعه حاتم في حياتهم. وفي حين ظهرت في سنوات الثورة أصوات كثيرة شككت بوجود شخصية يُجمِع عليها السوريون كبديل لنظام الأسد، يقول لنا اليوم رحيل حاتم أن هذا الخيار موجود، وأن السوريين يجمعون على شخص من دون التردد للحظة بحبه وإيمانهم بانتمائه لسوريا، ولن يكون حاتم هذا الجامع الوحيد.

ما حدث خلال التشييع كان خاصاً ولم يختبره السوريون في الداخل منذ زمن، هم المحاصرون بالانهيار الاقتصادي والتضييق الأمني والمحرومون أساسيات الحياة من وقود للتدفئة وخبز وكهرباء وعناية صحية في ظل “كوفيد- 19″، إلى أن حانت لحظة التشييع، وجاءت المفاجأة بمشاركة كثيرين في جنازة حاتم من تلقاء أنفسهم. فقرابة 90 في المئة من المشيعين بحسب بعض الفنانين هم من العامة وليسوا فنانين أو أصدقاء لحاتم، الذي جمل وداعه ربات منازل، موظفين، عمال نظافة، فنانين، شعراء ورسامين… كلهم بكوا لرحيله.

وفي زحمة الحزن تلك، نسي الجميع وباء “كورونا” وما يستوجبه من وقاية، فقليلون حافظوا على الكمامة، فيما سار الجميع في الشوارع بعيون متورمة وبنشيج مسموع في كلّ مكان. تروي لي صديقتي عن رجل عجوز مرّ قربها وهو يردد بصوت عالٍ: “أنا درويش… أنا درويش”، أكان يقول إنه ينتمي إلى أعمال حاتم وأن أحد الأعمال كانت تحكي عنه؟ ما الذي يودّ قوله عجوز يسير في جنازة، مردداً أنا درويش؟ إحدى السيدات أحضرت طفلتيها، كانتا في الثامنة والرابعة تقريباً، جلستا على جانب الرصيف تراقبان الجنازة وأمهما تبكي قربهما، كان المشهد مربكاً واستثنائياً، أن تتعرف طفلتان بهذا العمر إلى شخصية كحاتم، لم تأتيا لمرافقة والدتهما وحسب، بل لأنهما تعرفان حاتم وأعماله جيداً، كان الجميع يردد عبارات وداع أخيرة، فسُمعت بوضوح عبارات: “الله معك يا حاتم”، “يكتر خيرك يا حاتم”. كان التشييع شديد العفوية وصادقاً وإن انتشر بعض عناصر الأمن حول المشيعين لتعيد الجنازة للكثيرين ذكرى التظاهرات التي خرجت ضد النظام، فكان الناس يسيرون هاتفين ومصفقين للأعلى ومغنين، لتكون شارات أعمال الراحل خلفية لحزن السوريين مجدداً.

وعلى رغم محاولة النظام تجاهل رحيل حاتم لعله يمرّ من دون ضجة، غدا تشييعه إثباتاً لقوة الفن وقدرة السوريين على العودة إلى الجمال ليكون جامعاً لهم، تاركين طوابير الخبز والغاز، ملتحقين بتشييع مخرجهم، في مشهد لم يحدث في دمشق منذ زمن، فما الذي يدفع رجلاً لترك دوره في طابور الخبز والالتحاق بتشييع مخرج؟ ما الذي يدفع الفقراء المنهكين للمشاركة في جنازة فنان والمشي خلفه في حارات الشام التي حرص على إظهارها في أعماله بكل صدقها وعفويتها، فهو مخرج يخلق دمشق أينما حلَ ولا يذهب إليها وحسب؟

بقيتْ ذكرى حاتم نقية من دون أن يشوّه النظام تشييعه بشعاراته الوطنية الفارغة، وخسر نقيب الفنانين في سوريا زهير رمضان فرصة التملق بكلمات لاكها الزمن والتزوير.

العودة إلى سوريا بتابوت

حاتم واحدٌ من آلاف السوريين الذين حلموا بالعودة إلى بلدهم وإن في تابوت. لكن هذا الحلم الذي يراود كثيرين يبقى صعب المنال، فأن يحصل السوري على جنازة ومقبرة في بلاده، بات نوعاً من الترف، إذ يدفن كثيرون في بقاع الأرض بعيداً من أحلامهم وعائلاتهم وأماكنهم.

لا يكترث النظام السوري لأشخاصٍ لا ينتمون للسلطة أو لحزب البعث أو لأذيال النظام، مهما كان أثرهم الإنسانيّ والفنيّ كبيراً، كلّ من لم يهتف باسم الأسد هو خارج حسابات السلطة ومؤسساتها، إنه الجواب الوحيد الذي يظهر إذا ما تساءلنا عن سبب تجاهل الإعلام الرسمي ووزاراته ومسؤوليه لموت شخصية مؤثرة محلياً وعربياً كحاتم علي! وهذا ما لمّح إليه بعض الفنانين المشاركين في الجنازة، ليتحدث الممثل السوري عباس النوري عن محاولة “إلغاء” بحسب قوله بحق حاتم، شبيهة بمحاولة إلغاء الشاعر نزار قباني لكنها محاولة إلغاء فاشلة، مردداً: “المحبة ليست سياسة”. من جهة أخرى، شارك فنانون معروفون بتأييدهم النظام السوري كالممثلة سلاف فواخرجي وباسم ياخور في التشييع وهو ما بدا غريباً وغير مألوف.

مثل حاتم حالة عامة ويتحول من موت فردي إلى آخر جماعي، من غربة فردية إلى غربة شعب كامل، تحول نبذ النظام إياه إلى نبذ يطاول كلّ السوريين، الذين لم يغب عنهم ذلك ولهذا كانوا قريبين من حاتم السوري المطرود من بلاده، فرافقوه مهللين ومصفقين، بالزغاريد وبموسيقى شارات أعماله وبالتكبير، حتى بدا المشهد وكأنه مأخوذ من عمل أخير لحاتم الذي أبى حتى في وداعه الأخير إلّا أن يجمع السوريين فترك لكلّ منهم أن يحزن بطريقته. وبذلك مشى السوريون مع “حاتمهم” من مستشفى الشامي في منطقة المالكي إلى أبو رمانة مروراً بساحة الأمويين وشارع مهدي بن بركة إلى مقبرة باب الصغير في حي الشاغور.

حاتم علي، السوري المنبوذ، يعود محملاً على الأكتاف، وعلى رغم المأساة واليأس حضر في جنازته فرحٌ شفيف، فرح العودة والانتماء خارج سلطة النظام ومباركة الحضور الرسمي، فمنذ زمن لم يستطع سوريو الداخل التعبير عن أنفسهم بصدق من دون مباركة النظام ومؤسساته، لكن حاتم منحهم هذه الفرصة، فرصة أن يكونوا سوريين وحسب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني